ترجمات أجنبية

فورين أفيرز: العصر الإمبراطوري الجديد، سياسة ترمب الخارجية تستند إلى رؤية عمرها قرن من القوة الأميركية

أروب موخرجي

فورين أفيرز 9-1-2026 أروب موخرجي: العصر الإمبراطوري الجديد، سياسة ترمب الخارجية تستند إلى رؤية عمرها قرن من القوة الأميركية
عندما انتقد وزير الخارجية الأميركي جون كيري الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأنه تصرف “بعقلية القرن الـ19″، عقب غزو شبه جزيرة القرم عام 2014، ربما لم يتوقع أن هذا الوصف سيغدو أصدق توصيف للسياسة الخارجية الأميركية اليوم. التدخل الأميركي في فنزويلا فتح الباب أمام سيل من المقارنات التاريخية التي عقدها المحللون، فالقرن الـ20 حافل بالأمثلة والنماذج التي يمكن الاختيار منها للمقارنة، لكن الحقبة التي يتردد صداها بقوة اليوم هي الحقبة التي بدأت فيها التدخلات الأميركية المتكررة والمتغطرسة في أميركا اللاتينية، وتبدأ تلك القصة عام 1898.

فبعد هزيمة إسبانيا في حرب 1898 (المعروفة أيضاً بالحرب الإسبانية الأميركية)، استحوذت الولايات المتحدة على مستعمرات إسبانية سابقة في غوام والفيليبين وبورتوريكو، وفرضت نظام وصاية على كوبا. وبصورة منفصلة، ضمت هاواي، وكانت تدرس شق قناة عبر نيكاراغوا، (قبل أن يستقر المشروع لاحقاً في بنما)، وحاولت شراء أراض من الدنمارك في منطقة الكاريبي. ولمدة نصف قرن بعد عام 1898، لم تغب شمس الإمبراطورية الأميركية.

كانت الولايات المتحدة تمتلك بالفعل خبرة واسعة في التوسع والاستغلال والاستعمار. ومع ذلك، شكل عام 1898 نقطة تحول حاسمة. ففي غضون أشهر، أسقطت الولايات المتحدة إمبراطورية أوروبية، واستحوذت على أكثر من 7 آلاف جزيرة تبعد أكثر من 7 آلاف ميل من ساحل كاليفورنيا، وأصبحت على الفور قوة كبرى في المحيط الهادئ. ولم يقل عدد أفراد الجيش الأميركي عن 100 ألف جندي بعد ذلك. وكما قال وودرو ويلسون قبل عقد من توليه رئاسة الولايات المتحدة: “لم تغيرنا أية حرب كما غيرتنا الحرب مع إسبانيا، لقد شهدنا ثورة جديدة”.

في الواقع، لقد عادت حقبة 1898، والتشابهات السطحية كثيرة. فحماسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للرسوم الجمركية والحمائية، واهتمامه باستعادة قناة بنما، وتوتر علاقاته مع كندا، وتركيزه على أميركا اللاتينية، وسعيه وراء الأراضي الدنماركية، كلها أمور تستحضر أجواء مطلع القرن الـ20. وليس من المستغرب أن يكون الرئيس ويليام ماكينلي، الذي تولى الرئاسة من عام 1897 إلى عام 1901، أحد ملهمي ترمب. وربما يحظى ثيودور روزفلت، خليفة ماكينلي الذي واصل سياسات هذا الأخير ووسعها، بإعجاب ترمب أيضاً: فقد كان أول رئيس أميركي يفوز بجائزة نوبل للسلام. معاً، قاد ماكينلي وروزفلت الولايات المتحدة إلى القرن الأميركي، وهي فترة هيمنة أميركية عالمية.

لكن أوجه الشبه التاريخية تتجاوز بكثير أية مجموعة من السياسات أو الإجراءات، فإدارة ترمب لا تستخدم أساليب قديمة فحسب، بل الأهم من ذلك أنها تحيي مفاهيم قديمة للقوة والأمن، إذ أعادت إحياء رؤية عالمية تركز على الثروة والجغرافيا والحضارة، باعتبارها معياراً قديماً للتقدم الاجتماعي موروثاً منذ قرون. والأهداف المادية والثقافية المشتركة لإدارة ترمب تتشابه مع فكر تلك الحقبة المبكرة من السياسة الخارجية الأميركية، ولكن في سبيل الارتقاء بهذه الرؤية وتنفيذها، ينبغي على ترمب ومستشاريه أن يستخلصوا الدرس الأهم من عام 1898: كلما زاد تدخل الولايات المتحدة في الخارج، بدت كل مشكلة جديدة تواجهها أكثر أهمية وإلحاحاً للحل، وازدادت صعوبة خروج واشنطن من القضايا المعقدة والمتشابكة التي تورطت فيها.

قوة العالم القديم

كان الاقتصاد السليم محورياً في مفهوم ماكينلي للقوة والأمن، فقد أراد ماكينلي حماية الأميركيين من عدم اليقين والخوف والصعوبات الاقتصادية. وكان لديه فهم راسخ وتصور متبلور لقوة الولايات المتحدة، يستند إلى الازدهار الداخلي والاعتماد على الذات [الاكتفاء الذاتي] والتصنيع. ولم يكن قلقاً كثيراً إزاء هجوم عسكري مباشر على أراضي الولايات المتحدة القارية (باستثناء فترة حرب عام 1898، مع خطر قصف إسباني محتمل للسواحل الأميركية)، لكنه كان قلقاً بشدة من أن يؤدي الكساد الاقتصادي إلى الذعر والفوضى. ولهذا السبب، ومع توليه الرئاسة، كان اهتمام ماكينلي بالشؤون الخارجية أقل بكثير من اهتمامه بتجديد الداخل الأميركي.

كما كان للأراضي دور في هذا التصور، قال ماكينلي أمام حشد في مينيابوليس عام 1899، عندما شبه مكاسبه في المحيط الهادئ بصفقة شراء لويزيانا عام 1803 واحتفى باتساع المساحة الجغرافية الجديدة للولايات المتحدة: “إن زيادة أراضينا قد أضافت كثيراً إلى قوتنا وازدهارنا”. وقد أضاف ضم الفيليبين بلداً بحجم ولاية أريزونا إلى الممتلكات الأميركية. وفي نظر ماكينلي، منح ذلك الولايات المتحدة مكانة وهيبة واحتراماً. وقد قال ذات مرة لأحد مستشاريه: “كان من أفضل ما قمنا به على الإطلاق هو إصرارنا على ضم الفيليبين. وهكذا أصبحنا، في غضون أشهر قليلة، قوة عالمية”.

أما روزفلت فقد ذهب بهذا التفكير خطوة أبعد، فبرأيه لم تكن القوة والأمن مسألة امتلاك أراض فحسب، بل أيضاً تبنى تصوراً أكثر استراتيجية للجغرافيا. فاحتلال ماكينلي لكوبا واستيلاؤه على بورتوريكو قد مكنا روزفلت من التعامل مع أميركا اللاتينية بوصفها ضمن مجال النفوذ الأميركي، وهو ما ألهم لاحقاً ما عرف بـ”ملحق روزفلت” الشهير لمبدأ مونرو، الذي استند صراحة إلى سياسة ماكينلي بتحويل كوبا إلى دولة محمية، غير أن ملحق روزفلت لم يكن ملحقاً مكملاً بقدر ما كان نقيضاً. فمبدأ مونرو كان يهدف إلى منع القوى الأوروبية من إنشاء مستعمرات جديدة في نصف الكرة الغربي، وقد وضع الولايات المتحدة في مواجهة أوروبا دفاعاً عن السيادة. أما ملحق روزفلت، فذهب في الاتجاه المعاكس، إذ أكد أن لدى الولايات المتحدة التزاماً بالتدخل لحماية دول نصف الكرة الغربي من عدم الاستقرار والاضطراب الداخليين، أي حمايتها من نفسها. وقد وضعت هذه النتيجة الولايات المتحدة في مواجهة نصف الكرة الغربي، في انتهاك لمبدأ السيادة.

وكان مفهوم الحضارة هو الركيزة الأخيرة، وربما الأهم، في تصور القوة والأمن لدى كل من ماكينلي وروزفلت. فالنخب في تسعينيات القرن الـ19 فهمت الحضارة بوصفها مقياساً للإنجاز المجتمعي، يضع الشعوب المختلفة في تسلسل هرمي للتقدم، في أدنى الهرم ما يسمى بالمتوحشين والبرابرة، وفي القمة المجتمعات شبه المتحضرة والمتحضرة. وقد تضمنت السمات المتعددة التي ربطتها النخب الأميركية بالحضارة: سيادة القانون، والنظام، والحكم الذاتي، والابتكار، والأخلاق، والازدهار، والمسيحية، والحداثة، ومحو الأمية، والتعليم. وقد تأثرت هذه المعايير بشدة بالأحكام المسبقة العرقية والاجتماعية والثقافية السائدة، وكانت قد سبقت المصطلحات الحديثة، مثل الشمال والجنوب العالميين، والاقتصادات الناشئة، والعالم الأول والعالم الثالث، التي تصنف المجتمعات بصورة مماثلة في تسلسل هرمي فضفاض للتقدم.

كانت الحضارة نقطة التقاء الثقافة والأمن، فتآكل الحضارة في الداخل كان ينذر بالفوضى والاضطراب والبؤس. وقد دفع ذلك كثيراً من النخب إلى الدعوة إلى تقييد الدخول والهجرة إلى الولايات المتحدة. ففي أواخر القرن الـ19، على سبيل المثال، قدم الكونغرس عشرات القرارات لاستبعاد الفوضويين ومعاقبتهم. وكان القادة يرون فيهم تهديداً للأمن القومي، كما وثق المؤرخ ألكسندر نونان بدقة. ولم يكن هذا القلق في غير محله، فقد اغتيل الرئيس ماكينلي عام 1901 على يد فوضوي، بعد ستة أشهر فقط من بدء ولايته الرئاسية الثانية. وبالمثل، استخدم آخرون المنطق الحضاري نفسه للاعتراض على الإمبريالية الأميركية. فعلى سبيل المثال، ضغط وزير خارجية ماكينلي، ويليام داي، على الرئيس ضد ضم الفيليبين عام 1898، لأنه خشي أن يؤدي إدماج شعوب أجنبية في الكيان السياسي الأميركي إلى تهديد حضارة البلاد. وكتب داي إلى الرئيس بينما كان يتفاوض على اتفاق السلام النهائي مع إسبانيا: “كما قلت لكم دائماً، فإن الاستحواذ على هذا الأرخبيل الشاسع، الذي يضم 8 أو 9 ملايين من السكان الجاهلين تماماً، وكثيرين منهم منحطين، الذي يملك قدرة على إعالة 50 مليون نسمة، يبدو لي مهمة بالغة الضخامة لدولة تفخر بأن تقوم حكومتها على رضى من تحكمهم”.

وكان ماكينلي وروزفلت يعتقدان أن الشؤون الدولية ستكون أكثر قابلية للتنبؤ وأكثر سلمية لو تشابه عدد أكبر من الدول مع الولايات المتحدة من حيث المعايير الحضارية، وقد أطلقت على هذا المفهوم اسم “نظرية السلام الحضاري”، التي تطورت لاحقاً إلى “نظرية السلام الديمقراطي” المرتبطة بها، التي سادت في القرن الـ20 وبدايات القرن الـ21، وتفترض أن الديمقراطيات لا تخوض حروباً في ما بينها. وبالنسبة إلى روزفلت، دعمت هذه النظرية أيضاً ما يسميه المؤرخ تشارلي لادرمان “الملحق الثاني” لعقيدة مونرو، الذي حدد مجموعة من المبادئ للتدخل رداً على “الجرائم ضد الحضارة”، بما في ذلك الفظائع التي ترتكبها الحكومات في حق شعوبها، وكان روزفلت يؤمن بأن على الولايات المتحدة واجباً حضارياً لمعاقبة السلوك السيئ ومنع الانتهاكات الجسيمة في أي مكان في العالم.

وقد شكلت هذه الركائز أساس السياسات الأمنية خلال إدارتي ماكينلي وروزفلت، وأفضت إلى عصر لم يكن عصراً إمبراطورياً فحسب، بل أيضاً عصر تدخل في شؤون الدول الأخرى للحفاظ على الأراضي والنفوذ وحقوق التجارة، وكذلك لتعزيز ما كان ينظر إليه آنذاك على أنه تقدم حضاري.

قوة العالم الجديد

يتصور القادة الأميركيون اليوم مفاهيم القوة والأمن بطريقة مشابهة لتصورات ماكينلي وروزفلت، فالاقتصاد، على سبيل المثال، يلعب دوراً رئيساً في سياسة الأمن القومي التي ينتهجها ترمب. ويهدف تركيز إدارته على “إحياء التصنيع”، والحمائية، والاعتماد على الذات، إلى استعادة العصر الذهبي الأميركي الذي بلغه مجال التصنيع في أواخر القرن الـ19، حين شهد الاقتصاد الأميركي تحولاً صناعياً. وكما كتبت سابقاً مع دون غريفز في مجلة “فورين أفيرز”، فإن نموذج ترمب في الأمن الاقتصادي يعطي الأولوية أيضاً لمنطق نفعي قصير النظر، يطبق على السياسات المتعلقة بالتكنولوجيا، والتحالفات، والتنمية، وحتى الهدايا المقدمة من حكومات أجنبية. ولهذا السبب، وفي ما يتعلق بفنزويلا، ستستهدف الإدارة على نحو متزايد الموارد الطبيعية للبلاد، ولا سيما احتياطاتها الضخمة من النفط والمعادن.

كما أن الأرض، أي الإقليم، تحتل مكانة مهمة في تفكير إدارة ترمب. فلو كانت موارد الطاقة، وسلاسل الإمداد، والمصالح الاقتصادية هي الأولوية الرئيسة الوحيدة للإدارة، لكانت لغة المرحلة هي التفاوض على اتفاقات تجارية وبناء الموانئ وتأجيرها وتأمين حقوق التعدين، لا الضم. ومع ذلك لوح ترمب حتى الآن بفكرة مستفزة هي الاستحواذ على الأراضي في بنما وكندا وغزة وغرينلاند. وبعد احتجاز مادورو في جنح الليل الأسبوع الماضي، وعد ترمب بحكم فنزويلا، قائلاً: “سنتولى إدارتها، إلى أن يحين الوقت الذي يمكن فيه إجراء انتقال سلس للسلطة”. ويبدو أن صورة من صور نظام الحماية أو الوصاية ليس مرجحاً فحسب، بل قد وعد به صراحة. وفي أعقاب العملية العسكرية الدراماتيكية في فنزويلا، أعاد مساعدو ترمب أيضاً التلويح بالتهديدات المتعلقة بالاستحواذ على غرينلاند.

لكن ما يجعل الماضي حاضراً بقوة في سياسة ترمب تجاه فنزويلا هو الدور المحوري الذي تلعبه مفاهيم الحضارة في أفعال الرئيس، فاعتقال مادورو يتبع منطق كل من ملحق روزفلت لمبدأ مونرو، الذي يهدف إلى استقرار نصف الكرة الغربي، وكذلك الملحق “الثاني” غير الرسمي لروزفلت، الذي يبرر معاقبة الجرائم المرتكبة ضد الحضارة. لا شك في أن مادورو يشكل وصمة عار في تاريخ فنزويلا، وكان عدد من المشرعين الأميركيين البارزين قد دعوا إلى تغيير النظام قبل وقت طويل من شن ترمب عملية الخطف الخاطفة، وإزاحة مادورو تحقق التزامين من التزامات روزفلت. كما يعتقد ترمب أن الفنزويليين غير قادرين على حكم أنفسهم، في الأقل في الوقت الراهن. فقد صرح في الثالث من يناير (كانون الثاني): “لا نمانع في قول ذلك، لكننا سنحرص على أن تدار تلك الدولة على نحو صحيح”. هذا التشكيك في قدرة فنزويلا على الحكم الذاتي يذكر بالقلق الحضاري الذي أبداه ماكينلي بشأن الفيليبينيين قبل ضم الأرخبيل [في الواقع، قبل ضم الأرخبيل أي الفيليبين عام 1898، كان الفيليبينيون يسعون إلى الاستقلال عن إسبانيا، لكن الولايات المتحدة سيطرت على البلاد بعد هزيمتها لإسبانيا بحجة أن الفيليبينيين غير مؤهلين للحكم الذاتي]، فقد أصر ماكينلي على أن الولايات المتحدة وحدها هي القادرة على تعليمهم كيف يديرون بلادهم.

وتبرز الأفكار المتعلقة بالحضارة بقوة في سياسات ترمب الأمنية الأخرى، إذ إن توسيع نطاق مداهمات إدارة الهجرة والجمارك الأميركية ICE، والتركيز الكبير على الحدود الأميركية، وإلغاء التأشيرات على نطاق واسع، كلها مؤشرات واضحة على رغبة في جعل المجتمع الأميركي متجانساً. وفي استراتيجيتها للأمن القومي لعام 2025، حذرت إدارة ترمب من “محو الحضارة” في أوروبا ومن تآكل “هويتها الغربية”. وهذا تحديداً ما يبدو أن الإدارة تخشى حدوثه في الولايات المتحدة نفسها. ومن هنا، سيطرتها المركزية غير المعتادة على معارض مؤسسة “سميثسونيان” البحثية، وهجماتها على مختلف مستويات النظام التعليمي الأميركي. ومثلما خشي ويليام داي أن يصبح الفيليبينيون في نهاية المطاف ناخبين أميركيين، يرى كثير من القادة الجمهوريين اليوم أن التعددية تمثل تهديداً للأمن القومي، وتضيف الاستراتيجية نفسها لعام 2025: “لقد انتهى عصر الهجرة الجماعية”.

مزيد من التدخل، مزيد من المشكلات

تبرز على نحو لافت عبارة واحدة في خطاب تنصيب ترمب لعام 2025: “ستعتبر الولايات المتحدة نفسها مجدداً أمة نامية، أمة تزيد ثروتها، وتوسع أراضيها، وتبني مدنها، وترفع سقف طموحاتها وتوقعاتها، وتحمل رايتها إلى آفاق جديدة وجميلة”. لا توجد عبارة أخرى تجسد على نحو أكمل الارتباط الوثيق بمفهوم القوة والأمن في أواخر القرن الـ19، ومن الصعب تخيل أي رئيس أميركي حديث ينطق بهذه الكلمات. مع ذلك، كانت هذه الكلمات لتتناسب تماماً مع خطاب تنصيب ماكينلي الثاني.

ومع ذلك، تحمل حقبة ماكينلي في طياتها عبرة تتمحور حول ما سميته “فخ المتدخل”. وبينما ترسم إدارة ترمب مسارها في فنزويلا، سيكون من الحكمة أن تضع نفسها مكان إدارة ماكينلي في خريف عام 1898. في ذلك الوقت، كان ماكينلي قد أطاح بالنظام الاستعماري الإسباني القمعي في الفيليبين. لم يكن يثق بالسكان المحليين، واعتقد أن الولايات المتحدة يمكنها إدارة بلادهم على نحو أفضل. ونظراً إلى أن القوات الأميركية كانت قد هزمت الإسبان وسيطرت على مانيلا، شعر ماكينلي بملكية الأرخبيل، مما دفعه إلى المبالغة في تقدير أهمية أحداث الشرق الأقصى بالنسبة إلى المصالح الأساسية للولايات المتحدة. وقد رأى أن انسحاب القوات الأميركية من الفيليبين سيؤدي إلى حرب بين القوى العظمى، فقرر تفادي هذه الحرب من خلال ضم الأرخبيل بأكمله، وهو تبرير مثير للاهتمام بالنظر إلى أن ماكينلي لم يكن قلقاً من قبل في شأن حرب بين القوى العظمى. بعد الضم، أصبح تدخل الولايات المتحدة في آسيا يقوم على منطق يبرر نفسه بنفسه: كان على واشنطن أن تواصل التدخل لأنه بات مهماً لمصالحها، لكن هذه المصالح كانت متجذرة بعمق في الخطيئة الأصلية المتمثلة في ضم الفيليبين. وبعبارة أخرى، فإن التدخل دفع ماكينلي وخلفاءه إلى التمسك بموقفهم. ولم تحصل الفيليبين على استقلالها إلا في عام 1946.

يتعين على ترمب الآن أن يحدد خطوته التالية، ومثلما فعل الفيليبينيون في البداية عام 1898، رحب كثير من الفنزويليين بإزاحة زعيم قمعي. لكن الترحيب بالتغيير لا يعني بالضرورة الترحيب بسيطرة الولايات المتحدة على بلادهم. كان إميليو أغينالدو، ربما أبرز قائد فيليبيني في 1898، مبتهجاً بانتصار ماكينلي على الإسبان. لكن للأسف، لم يكن لأي فيليبيني أي رأي في ما تلا ذلك. فقد أشعل قرار ماكينلي بضم الفيليبين فتيل تمرد على بعد آلاف الأميال، مما أدى إلى أطول حرب خارجية للولايات المتحدة حتى الحرب العالمية الثانية. وقد انتصرت القوات الأميركية، لكن بكلفة باهظة، مادية وأخلاقية على حد سواء، إذ مات مئات الآلاف من الفيليبينيين في الحرب الفيليبينية – الأميركية، غالبيتهم بسبب الأمراض والمجاعة، بما في ذلك في معسكرات الاعتقال الأميركية. ولقي عدد مماثل تقريباً من المدنيين حتفهم جراء القنابل الذرية الأميركية التي ألقيت على هيروشيما وناغازاكي.

قد يبدو للوهلة الأولى أن فكرة “إدارة فنزويلا” من وزارة الدفاع أو وزارة الخارجية أو البيت الأبيض منطقية لبعضهم، أو ربما لشخص واحد في الأقل في الإدارة، لكن التدخل السافر في الخارج ينذر بوقوع هذه الإدارة، والإدارات المستقبلية أيضاً، في فخ الاعتقاد بأن الأحداث في فنزويلا وحولها أكثر أهمية للمصالح الأميركية مما هي عليه في الواقع. فمع محاولة إدارة ترمب الإشراف على فنزويلا، ستغدو أحداث لم تكن لتهم الولايات المتحدة سابقاً شديدة الأهمية في نظرها. وإذا ما أدى الدور الأميركي في فنزويلا إلى اندلاع أية صورة من صور التمرد أو المعارضة الصاخبة، فسيتورط الرئيس بطرق قد تسبب اضطرابات ومأساة.

وكما جادل عالم السياسة كاليب بوميروي أخيراً في مجلة “فورين أفيرز”، فإن الدول كلما ازدادت قوة، غالباً ما يزداد شعورها بانعدام الأمان. فعندما ضمت الولايات المتحدة الفيليبين، أدى ازدياد قوتها إلى إحساس أكبر بالهشاشة والضعف. وكما اعترف روزفلت لويليام هوارد تافت في عام 1907: “الفيليبين هي كعب أخيل بالنسبة إلينا”، وإذا بدأ ترمب في إدارة فنزويلا، فلن يجد فنزويلا عصية على السيطرة فحسب، بل سيجد هو وخلفاؤه أنه من المستحيل التخلي عنها.

*أروب موخرجي كبير مستشاري نائب وزير التجارة الأميركية للشؤون الاقتصادية والأمن القومي 2022 – 2024. 

مركز الناطور للدراسات والابحاثFacebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى