#ترجمات أجنبيةشوؤن دولية

فورين أفيرز: أسباب خسارة روسيا لنفوذها في الساحل الأفريقي

أخطاء موسكو في المنطقة عبرة وفرصة لواشنطن

فورين أفيرز 31-3-2026: أسباب خسارة روسيا لنفوذها في الساحل الأفريقي

منذ عام 2020، وسعت روسيا حضورها في منطقة الساحل الأفريقي، مستفيدة من تراجع نفوذ باريس وواشنطن لتعزز موقعها في جميع أنحاء أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. ومع تصاعد الاضطراب الشعبي وتنامي السخط على الأنظمة الحاكمة، رأت موسكو فرصة سانحة: فدعمت أولى الانقلابات في مالي، ثم ساندت ما تلاها في بوركينا فاسو والنيجر، في خطوة أرادت من خلالها أن تؤكد للعالم أنها لا تزال قادرة على التحرك خارج حدودها على رغم محاولات عزلها غربياً عقب غزو أوكرانيا.

في المقابل، حققت دوائر الأمن القومي الروسية مكاسب عبر صفقات “الموارد مقابل الأمن” مع قادة يواجهون أزمات داخلية، مقدمة حزمة خدمات تشمل التدخل العسكري المباشر، والدعم الاستخباري، وحماية الأنظمة، إلى جانب حملات التضليل، في مقابل امتيازات في قطاعات التعدين والوصول إلى الصناعات الاستخراجية. غير أن جاذبية هذه العروض بدأت تتراجع بعد أكثر من خمس سنوات، مع انكشاف محدودية القدرات الروسية وتعقيدات بيئة لم تستوعبها موسكو بالكامل، مما يجعل تمددها في الساحل أقرب إلى التباطؤ، إن لم يكن مهدداً بالتفكك بالكامل.

لكن قدرة موسكو على الاستمرار لم تنفد بعد، وقد أظهرت صلابة في مواجهة التحديات في مناطق أخرى من القارة، مثل جمهورية أفريقيا الوسطى. لكن المبادرات الروسية في الساحل، التي تميزت بوعود غير محققة وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ونتائج ضعيفة على الأرض، تقدم درساً تحذيرياً للدول الأفريقية الأخرى قبل أن تقرر قبول الدعم الروسي، كما ينبغي للقوى الخارجية أيضاً أن تتعلم الدروس من المشروع المشؤوم الذي أطلقه الكرملين في الساحل.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة وأوروبا، فإن الرسالة واضحة: بدلاً من محاولة منافسة الأنظمة الاستبدادية في الساحل بنفس شروط موسكو التبادلية، ينبغي على صناع السياسات الغربيين التحلي بضبط النفس، وترك روسيا محاصرة بحدود قدراتها وتزايد المنافسة الخارجية من الدول الأخرى عليها. في الوقت نفسه، يجب عليهم استثمار ما عجزت موسكو عن تقديمه: تعزيز التعاون الإقليمي وبناء قدرات الحكم التي تخفف معاناة المدنيين وتؤسس لأمن أكثر استدامة في المنطقة.

انقلاب تلو آخر

دخلت موسكو منطقة الساحل ضمن سياق استراتيجية أوسع للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتعزيز مكانة روسيا كقوة عالمية، مستفيدة من سلسلة تدخلات انتهازية وناجحة بين عامي 2014 و2019 في أوكرانيا وسوريا وجمهورية أفريقيا الوسطى وليبيا. هذا المزيج من القدرات العسكرية والاستخبارية التقليدية مع عمليات تضليل إعلامي معلوماتية والوكلاء الذين يمكن إنكار الصلة بهم والتقويض السياسي، أربك الولايات المتحدة وأوروبا، ودحض تقييم الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما لروسيا كمجرد “قوة إقليمية”.

وقد شكلت هذه التجربة نموذجاً للكرملين في الساحل، الذي كان بنهاية العقد الثاني من القرن الـ21 يعاني انهياراً أمنياً متسارعاً ونظاماً سياسياً متصدعاً. ومع تزايد استياء الجمهور من الفساد وفشل الحكومات الديمقراطية، وتفاقم العنف الجهادي، سيطرت سلسلة من الانقلابات العسكرية على مالي وبوركينا فاسو والنيجر بين عامي 2020 و2023. إضافة إلى ذلك، فإن موجة رفض شعبي لفرنسا، القوة الاستعمارية السابقة في المنطقة، شكلت بيئة مثالية استغلتها روسيا سريعاً لتعزيز نفوذها.

بعد أول انقلابين متتاليين عام 2020، أصبحت مالي محور اهتمام موسكو وميدان اختبار لعدد من التكتيكات التي ستطبقها روسيا لاحقاً في أماكن أخرى، فقد كانت مالي شريكاً للولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب منذ هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول)، والمسرح الرئيس لعملية “بارخان” التي أطلقتها فرنسا لمكافحة الإرهاب عام 2014. وفي ظل تصاعد عدم الاستقرار السياسي، قام عملاء روس مرتبطون بـ يفغيني بريغوجين، مؤسس شركة “فاغنر” العسكرية الخاصة، بإطلاق سلسلة من حملات التضليل التي انتقدت إخفاقات القيادة المدنية، وصورت عملية “بارخان” على أنها استعمار جديد، ومجدت روسيا كحليف كفؤ وموثوق. وقد ساعد المحتوى المزيف والحسابات الوهمية في منصات التواصل الاجتماعي، والتحريض عبر مؤثرين مدفوعي الأجر ضد الحكومة، والتظاهرات الشعبية المترافقة بحمل لافتات وأعلام مؤيدة لروسيا، في تمهيد الطريق لـ”انقلاب داخل الانقلاب” عام 2021، الذي أجهض خطط الانتخابات وعودة الحكم المدني.

كما نفذت موسكو حملات تضليل إضافية، قبل وبعد الانقلابات اللاحقة في بوركينا فاسو عام 2022 والنيجر عام 2023.

من الصعب جداً قياس تأثير الأنشطة الروسية بدقة، ولا يصح تحميل موسكو وحدها مسؤولية الاضطرابات في الساحل. ومع ذلك، يشير حجم حملات التضليل إلى أن روسيا ووكلاءها المحليين قد حسنوا بصورة ملاحظة تقنياتهم التي بدؤوا بتطبيقها في جمهورية أفريقيا الوسطى عام 2018.

أما الدعم العسكري والأمني المباشر الذي قدمته روسيا للأنظمة المتعثرة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر فقد منح هؤلاء الحكام الحماية الكافية لتثبيت وضعهم كعملاء، وفي الوقت نفسه فتح لموسكو الوصول إلى موارد قيمة تشمل الذهب واليورانيوم والليثيوم، لكن مع استمرار هذه المشاركات في الجانب الأمني، بدأت تظهر أولى التشققات في مشروع روسيا في الساحل.

حضور ضئيل جداً وعنيف للغاية

منذ البداية، كان الوجود العسكري الروسي في مالي محدوداً للغاية وغير منضبط، بدأ بنشر ألف مرتزق من شركة “فاغنر” عام 2021، ليصل عددهم اليوم إلى نحو 2500 مقاتل، وهو حجم غير كاف لمواجهة التهديدات المتمردة والجهادية التي تواجه القيادة في باماكو. والأهم من ذلك، أن موسكو أغفلت دروس عملية “بارخان” الفرنسية، إذ قامت مثل نظيرتها الفرنسية بتكريز عملياتها العسكرية على الحرب الاستنزافية من دون أية محاولات لدعم الحكم المحلي، أو الانخراط في وساطات بين المجتمعات المحلية والإقليمية، أو الوصول إلى تسوية سياسية دائمة عبر مشاركة السلطة محلياً. وفي حالة موسكو، تضاعفت هذه الثغرات بسبب العنف العشوائي الذي مارسته القوات الروسية.

وكانت آثار هذا العنف أكثر وضوحاً في العملية المشتركة بين مالي وروسيا عام 2023 لاستعادة مدينة كيدال في شمال مالي، التي كانت معقلاً لسلسلة من انتفاضات الطوارق منذ أوائل الستينيات، واحتلها منذ منتصف العقد الثاني من القرن الحالي عدد من جماعات الطوارق الانفصالية. وبعد هجوم شمل استخدام طائرات مسيرة هجومية تركية الصنع، سيطرت القوات المالية والروسية على كيدال في أقل من أسبوعين.

في البداية، بدا النجاح السريع للعملية وكأنه يبرر قواعد الاشتباك المرنة للقوات الروسية وتكتيكات القوات المحلية القاسية. لكن مع مرور الأشهر، اتضح أن أي مكاسب أمنية تحققت قد تم تقويضها نتيجة الهجمات الوحشية على المدنيين التي نفذتها القوات المالية وشركاؤها الروس. وأسفرت هذه التكتيكات عن نتائج عكسية: فبدلاً من تفكيك المعارضة لـ باماكو قامت بتوحيدها، مما أدى إلى تكوين تحالف تكتيكي جديد بين ثلاث جماعات علمانية من الطوارق والعرب وشبكات جهادية محلية عدة، بما في ذلك الفرع الإقليمي لتنظيم القاعدة، الذي ظلت جماعات الطوارق والجماعات العربية تنأى بنفسها عنه لفترة طويلة. وقد تكررت هذه النمطية في وسط وجنوب مالي وفي بوركينا فاسو المجاورة، وأسفرت سياسة العقاب الجماعي التي انتهجتها القوات الروسية والحكومية عن سقوط عدد من الضحايا المدنيين يفوق ما تسبب به المتمردون، مما غذى تجنيد عناصر جديدة للمعارضة المسلحة.

اقترح بعض المحللين أن انسحاب مرتزقة فاغنر منتصف عام 2025 واستبدالهم ظاهرياً بـ”فيلق أفريقيا” التابع لوزارة الدفاع الروسية قد يشير إلى تحول نحو مهمة تدريب ومساعدة أكثر تقليدية وأقل وحشية، لكن الدلائل على الأرض قليلة. عملياً، بدا أن “فيلق أفريقيا” قد أرسى نموذج تدخل “فاغنر” نفسه، بما في ذلك الانتهاكات المصاحبة له. وتشير تقارير خبراء حقوق الإنسان بالأمم المتحدة ووسائل الإعلام الدولية إلى استمرار مشاركة روسيا القتالية في عمليات مكافحة الإرهاب بقيادة مالي، موثقة حالات متعددة من التعذيب والاغتصاب والاختفاء القسري والقتل للمدنيين خارج نطاق القضاء.

تفكك لا تكامل

بعيداً من نهجها العنيف وعجزها عن تحويل الانتصارات التكتيكية إلى مكاسب استراتيجية، فشلت روسيا، وأحياناً أعاقت، دعم التعاون الأمني الفعال بين دول الساحل. ففي عام 2024، احتفل مسؤولون في الكرملين بقرار مالي وبوركينا فاسو والنيجر الانسحاب من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، وهي منظومة إقليمية مدعومة غربياً للتعاون الاقتصادي والأمني، وتشكيل تحالفهم الخاص: تحالف دول الساحل Alliance of Sahel States (AES)، لكن الدعم الروسي اللاحق للتحالف كان شكلياً أكثر من كونه عملياً، إذ افتقر إلى الموارد والقدرة التنفيذية الحقيقية.

ومن الأمثلة على ذلك إنشاء كتيبة مشتركة لمراقبة الحدود ومكافحة الإرهاب تضم 5 آلاف عنصر من الدول الأعضاء في التحالف، وعلى رغم تبني موسكو العلني للكتيبة، فإن الدعم المقدم كان ضئيلاً. وعلى رغم من وعود روسيا ببناء قدرات الشركاء، يبدو أن فيلق إفريقيا لن يغير هذا النمط، إذ إن أكثر من 80 في المئة من عناصره هم من مقاتلي “فاغنر” السابقين، الذين يفتقرون إلى الثقافة التشغيلية والخبرة اللازمة لبناء العلاقات الشخصية القوية التي ميزت عقوداً من التعاون الأمني وبرامج التدريب الأميركية والأوروبية على مكافحة الإرهاب. وعلى مدار وجودها، لم تحقق “فاغنر” أي نجاحات كبيرة في تدريب المقاتلين المحليين أو تعزيز تماسك الوحدات في أي مكان عملت فيه.

وبدلاً من ذلك، اقتصرت محاولات روسيا للتكامل الإقليمي على تبادلات رفيعة المستوى بين كبار المسؤولين العسكريين الروس وممثلي دول الساحل، فكانت النقاشات كثيرة والتطبيقات قليلة. وفي الوقت نفسه، أدى نقص التعاون بين دول الساحل، بخاصة في تبادل المعلومات الاستخبارية والدوريات المشتركة، إلى منح الجماعات الجهادية مساحة واسعة لإعادة التنظيم والتوسع عبر الحدود الهشة للدول. ومع تصاعد هذه الأخطار، بدأ العناصر الروس يتحملون النتائج، إذ تكبدوا خلال العام ونصف العام الماضيين سلسلة من الانتكاسات الدامية والهزائم المباشرة على أرض المعركة، بما في ذلك كمين مميت نصب في صيف عام 2024 بمدينة الطوارق تنزاواتن بشمال مالي، أسفر عن مقتل 46 جندياً روسياً.

ساحة مزدحمة

وكأن هذه الانتكاسات لم تكن كافية، إذ بدأت روسيا تواجه تراجع نفوذها مع صعود لاعبين أقوياء آخرين في مجال الأمن بالساحل، ولا يسعى هؤلاء إلى تقليد نموذج الكرملين في نشر أعداد كبيرة من القوات العسكرية ضد المتمردين والجهاديين، كما أنهم قادرون على التعاون مع روسيا حتى أثناء منافستها. وبدلاً من ذلك، تقدم هذه القوى ما يراه حكام الساحل أكثر موثوقية وأقل كلفة: أنظمة استخبارية، وحزم أسلحة وتدريب، وحماية للبنى التحتية، واستثمارات بشروط أبسط.

ومن بين هؤلاء الوافدين الجدد، تمثل تركيا التحدي الأكثر مباشرة، وإن كان لا يزال ناشئاً، لحصة روسيا في السوق، إذ تقدم أنقرة نفسها كـ”الطريق الثالث” للدول الأفريقية، بديلاً يعتمد عليه بين الغرب وروسيا، مركزة على قدرتها على توفير طائرات “بيرقدار” المسيرة الفعالة ورخيصة الكلفة مع تقديم التدريب المطلوب لها. وقد لاقى هذا العرض صدى واسعاً: منذ عام 2022، اقتنت أنظمة مالي وبوركينا فاسو والنيجر نماذج “بيرقدار” يمكنها المراقبة والهجوم، معتبرة إياها أدوات لمواجهة التمرد أكثر مرونة وسهولة في التحكم سياسياً مقارنة بالمرتزقة الأجانب. إضافة إلى ذلك، دخلت شركات الأمن التركية على الأراضي التي سيطر عليها الروس طويلاً وقدمت تدريباً لوحدات النخبة المكلفة بحماية قيادة مالي.

واصلت تركيا استغلال الفرصة عينها في النيجر، إذ أبرمت اتفاقات تعاون استخباري مع المجلس العسكري هناك في يوليو (تموز) عام 2024، فيما قدمت روسيا أيضاً قدرات مراقبة للبلاد، لكن الترتيبين كانا قصيري الأمد: ففي ربيع عام 2025، أنهت السلطات في نيامي شراكات الاستخبارات الإلكترونية مع أنقرة وموسكو، مشيرة إلى ضعف جودة أنظمة التنصت الهاتفية لديهم، وهو تذكير واضح بأن أنظمة الساحل ليست خاضعة لأي طرف. (وكان المجلس نفسه قد طرد ما يقرب من ألف جندي أميركي قبل أشهر قليلة من استقبال الأتراك والروس بصورة موقتة).

وفي الوقت نفسه، وسعت الصين بصمت حضورها في المنطقة، مركزة على حماية الاستثمارات الصينية والأمن الداخلي بدلاً من خوض المعارك في الجبهات الأمامية، فقد نشرت عبر الساحل مقاولين أمنيين خاصين وموظفين صينيين لحراسة مشاريع الطاقة والتعدين، بما في ذلك خط أنابيب النفط المثير للجدل أغاديم – سيمي في النيجر، الذي تعرض لهجمات متكررة من المتمردين المعارضين للمجلس العسكري. وعلى نطاق أوسع، ربطت بكين مبيعات الأسلحة وتدريب الشرطة والدرك وأنظمة المراقبة بتمويل البنى التحتية، مقدمة حزمة جذابة لدول الساحل مدعومة برأسمال ودعم مؤسسي ملموسين. بالمقابل، تفتقر الشركات والجهات الحكومية الروسية عادة للموارد المالية والقدرة التجارية لمنافسة نظرائها الصينيين بصورة مباشرة.

ضبط النفس بدل المنافسة

مع استمرار روسيا في تعزيز نفوذها في الساحل، يبدو طبيعياً أن يشعر بعض صناع السياسة الأميركيين والأوروبيين بالرغبة في العودة سريعاً للمنطقة، والتنافس مع موسكو على كسب ولاء المجالس العسكرية الحاكمة، وهناك تقارير للتو تشير إلى أن إدارة ترمب تسعى إلى اقتباس بعض تكتيكات الكرملين. على سبيل المثال، وصفت وزارة الخارجية زيارة مبعوث رفيع المستوى في فبراير (شباط) الماضي بأنها تعكس “الرغبة في رسم مسار جديد للعلاقات الثنائية وتجاوز الأخطاء السابقة في السياسات”. ويبدو أن الدافع وراء هذا الانخراط لا يرتبط بالمنافسة الكبرى بين القوى، بل بمكافحة الإرهاب وطموحات الإدارة الأميركية لتطوير المعادن الحيوية في المنطقة.

لكن الإغراء بالعودة للساحل، بخاصة عبر طرق تقلد نموذج موسكو، تجب مقاومته بحزم، بدلاً من ذلك، سيكون من الحكمة أن يتذكر مسؤولو الولايات المتحدة وأوروبا المقولة الشهيرة المنسوبة للإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت: “لا تقاطع خصمك بينما يرتكب خطأ”.

كان خطأ موسكو الأكثر وضوحاً افتراض أن الحلول العسكرية المكثفة، من دون أية محاولة لمعالجة العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تغذي عدم الاستقرار، يمكن أن تنجح في الساحل. بالنسبة إلى روسيا، جاءت التداعيات القاسية لهذا الفهم الخاطئ أسرع بسبب تكتيكاتها العنيفة، وحجم وجودها العسكري المحدود، ونهجها التقسيمي في الأمن الإقليمي. ويقف كل ذلك في تناقض واضح مع الجهود الأميركية والفرنسية السابقة، التي على رغم عيوبها، واجهت الجماعات الإرهابية المرتبطة بتنظيمي “داعش” و”القاعدة”، بينما سعت إلى دعم الاستقرار والتكامل الإقليمي.

ومن المؤكد أن التمرد والبؤس الاقتصادي والعنف بين المجتمعات في الساحل لا تعود أساساً لنقص الالتزام الخارجي، بل إلى إخفاقات طويلة الأمد في الحكم الداخلي. فالفساد، والسلطة الاستبدادية، والمؤسسات الأمنية الجشعة، أضعفت تدريجاً شرعية عدد من الأنظمة، محددة ما يمكن أن يحققه الأجانب، بخاصة عندما يحاولون دعم حكام يشكلون هم أنفسهم جزءاً من المشكلة. ومن منظور الكرملين، بات الوضع أكثر فأكثر يشبه مستنقعاً مرهقاً بعوائد استراتيجية ضئيلة تقتصر على المكاسب المحدودة المستخلصة من الموارد الطبيعية للمنطقة.

في الأشهر الأخيرة، ازدادت جرأة الجماعات المتمردة في الساحل وتوسع امتدادها ليشمل مناطق كانت سابقاً بمنأى عن العنف، وأصبح واضحاً الآن أن روسيا لم تف بأهم وعودها: إعادة الاستقرار وحماية الأنظمة من التحديات الداخلية. وما تزال التداعيات السياسية لهذا الفشل على طموحات موسكو في بقية أنحاء أفريقيا وخارجها تتكشف، ويجب على واشنطن ترك روسيا تتحمل كامل هذه التكاليف. أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة وأوروبا، فإن أية محاولة لتجديد الروابط الأمنية مع المجالس العسكرية في الساحل قد تخفف الضغط عن موسكو وتتيح لها نسب مسؤولية الوضع المتدهور في المنطقة إلى الغرب، بدلاً من تحميلها هي المسؤولية.

بعيداً من تخفيف ضائقة موسكو، فإن المبادرات الأميركية العاجلة والعلنية تجاه مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وبخاصة تلك التي تربط المساعدات الأمنية بتنازلات حول الذهب أو اليورانيوم أو الليثيوم بطريقة تشبه أسلوب الكرملين، قد تترتب عليها آثار سلبية أخرى. فالنهج المعتمد فقط على المعاملات المباشرة سيكافئ استراتيجيات المجالس العسكرية الاستخراجية، مما يعمق الفساد وسوء الإدارة والفوارق الاقتصادية التي تغذي العنف الجهادي الذي تسعى واشنطن إلى القضاء عليه.

وبتجاهل القيود المفروضة منذ زمن طويل من الكونغرس على دعم الحكومات التي تصل إلى السلطة بطرق غير دستورية، فإن مثل هذا الانخراط سيزيد من الإضرار بصدقية الولايات المتحدة لدى غالبية المواطنين الأفارقة الذين يفضلون الديمقراطية على الحكم العسكري. فوجهات نظر السكان تظل محوراً مهماً، وحتى مع تجاهل أنظمة الساحل وحلفائها الروس معاناة المواطنين الاقتصادية والأمنية، يبقى المواطنون حذرين من القوى الأجنبية التي تحافظ على بقاء حكومات غير شعبية في السلطة.

ومع ذلك، فإن تجنب الدخول في منافسة انفعالية مع موسكو لا يعني البقاء سلبيين أو الانسحاب الكامل، وعلى رغم أن إدارة ترمب أوضحت أن أفريقيا ليست أولوية قصوى لديها، فإن واشنطن ستنجح أكثر إذا اعتمدت على نقاط القوة التقليدية للولايات المتحدة: تعزيز التعددية وبناء القدرات المؤسسية. وبالنظر إلى عجز موسكو عن معالجة الأزمات المتفاقمة في المنطقة، يمكن للولايات المتحدة أن تدعم في الخفاء تبادل المعلومات الاستخبارية عبر الحدود وجهود الوساطة الهادئة التي تساعد في استئناف الروابط الأمنية والنقلية والتجارية بين المجالس العسكرية في الساحل والأعضاء الـ12 الباقين في المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا. وفي الوقت نفسه، ينبغي على واشنطن زيادة الاستثمار في تعزيز قدرات الأمن والحكم في الدول الساحلية الكبرى بغرب أفريقيا، مثل بنين وغانا ونيجيريا، بهدف منع امتداد العنف من الساحل وبناء جدار حماية ضد توسع نفوذ موسكو غرباً، مع إدراك أن تأثيرها كان أقوى في السياقات المتأثرة بالنزاعات والانقلابات.

لقد تمكنت روسيا من ترسيخ حضورها في الساحل ليس بفضل قوتها، بل بسبب هشاشة دول المنطقة. وهذه الهشاشة، إلى جانب محدودية قدرات روسيا وعجزها، فرضت قيوداً صارمة على ما يمكن أن يأمل الكرملين تحقيقه، مما رفع تدريجاً كلفة استمرار انخراطها. ومن خلال ممارسة الصبر الاستراتيجي ومقاومة الرغبة في التفوق على موسكو بنموذج فاشل، يمكن لواشنطن أن تهيئ نفسها للعودة مرة أخرى للساحل بطرق تعزز مصالحها بصورة أفضل وتحقق استقراراً أكثر ديمومة.

فريدريك ويري هو زميل بارز في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، ومؤلف كتاب “الشواطئ المشتعلة: من داخل معركة ليبيا الجديدة” The Burning Shores: Inside the Battle for the New Libya.

أندرو وايس هو نائب رئيس الدراسات في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، ومؤلف الرواية المصورة “قيصر بالصدفة: حياة وأكاذيب فلاديمير بوتين” Accidental Czar: The Life and Lies of Vladimir Putin.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى