فتحي زيدان جوابرة: حركة الشبيبة الفتحاوية

فتحي زيدان جوابرة 4-1-2026: حركة الشبيبة الفتحاوية
في سياق تصاعد العمل الوطني الفلسطيني داخل الأرض المحتلة في سبعينات القرن الماضي، ومع غياب الأطر التنظيمية العَلَنية خِشية القمع الإسرائيلي، ومع حاجة حركة فتح ذات الطابع العسكري التنظيمي في الخارج إلى وجود أطر شعبية في الأرض المحتلة تتبنى مواقفها وتقود الحاضنة الشعبية لها؛ نشأت حركة الشبيبة الفتحاوية بوصفها الذراع الشبابي والامتداد الجماهيري لخط الحركة داخل الأرض المحتلة، وأداة التّعبئة السياسية والتنظيم الشعبي وإعداد الكادر والقيادة المستقبلية للحركة، وبذلك شكّلت الشبيبة العمود الفقري للحضور الفتحاوي داخل المجتمع الفلسطيني في الأراضي المحتلة.
توصف حركة الشبيبة الفتحاوية بأنها نتاج عضوي لحركة فتح، لا تنظيمًا مُنْشَأً بقرار فوقي، أي أن الظهور الفعلي للشبيبة الفتحاوية لم يأتِ عبر قرار مركزي فوقي من القيادة العليا لحركة فتح، فلا تُعزى نشأتها إلى أسماء مؤسّسين مُحَدَّدين، بل تشكلت تراكميا من خلال البناء الحركي التدريجي السّرّي والحالة النضالية المتصاعدة ضد الاحتلال والاندماج المباشر بين العمل الطلابي والعمل الوطني؛ ولذلك يُتداول في أدبيات الحركة مصطلح الرّوّاد الأوائل أو القيادات الميدانية للشبيبة.
وبالقياس على ما سبق فالشبيبة الطلابية الفتحاوية نشأت عبر تضافر الجهود من خلايا شبابية سرية ومجموعات طلابية داخل الجامعات الفلسطينية في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات بوصفها الإطار الطلابي لحركة فتح، حيث شكّلت الجامعات الفلسطينية – وخصوصا جامعة بيرزيت ثم جامعة النجاح الوطنية، ولاحقا جامعة الخليل وبيت لحم- الحاضنة الأساسية الأولى لنمو التيار الطلابي الفتحاوي؛ حيث تولّت الشبيبة الطلابية دورًا أساسيًا في قيادة الحراك الطلابي في الجامعات، معتمدة على أدوات عمل ترتكز على تقديم الخدمات الطلابية وتنفيذ الأنشطة النقابية، وإقامة المهرجانات والاحتفالات الوطنية، وإحياء المناسبات الوطنية، وعقد الاجتماعات والندوات التوعوية، وتنظيم الفعاليات الميدانية المناهضة للاحتلال. وبذلك غدت الجامعات مؤسسات تعليمية حاضنة للعمل النضالي الطلابي.
تستند الشبيبة الفتحاوية إلى الفكر الوطني التحرري، مستمدّة قوتها من الزخم الوطني والإرث التاريخي والثوري لحركة فتح والدعم الرسمي من السلطة الوطنية، ويتميز خطابها بكونه وطنيّا جامعا وغير مؤدلج دينيّا أو مذهبيّا أو طائفيّا، حيث يركّز على التعبئة الوطنية والسياسيّة والتحرّر والاستقلال والدولة الفلسطينية والشرعية الدولية؛ ولذلك فإن الصراع الطلابي بين الشبيبة وغيرها من الأطر الطلابية يعكس في جوهره الصراع على تعريف المشروع التحرري الفلسطيني، هل هو مشروع تحرر وطني؟ أم مشروع تحرر مرتبط ببرامج ومرجعيات عابرة للوطن؟.
تُعدّ الانتفاضة الأولى المحطة الأبرز في تاريخ الشبيبة الفتحاوية، حيث لعبت دورا محوريا فيها، فقد اندمجت الشبيبة في إطار القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة، وأصبحت الذراع التنفيذية اليومية لقراراتها، وقادت العمل الميداني من مظاهرات وتصعيد المواجهات مع الاحتلال وإعلان الإضرابات وتوزيع المنشورات وغيرها من فعاليات الانتفاضة، التي أسّست بشكل مباشر في إعداد الكادر الأمني والسياسي للسلطة الوطنية لاحقا.
حصلت تحولات كبرى في مسيرة قيادات وكوادر الشبيبة الفتحاوية، فقد بدأوا إطارا طلابيا تعبويا ثم ثوريا يمارس العمل المقاوم في الانتفاضة الأولى، ثم تطوروا إلى العمل الأمني والإداري في السلطة الفلسطينية، ولعل هذا الانتقال من سياق المقاومة الشعبية إلى سياق الدور الإداري في السلطة أحدث إلى حدّ ما فجوةً في مهمّتهم التاريخية المتمثلة بالدور النضالي الثوري؛ في حين أنّ اندلاع انتفاضة الأقصى أفرز انتقالًا مباشرًا من الشبيبة إلى كتائب شهداء الأقصى التي مارست العمل المسلح باعتباره أسلوبا ممكنا وضاغطا لتعزيز المسار السياسي.
بعد عام 2007م وفي ظل الانقسام والحملة الإعلامية الممنهجة ضد منظمة التحرير وفتح والسلطة الوطنية ومع تصاعد الفعل المقاوِم غير المؤطّر تنظيميا عانت الشبيبة الطلابية من أزمة في استقطاب العنصر الشبابي، وتراجُع في الهيمنة على الساحة الجامعية. وثمّة من يَرون أن أزمة الشبيبة تلك تمثَّلتْ في فقدانها الدور الثوري والاستقلال التنظيمي، وتحوّلها إلى ذراع وظيفيّة للسلطة، وتغييب المشروع الشبابي فيها، ويؤكّدون على مقولة: “كلما اقتربت قيادة الشبيبة من السلطة ضعفت الاستقلالية الحركية للشبيبة، وكلما تصاعدت المواجهة مع الاحتلال استعادت الشبيبة دورها التعبوي المقاوم”. ومع منطقية هذا الرأي إلا أنه يُغفِل مسألة التّطوّر الديناميكي للشبيبة في سياق التغيرات التي حصلت وتحصل في مسار القضية الفلسطينية.
تُعَدّ مؤتمرات الشبيبة الفتحاوية الإطار الأعلى تنظيميًا للشبيبة، إذ تعكس هذه المؤتمرات تحولات حركة فتح وامتداد أجنحتها وتوسّع مفهومها، وتسهم في تجديد الخطاب السياسي الفتحاوي، وفيها يتم تحديد البرامج السياسية والنقابية، وانتخاب الهيئات القيادية، بمعنى إنتاج القيادة الشابّة والطلابية وإعادة شرعنة التمثيل النقابي، وينبثق عنها إعادة تعريف للعلاقة مع الاتحاد العام لطلبة فلسطين وضبط العلاقة مع الأطر الطلابية الأخرى.
ولا شك أن هذه المؤتمرات كانت تهدف بمجملها إلى ترسيخ عدد من النتائج المركزية، أبرزها إقرار الهوية الفكرية للشبيبة بوصفها تنظيمًا وطنيًا ديمقراطيًا ملتزمًا بخط حركة فتح السياسي والكفاحي والربط العضوي بين الشبيبة ومنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وربط النضال الطلابي بالمشروع الوطني الذي تتبناه حركة فتح. واعتماد مبدأ الانتخابات والتمثيل القاعدي داخل الجامعات وتحديد وظيفة الشبيبة بالنضال ضد الاحتلال، وتحصين الوعي الوطني داخل الوسط الطلابي.
ويشير بعض المهتمين بالحالة الشبيبية إلى اعتبار المؤتمر المنعقد في بيروت عام 1978م محطة فاصلة في بروز حركة الشبيبة كإطار طلابي جماهيري منظم تابع لحركة فتح، بعد مرحلة من العمل الطلابي غير المؤطر تنظيميًا داخل الجامعات الفلسطينية والعربية. لقد جاء انعقاد هذا المؤتمر في سياق مرحلة مفصلية من تاريخ الثورة الفلسطينية، اتّسمت بتصاعد الدور الثوري لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد الاعتراف الدولي بها في منتصف السبعينات، واتساع رقعة الوجود الطلابي الفلسطيني في الجامعات العربية وجامعات الدول الاشتراكية.
اكتسبت المؤتمرات الأولى أهميتها من كونها مثَّلتْ نقطة التحول من العمل الطلابي العفوي إلى العمل التنظيمي المؤسسي والبداية الفعلية لتحويل الطالب من متضامن سياسي إلى كادر حركي منظم، وكذلك أسّست لمسار مزدوج داخل الشبيبة: مسار نقابي انتخابي داخل الجامعات ومسار نضالي مقاوم.
(المؤتمر العام للشبيبة الفتحاوية، أقاليم الضفة الغربية: رام الله تشرين الثاني2025م)
انعقد المؤتمر العام في مقر الرئاسة برام الله أواخر تشرين الثاني 2025م وحمل شعار: “من القدس إلى غزة. صامدون على أرضنا باقون على عهدنا”. وشارك في الافتتاح عدد من قيادة حركة فتح، وقيادة منظمة التحرير، وقادة أمنيّون، وشخصيات قيادية من فلسطينيي 48 وسفراء ودبلوماسيّون، وتم إجراء انتخابات داخلية لاختيار لجنة قيادة الشبيبة الجديدة، حيث تنافس فيها أربعون مرشحًا على ثلاث وعشرين مقعدًا، وبلغت نسبة الاقتراع 95% ، الأمر الذي يدلّ على المشاركة الواسعة المنبثقة عن رغبة جادّة وصادقة في إحداث التطوير في الشبيبة، وإشارة على التنافس الديمقراطي الداخلي والقوة التنظيمية العالية.
لقد شكّل هذا المؤتمر محطة وطنية بارزة، لأنه جرى في ظروف تشهد فيها قضيتنا الوطنية تحدّيات جسيمة، على صعيد الهوية والقرار الوطني والوحدة الوطنية، ولأنه يعكس الرغبة الملِحّة في تأكيد الشرعية التنظيمية لحركة فتح في صفوف الشباب، خاصة في ظل الأزمات والضغوط الناتجة عن الاحتلال وتداعيات الحرب على غزة والاعتداءات الممنهجة على القدس، واستفزازات المستوطنين في الضفة والتضييق المتَعمَّد على المدن والقرى والمخيّمات في الضفة الغربية.
ولعل الهدف الأبرز من انعقاد المؤتمر ضخّ دماء شبابية جديدة في عروق الشبيبة من خلال انتخاب قيادة جديدة، فقد مثل المؤتمر تجديدًا هيكليًا للشبيبة من جيل قيادي سابق إلى جيل شبابي جديد، يُفترض به أن يحمل الراية في المرحلة القادمة، تأكيدًا على أن الشبيبة رهان المستقبل، وأنها هي العمود الفقري للحركة ومكون أساسي من مكونات المشروع الوطني، الأمر الذي منح المؤتمر دلالة سياسية وتنظيمية داخل بنية حركة فتح ومنظمة التحرير.
هذا المؤتمر بانعقاده ونجاحه أعطى رسالة مفادها أنّ الخيار الديمقراطي والانتخابات هما أساس التنظيم في الشبيبة، وأن هذا النهج إشارة واضحة على وجود ديموقراطية حقيقية داخل حركة الشبيبة، وفي الحركة الأم عموما. وانطلاقا من هذا النجاح على الشبيبة الفتحاوية أن تترجم مؤتمرها إلى أفعال ملموسة بإرادة قوية، لا تكبّلها قيود أو تعيقها موانع هنا وهناك، وأن تحافظ على استقلالية قراراتها الشبيبية بعيدا عن الارتهان بمصالح فئوية أو شخصيّة أو الخضوع للتجيير على حساب قناعاتها ورؤاها الوطنية.



