عيسى قراقع: من الزنزانة إلى المقبرة

عيسى قراقع 5-2-2026: من الزنزانة إلى المقبرة
لم يصل خالدالصيفي إلى مخيم الدهيشة،
ضلّ الطريق بين بابٍ حديديّ
وحاجز عسكري،
وسريرٍ أبيض،
وحفرةٍ صامتة.
ما اطول الطريق بين المخيم والآخرة،
كان خالد على موعد مع الحياة،
قاوم موته جسدا وفكرة وذاكرة،
امراض وتعذيب وضرب وتجويع واسلحة،
عاد إلى فجيعتنا
جثة.
يا صديقي الشهيد:
خذني الى حجر،
خذني الى رصيف،
خذني معك الى قمر
على شباك حلمنا الوحيد،
خذني هناك إلى هناك،
من الوريد الى الوريد.
لم يصل مخيم الدهيشة،
وصل في تابوت،
صوت المؤذن في المغيب،
صوت الاجراس في الكنيسة،
صوت الموت الذي لا يموت.
قتلوه،
زرعوا السجن في رئتيه وتركوه،
قيد وعزل ورعب وعظام مهشمة،
قتلوه،
لأن خالد ظل يهز إصبعه
لشارة النصر الأخيرة،
قتلوه،
لأنه أراد أن يموت هنا،
وهنا في المخيم تحت شمس الظهيرة،
قتلوه،
لأنه وصل حيفا ذات مرة،
وأطلق في كل شارع اغنية،
قتلوه،
لأنه علم التلاميذ اسماء البحر،
أعطاهم مفاتيح الينابيع القديمة،
واختتم المسيرة،
قتلوه،
لأنه قال: لنا هنا قمح وزيت وتراب احمر وذكريات جميلة.
قتلوه،
لأنه يعرف قوة المكان وهو يطل على قوة الزمان،
والبطولة،
قتلوه،
واكتملت الجريمة.
شكرا لمجلس السلام الامريكي،
في يوم الاثنين 2.2.2026 فتح المعبر من رفح إلى السجون إلى يوم القيامة،
خالد كان أول العابرين من الزنزانة إلى المقبرة.
خرج خالد
نحيفًا كفكرة الحرية،
في دولةٍ تخاف الأفكار،
خرج جسدًا،
لكن روحه بقيت
في الزنزانة،
تعدّ الأيام
التي لم تأتِ،
عاد جموعا بلا عدد،
عاد من سفر وهو يختصر موته في بلد،
انتمى للأرض وهو يختصر الزيتون في جسد.
ما هذه الدولة
التي تنتصر على خالد الصيفي؟
ما هذا النصر
الذي يحتاج إلى عظامٍ مكسورة،
وأمعاءٍ جائعة،
وأجسادٍ تُعذَّب،
كي يثبت وجوده في الخرافة والأسطورة؟
قتلوه،
كما قتلوا غزة،
الغارات مستمرة،
النار والجثث المتطايرة،
إبادة ممنهجة ووحوش هائجة،
لكن خالد لم يكن يحمل قنبلة،
كان يحمل فكرة،
ويكتب على اللوح في مدرسة الدهيشة الإعدادية:
سنعود،
سيرجع شعبي هواء وضوء وماء
لا هدنة بين الجلاد والضحية.
خالد لم يكن رقمًا في المعازل وبين الجدران،
لم يكن يدير الازمات،
بل يفكك بنية القهر في عالم المخيمات.
كان يحمل قلما وعقلا ورؤية،
يتصدى للدبابات بفرقة دبكة شعبية،
كان مخيمًا يمشي،
وكان لاجئًا له اجنحة،
يحمل وطنه في صدره،
لا في جيبه،
وكان مناضلًا انسانا،
يعرف أن الحرية
لا تُشفى في المستشفيات،
الحرية لا تحتاج إلى أجهزة اصطناعية،
بل تُنتزع من أنياب السجّان.
تألم المخيم،
لا لأن خالد مات،
بل لأنه لم يُسمَح له
أن يعود حيًا
ليتألم معنا،
تألمت فلسطين،
لأنها تعرف هذا الطريق جيدًا:
من الزنزانة
إلى المستشفى
إلى المقبرة،
طريقٌ قصير،
في دولةٍ طويلة القتل.
يا خالد:
لم تنتصر عليك دولتهم،
الجسد وحده يتعب،
أما المعنى
فلا يُعتقل.
أنت الآن
حرٌّ بما يكفي
لتفضحهم جميعًا:
دولةً تحتاج إلى موتك،
لتقنع نفسها أنها حيّة.
يا خالد:
المطر غزير في الجنازة، السماء
انزلتك وضمدتك وبدمعها غسلتك،
وانتشرت ببروقها وزهورها
عليك.
نمْ يا صديقي،
نم ايها البطل المكلل،
فأحلامك التي لم تُكملها
سنحملها نحن،
والحلم فيك لا يؤجل.

