منوعات

عيسى قراقع: سجن التماسيح: عندما تتحول دولة الاحتلال إلى حارس للوحشية

عيسى قراقع 6-1-2026: سجن التماسيح: عندما تتحول دولة الاحتلال إلى حارس للوحشية

ليست هذه قصة من قصص الرعب التي تُروى في ليالي الشتاء الطويلة، بل هي اقتراح يدرس بجدية في أروقة دولة الاحتلال الاسرائيلي، إنشاء سجن للأسرى الفلسطينيين يكون محاطًا بخنادق مليئة بالتماسيح، هذا الاقتراح الذي تقدم به وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير يوم 21.12.2025 والمستوحى من نموذج أمريكي في فلوريدا، ليس مجرد فكرة غريبة أو نكتة سمجة، بل هو علامة كاشفة على مستوى الانحدار الأخلاقي الذي قد تصل إليه الدولة عندما تتحرر من كل القيود الإنسانية والقانونية.

يتفنن المتطرف ابن غفير في ابتكار وسائل لتعذيب الاسرى والانتقام منهم، فمن قانون الإعدام وحبل المشنقة إلى سجن محاط بالتماسيح المفترسة، لم يعد يكفيه مستوى التوحش والاجرام الذي ينفذ على أرواح واجساد المعتقلين، وكان غريزته الدموية تحتاج إلى مشاهد أكثر إثارة لتشبع شهواته وكوابيسه العنصرية.

في الاقتراح الذي قدمه بن غفير، سُجّلت التماسيح في سجل أدوات الدولة الأمنية، لن تُجلب هذه المخلوقات البدائية من أجل عرض سياحي، بل ستُوضع حول السجن المقترح إنشاؤه في منطقة “حامات غادر” في الجولان السوري المحتل، وبلغت الجدية درجة أن مسؤولي مصلحة السجون الإسرائيلية قاموا بجولة تدريبية في منتجع الحمّة لتلقي إرشادات حول التعامل مع التماسيح والعناية بها.

سجن التماسيح هو تسمية ابادية لما يجري بالفعل داخل السجون، فالتمساح لم يظهر فجأة في الخيال السياسي الاسرائيلي، هو موجود منذ زمن طويل لكن بأشكال مختلفة: التعذيب حتى الموت، التجويع، العزل، الإهمال الطبي، الضرب والاذلال، الإعدام الميداني، الحرمان من كل المقومات الانسانية، الحبس تحت الارض وفي خزائن حجرية، العنف الجنسي والاغتصاب، وفي تحويل الجسد الأسير إلى ساحة انتقام مفتوحة.

الجلادون في السجون أصبحوا أكثر فتكا من التماسيح، فخلال عامين من حرب الإبادة استشهد أكثر من مائة اسير فلسطيني في مستنقعات السجون المليئة بالتماسيح البشرية، وتحويل الاسرى إلى فرائس، وما يجري في السجون ليس منفصلا عن الإبادة الجارية خارجها، فالسجن المستنقع هو نموذج مصغر لهذه الدولة ومؤسساتها وأفكارها، أن تكون فضاء بلا حقوق، بلا مساءلة، بلا قانون، بلا رادع، بلا حدود، والى أقصى ذروة في الجريمة، حيث يختزل الإنسان إلى رقم او فريسة يجب اصطيادها وتمزيقها.

في غزة تترك الأجساد تحت الركام، او في الشوارع لنهش الحيوانات الضارية، وفي السجن تترك الأجساد تحت نهش الجوع والمرض، والهدف واحد: إدارة الموت.

الحياة داخل السجن تجربة استنزاف في مستنقع مغلق مليئ بالعفونة والرطوبة والدماء والصرخات المكتومة، هذه الممارسات القمعية ليست إجراءات أمنية عابرة، بل عناصر في نظام متكامل ومتعمد، فالتمساح هو المؤسسة والدولة، والاسير لا يحتاج إلى حكم اعدام رسمي، لأن السجن نفسه يتحول الى أداة قتل بطيء.

سجن التماسيح هو اعتراف اسرائيلي رسمي بارتكاب إبادة في السجون وانكشافها وهي تتخلى عن اقنعتها القانونية وتعود إلى لغتها الاولى: الغريزة، الكراهية، الخوف والعسكرة والتطرف والوحشية العارية.

التمساح هنا ليس حيوانا بل منهجا، فلا يكفي القوانين التعسفية الجائرة المعادية لحقوق الاسرى، فتم استدعاء الطبيعة المتوحشة، فاقتراح سجن محاط بالتماسيح يقول: لسنا دولة قانون ولا نظام عدالة، بل فم مفتوح بأسنان حادة، وهنا يتحول السجن من مؤسسة قانونية إلى مسرح رعب بدائي لم نره الا في العصور المظلمة.

في تاريخ السجون لم تكن الأسوار التي تحيط بالسجن مجرد حجارة، وانما خطابا استعماريا يقول بأن هذا الاستعمار واثق من قوته الجدارية، ولكن التمساح يقول بأن هذه الدولة لازالت قلقة وخائفة.

سجن التماسيح المقترح يسقط فكرة الكرامة البشرية من اساسها، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار لمنظومته القانونية والانسانية، فالدولة التي تحتاج إلى تماسيح لتحمي نفسها، قد فقدت ثقتها بانسانيتها قبل أن تفقد سيطرتها على ضحاياها.

تحت ستار القنابل والصواريخ والمجازر اليومية يكمن مشروع فاشي مريض: تحويل الإنسان إلى كائن خارج دائرة الإنسانية، بن غفير، المنتمي إلى تيار “الصهيونية الدينية” المتطرفة، والمتهم بأفعال شائنة، يمارس عبر انشاء سجن محاط بالتماسيح عملية تجريد متعمدة الإنسان الفلسطيني من انسانيته،

التمساح الصهيوني نراه في شكل دبابة وقذيفة، في شكل مستوطن ومحقق، وسوط وهراوة وحاجز عسكري، في شكل جندي وجرافة وطائرة، تمساح يلتهم الشجر والبشر ويبتلع المكان.

المقارنة مع تجربة المعتقلات النازية ليست مجرد استعارة بلاغية، بل هي تشابه مخيف في المنهجية، فبن غفير يستنسخ عن وعي أساليب التعذيب التي مورست في معسكرات مثل “أوشفيتز” و”داخاو”، وهناك تعرض المعتقلون إلى صنوف تعذيب مرعبة تتشابه مع ما يجري في سجون الاحتلال، حتى ان بعض المؤرخين وصفوا ما يحدث في السجون الاسرائيلية ابشع وأسوأ مما جرى في السجون النازية، وان الهولوكوست لم يعد أشد الكوارث الانسانية، والمفارقة أن الذين نجوا من التمساح النازي، نجدهم يتمثلون به، ويبحثون عنه مرة ثانية.

لا يمكن فصل ما يحدث عن البنية الدولية الهشة التي تتيح استمراره، الدول التي تتغنى بحقوق الإنسان تواصل توفير الغطاء السياسي والقانوني لدولة تمارس التعذيب والقتل داخل سجونها، هذا الصمت ليس حيادا، بل شراكة غير مباشرة في الجريمة.

لماذا كل هذا؟

لان الأسير ليس جسدا مسجونا فقط، بل فكرة حية، هوية ورمز ومقاومة وكرامة، هو شاهد على فشل السجن نفسه ومنظومة السيطرة والهيمنة، وحين تفشل الجدران وتفشل القضبان، وتفشل القوانين في تطويع الأسير، لا يبقى أمام هذه الدولة الا الحيوان.

التمساح اعتراف بالعجز:

عجز عن كسر الارادة.

عجز عن محو الرواية.

عجز عن تحويل الأسير الفلسطيني إلى ملف امني بلا صوت، أو إلى مجرد طعم.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى