أقلام وأراء

عمر سالم فيتور الحبيشي: حرب 2026، صواريخ واشنطن وطهران تُعيد تشكيل النفوذ وخرائط الطاقة عالمياً

عمر سالم فيتور الحبيشي 26-3-2026: حرب 2026، صواريخ واشنطن وطهران تُعيد تشكيل النفوذ وخرائط الطاقة عالمياً

في ليلة الثامن والعشرين من فبراير وبينما كانت شاشات الرادار في غرفة عمليات القيادة الوسطى الأمريكية تومض بآلاف النقاط الحمراء نحو الخليج، كان قبطان ناقلة نفط عملاقة في مضيق هرمز يرسل نداء استغاثة أخير قبل أن ينقطع الاتصال، في تلك الدقيقة الصامتة، أدرك العالم أن قواعد الردع التقليدية قد مُحيت إلى الأبد.

نحن لسنا أمام (جولة تصعيد) جديدة، بل نشهد ولادة قسرية لنمط إقليمي يُكتب بالدم، ويضع صُناع القرار أمام معادلة صفرية (إما التموضع الاستراتيجي الدقيق، أو الغرق في الفوضى).

لطالما أدارت واشنطن وطهران صراعهما عبر رقعة شطرنج معقدة من الوكلاء والخطوط الحمراء الوهمية، لكن الضربة الأمريكية – الإسرائيلية المشتركة في عمق السيادة الإيرانية قلبت الطاولة بما عليها.

وبالعودة إلى كبرى مراكز التفكير، نجد انقساماً حاداً في التفسير، فرواد “الواقعية الهجومية” في واشنطن، وعلى خطى مفكرين أمثال (جون ميرشايمر)، يرون أن إسرائيل استغلت نافذة سياسية لا تُعوض في حقبة ما بعد الانتخابات الأمريكية لتوريط البنتاغون في تفكيك التهديد الوجودي الإيراني، من هذا المنظور، الضربة لم تكن انفعالية، بل عملية “تقليم أظافر” جيوسياسية جراحية لإنهاء حلم طهران النووي.

في المقابل، يطرح كبار المحللين الاستراتيجيين العرب في مقارباتهم عبر معاهد الخليج والشرق الأوسط، رؤية أكثر تعقيداً، هم يجادلون بأن واشنطن لم تُستدرج، بل اتخذت قراراً سيادياً بإعادة ضبط إيقاع المنطقة، الهدف ليس إسقاط النظام الإيراني عبر احتلال مكلف، فقد تعلمت أمريكا الدرس العراقي والأفغاني، بل ممارسة “الكي بالنار” لإجبار القيادة الإيرانية على توقيع اتفاقية استسلام ناعمة تُنهي نفوذها العابر للحدود.

في حروب الشرق الأوسط، المنتصر ليس من يطلق الرصاصة الأخيرة، بل من يملك القدرة على تحمل الألم لفترة أطول والحفاظ على تماسك جبهته الداخلية.

والرهان على انهيار إيراني سريع كان ساذجاً، فطهران تبنت عقيدة “الانتحار التكتيكي”، حيث وسعت قائمة أهدافها لتشمل القواعد الأمريكية ومرافق حيوية في الإقليم، محولةً المنطقة إلى حقل ألغام.

هذا التوسع لم يكن عشوائياً، بل استهدف عصب الاقتصاد العالمي المتمثل في الطاقة والممرات المائية، فالأرقام تتحدث بقسوة لا تقبل التأويل:

صدمة الطاقة: قفز خام برنت متجاوزاً حاجز 90 دولاراً للبرميل في خلال الأسبوع الأول من الحرب.

شلل الملاحة: ارتفعت أقساط التأمين ضد المخاطر على الشحن البحري في الخليج العربي والبحر الأحمر بنسبة تجاوزت 300%، مما أدى إلى تراجع حركة التجارة البحرية بنسبة 30% تقريباً، مهدداً بسلاسل توريد الغذاء العالمية.

النزيف المالي: تكلفة اعتراض الصواريخ والمسيرات المتبادلة استنزفت مليارات الدولارات من ميزانية الدفاع الإقليمية في أيام معدودة.

إن هذا الصدام المحموم يمثل نهاية حقبة “المناطق الرمادية” في الشرق الأوسط بالنسبة لصُناع القرار، الانحياز الاستقطابي أو الاعتماد الكُلي على الضمانات الأمنية الغربية يُعد مقامرة غير محسوبة، واشنطن تحمي مصالحها، وتل أبيب تسعى لبقائها، وطهران تقاتل بشراسة.

والتاريخ لا يكتبه المترددون، ولا مكان فيه لمن ينتظرون جلاء غبار المعارك ليقرروا مصائرهم.

*المهندس عمر سالم فيتور الحبيشي عضو المكتب السياسي بحزب السلام والازدهار

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى