أقلام وأراء

عبد المجيد سويلم: ترامب يخسر كل أوراقه

عبد المجيد سويلم 2-4-2026: ترامب يخسر كل أوراقه

مهما سيحاول رئيس أميركا دونالد ترامب أن يُناور ويُداور، ويخادع، ويُراوغ فجر هذا اليوم في «تحديثه الجديد حول الحرب على إيران» فإن أحداً في هذا العالم لن يصدّقه بعد اليوم، وبعد أن انكشف الجزء الأكبر من مستور هذه الحرب وخفاياها وأسرارها.

ببساطة انهارت السردية الأميركية، ومن خلفها أو إلى جانبها السردية الإسرائيلية، بل وحتى العربية الملحقة بهاتين السرديتين.

وفي ضوء هذه الانهيارات اضطربت المواقف، واختلطت الأوراق، وتبدّلت وتغيّرت المواقع والتحالفات، أو هي في الطريق.

نحن في الحقيقة نقف اليوم أمام افتضاحات شاملة، كاشفة، وحاسمة لأخطاء وخطايا الحسابات المتسرّعة، وإستراتيجيات المراهنة على حروب الصدمة، والترويع، ومقامرات ومغامرات التعويل على تقارير الاستخبارات في ربح حرب كاملة، لها هذه الأهمية، وهذا القدر من المصيرية بعمليات «مُبهرة» من قطع الرؤوس والاغتيالات.

دعونا نرَ الآن كيف خسر ترامب أوراقه، ورقةً تلو الأخرى. هذه الحرب كان على الأخير أن يربحها بصورة تامّة وكاملة وجليّة، وكان عليه أن يعود إلى الشعب الأميركي وقد أسقط النظام الإيراني، واستبدله بنظام جديد، مستعد لتسليم مقدّراته وثرواته للشركات الأميركية، وكان يجب عليه أن يكون قد أمسك أو أعاد الإمساك بمصادر الطاقة في واحد من أهم أقاليم العالم، وكان عليه أن يمكّن دولة الاحتلال من تدمير «حزب الله» اللبناني، وأن «يُخمد» «الحشد الشعبي» في العراق، وأن يحيّد جماعة «الحوثيين» اليمنية، ويجرّدها من كل ما من شأنه التأثير على الملاحة في البحر الأحمر ومرور السفن في مضيق باب المندب، وأن يحضّر الأرضية الكاملة لـ»إسرائيل الكبرى»، وأن يكون الإقليم العربي والإسلامي كلّه مروّضاً بما يكفي للتعامل مع «الواقع» الجديد.

أما دون ذلك، أو دون كل ذلك فإن ترامب يكون قد خسر الحرب، لأنها لم تكن ضرورية، ولم تكن مصيرية، وليست إجبارية وهي لن تعود على الشعب الأميركي بأي خير، ولن تحلّ أزماته، ولن تخرجه من المأزق السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، بل ولن تقدّم أو تؤخّر في مسار انحدار الدور والمكانة الدولية، ولن تجدي نفعاً حقيقياً في فك العزلة الأميركية عن العالم الذي ضاق ذرعاً بترامب، وبـ»الترامبية»، وكل الحالة البهلوانية للإستراتيجية الأميركية.

لقد خسرت أميركا الشرعية الدستورية الداخلية لأنها باتت أكبر من أي حرب حتى ولو جرى الالتفاف على مسمّاها «كعملية عسكرية»، وفقدت شرعيتها الشعبية إلى درجة أن الطغمة العقارية «الإبستينية» نفسها أصبحت تنصح ترامب بوقفها في أسرع وقت ممكن قبل أن تصبح الاحتجاجات ضدّها بعشرات الملايين، وقبل أن تفقد هذه الطغمة السيطرة على الحدّ الأدنى من شبح الانفلات التام.

وهذا كله ليس سوى الوجه الأوّل، والأبسط من هذه الخسارة. والحقيقة أن الخسارة الكبرى هي الخسارة القادمة.

فما هي هذه الخسارة؟

قد تبدو وكأنها تلك التي تتعلّق بالانتخابات النصفية، لكن الحقيقة هي الخسارة المؤكّدة في «النصفية»، والرئاسية الدورية، والاستكمالية الثانية، وهذا ليس كل شيء.

الخسارة الحقيقية لترامب وحاشيته والطغمة المحيطة به هي أن الشعب الأميركي لن يقبل بعد الآن أن يتمّ استحواذ هذه «الطغم» على ثروات البلاد ومقدّراتها، وحرمان عشرات الملايين من الأميركيين من الحدود الدنيا للعيش الكريم، وهو الأمر الذي سيولّد موضوعياً اتجاهاً جديداً في الحراك الاجتماعي الأميركي القادم، ليس مجرّد التراجع عن نهج حروب الطغمة الحاكمة، والتضحية بالدم الأميركي في سبيل حروب «الآخرين»، سواء كان هؤلاء الآخرون هم شركات النهب والاستحواذ واللصوصية، أو كانوا اللوبيات الإسرائيلية التي ثبت أنها تتحكّم إلى درجة كبيرة بهذه الطغم كلها.

لن يقتصر الأمر على ما يبدو حتى الآن على التراجع، وإنّما سيدخل المجتمع الأميركي في طور نوعي جديد من المراجعة التاريخية لكامل المنظومة التي تكرّس هذه الدرجة من الهيمنة الداخلية التسلّطية، والآليات السياسية التي تتيح مثل هذه السيطرة والتحكّم.

ومهما ظهر وكأن الوصول إلى هذه الدرجة ربّما يكون متسرّعاً، إلّا أنني سأحاول من خلال توضيح الأزمة الأميركية أن أبرّر لكم هذا التفاؤل.

السبب في أنّ الحلول الترقيعية لن تحلّ أزمة المجتمع الأميركي هو أن السبب التاريخي لسقوط الإمبراطوريات حسب الخبرة الإنسانية الحديثة والمعاصرة، وحتى القديمة ينطبق بالكامل على الواقع الأميركي.

تدفع أميركا حالياً ما يزيد على 950 مليار دولار لسداد خدمة الدّين، في حين لا تصل ميزانية الدفاع لأكثر من 890 مليار دولار، وهي ميزانية ضخمة ومتضخّمة على كل حال. وتحتاج أميركا إلى تأكيد الثقة بالسندات لتوفير ما يربو على 10 تريليون دولار قبل نهاية هذا العام لضمان عدم تعرّض الاقتصاد لموجات جديدة وكاسحة من التضخُّم وصولاً إلى خطر الركود الاقتصادي. وهو أمر مستحيل في الواقع، وأصبح مستحيلاً بعد الفشل في الحرب على إيران، وتحوّل الأمر إلى دائرة المستحيل المضاعف، خصوصاً وأن البترو دولار الذي كان يحمي الدولار حتى الآن لم يعد على نفس الدرجة من الانسيابية والمنسوبية، وليس هناك من تعويض عن ذلك سوى المزيد من طبع الدولارات، والمزيد من التضخُّم، والمزيد من الانحدار في مستويات المعيشة، والمزيد من الإفقار والتهميش، ومن تحطيم الطبقة الوسطى وإجبارها على مغادرة ميّزاتها التاريخية والالتحاق بالعوز وتردّي أحوالها.

لا حلول اقتصادية ناجعة إلّا بتغيير نهج الحروب، وافتعال الأزمات الدولية التي تقوم على منطق الهيمنة، والسعي إلى استبدالها بالتعاون والشراكة والتبادلية. بل وأصبح تغيير هذا النهج هو المدخل الوحيد لوقف التدهور أوّلاً، ثم لمحاولة الخروج من خطر انفجار الفقاعات التي تأتي مسرعة، كالفقاعة العقارية، والمالية، والتكنولوجية، وسلاسل أخرى ترتبط عضوياً بها. باختصار، كل ما يمكن أن يترتّب على وقف الحرب هو وقف التدهور، قبل أن توضع «أكياس الرمل» على أبواب وشبابيك أميركا.

وملخّص هذه الوقائع كلّها أن الإمبراطورية الأميركية تقف اليوم أمام مفترق خطير يمثل المظهر الأوّل في أزمة أفول نجمها، وتراجع مكانتها التاريخية.

الخسارة الثانية الكبرى، والتي أشرنا إليها في سلسلة المقالات عن هذه الحرب تتمثّل في العزلة الخانقة التي تعيشها «الترامبية» على المستوى الدولي، وبما وصل إلى ما يشبه الحصار العالمي لسياساتها، ولكامل نهجها وإستراتيجياتها.

فقد فشلت أميركا بجرّ حليف واحد إلى جانبها، وتخلّى عنها «حلف الناتو»، وتخلّت عنها بريطانيا نفسها، وهي الحليف التقليدي التاريخي لها، وفشلت في «إرغام» كل حلفائها الجادّين في الإقليم على الانضمام للحرب على إيران، وهي تغامر من خلال هذا النهج الانعزالي بفقد السيطرة على مفاتيح التحكُّم بدول الإقليم، والذي من شأنه أن يؤدّي إلى بدء ظهور نظام إقليمي جديد، ليس في مواجهة إيران كما تراهن هذه الإدارة فقيرة الخبرة السياسية، وإنما الذهاب إلى نظام إقليمي يملأ الفراغ الناتج موضوعياً عن الانكفاء الأميركي الذي أصبحت أميركا مجبرة عليه، بعد أن تمّ ضرب قواعدها بقسوة، وبعد أن تحوّل الأمر إلى مستحيل سياسي على مستوى إعادة بناء هذه القواعد على نفس الأسس، وبنفس الشروط.

وخسرت أميركا ورقة العودة إلى الحرب لأن هذه العودة مهما كانت موارَبة، ومهما انطوت على أشكال الخداع، ومهما كانت «هوليوودية» أو استعراضية فهي مغامرة كبيرة في لحظات لا تحتمل أي مغامرة.

فالحرب البرّية الجزئية ستعني إمكانيات عالية على ورطة جديدة، والحرب الجزئية لا يمكن أن تتوقّف عند حدود معيّنة إلّا بشروط أسوأ على أميركا إن أُجبرت عليها، وهو ما سيؤدي إلى اشتعال الشارع الأميركي، ويفاقم من أزمة الإدارة، ويعمّق من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الخانقة.

هذه حرب لا يمكن كسبها بالفهلوة، ولا يخفّف من وقعها وتأثيراتها الادعاءات بـ»الانتصار» فيها، وكلما زادت بهلوانياتها تعمّقت تبعاتها. والمغامرة بالحرب البرّية والجزئية، أو الذهاب إلى التدمير الشامل لمصادر الطاقة في إيران هو أشبه بالحرب «الشمشونية» طالما أن الأخيرة لديها ما بين 50-60 مدينة لإنتاج الصواريخ على عمق يتراوح ما بين 450 إلى 500 متر في بطون الجبال.

إنهاء الحرب قد لا يأتي باتفاق سريع، وقد يوقف ترامب الحرب من جانب واحد، وقد يرى في المبادرات «الجديدة» التي تلوح في الأفق، وخصوصاً «المبادرة الصينية الباكستانية»، المدعومة من دول الإقليم الرئيسية، والمدعومة بكل تأكيد من روسيا وأوروبا فرصته لإعلان انتهاء الحرب، وبالتالي إرجاء الاتفاق إلى عدة أسابيع بعد أن يتم نزع فتيل التصعيد الخطير.

في هذه الحالة ستلتحق دولة الاحتلال صاغرةً بالاتفاق، أو على الأقلّ ستُذعن له من دون الموافقة الرسمية عليه، لأنها لا تستطيع التمرّد عليه، إلّا بكُلفة أعلى من الكلفة الحالية لاستمرار الحرب.

الخسارات الإسرائيلية أعمق ممّا يظنّ البعض، وأكثر خطراً عليها حتى من الخطر المحدق بأميركا، لأن المغامرة هنا تطال المكانة والدور بصورة مؤكّدة، لكن قد يتعدّى الأمر وصولاً إلى المصير والوجود، وهو

ما سنحاول الحديث الشامل عنه في القادم من المقالات.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى