أقلام وأراء

عبد الغني سلامة: مروحية عرفات في سماء الخليل

عبد الغني سلامة 11-2-2026: مروحية عرفات في سماء الخليل

في الجزء الثاني من مذكراته، والتي حملت عنوان «حكايات للتاريخ»، يتحدث خالد العسيلي عن ظروف وملابسات اتفاقية الخليل، وعن دخول ياسر عرفات المدينة لأول مرة:

عاد الرئيس ياسر عرفات إلى غزة في تموز 1994، وسط استقبال شعبي مهيب، ثم بدأ يزور المدن الفلسطينية التي انسحب منها الاحتلال حتى أكملها كلها، وبقيت الخليل.

في زيارته الأولى إلى الخليل، كنا في استقباله بالمقاطعة، وما أن اقتربت مروحية الهليكوبتر وبدلاً من هبوطها، طافت ثلاث جولات في سماء المدينة!

بعد أن هبطت المروحية وصافح الزعيم مستقبليه، سألتُ الطيب عبد الرحيم، وكان معه على متن المروحية: لماذا قام الرئيس بثلاث جولات فوق الخليل قبل أن يهبط؟ تبسم لي، وأجابني: كان أبو عمار لديه تخوفات من استقبال أهل الخليل له، وعلى ما يبدو أن بعض التقارير أشارت إلى وجود عداء ورفض له من قبل الخلايلة، ولكنه ما إن رأى الجموع الغفيرة التي احتشدت لاستقباله، وسمع هتافاتهم حتى انشرحت أساريره، وقرر حينها التجوّل في سماء الخليل، لمعاينتها وتأمّل جمالها.

وفي لقائنا معه، قال عن الخليل: هذه أول مدينة في فلسطين تستحق أن تُسمى مدينة، ثم أشاد بتوسعها الأفقي وكِبر مساحتها ومخططها العمراني الجيد، وأخذ يكيل المديح بجمالها.

عندما نزل في مكتب البلدية، أجرى مكالمة هاتفية مع الملك حسين، أمسك سماعة الهاتف وقال مبتسماً: «جلالتك أنا في الخليل»، ثم اتصل مع الرئيس مبارك وكرر الكلام نفسه، وعلى ما يبدو وكأنّ حواراً دار بينه وبين الرؤساء والملوك العرب، لذلك قال بفخر: «أنا في الخليل وفي بلدية الخليل وبين أهلي وأحبتي»، ومن بعدها تكررت زياراته إلى المحافظة، وكنا نعقد اللقاءات في قاعة البلدية، وفي رابطة الجامعيين، حيث توجد هناك غرفة مغلقة ومن السهل تحصينها أمنياً فكان ينام فيها.

من نتائج قدوم السلطة الوطنية، أن الحراك السياسي للأحزاب والقوى الوطنية صار علنياً، بعد سنوات على النضال السري، ولم يعد الأمر مقتصراً على حمل العلم الفلسطيني، أو إبراز أي رمز وطني، بل صار الانتماء للحركات والفصائل الوطنية علنياً، وصارت لتلك الفصائل والأحزاب مقرات وناطقون إعلاميون، وصارت تعقد مؤتمراتها وتخوض الانتخابات.. مثل هذه الأمور كانت كفيلة بالتسبب بالاعتقال كحد أدنى، حتى حركة «حماس» استفادت من هذا التحول، وبدأ نشاطها يزداد بقوة، وصارت تنافس «فتح» نفسها.

تأخر انسحاب الجيش الإسرائيلي من الخليل كما فعل في بقية المدن الفلسطينية، إلى أن وقّع بيريس اتفاقية الخليل ولكنه لم ينسحب، ومن سلَّم الخليل للسلطة الفلسطينية هو نتنياهو.

بدأت مفاوضات شاقة وصعبة بين الطرفين، المشكلة كانت في البداية أن الوفد الفلسطيني المفاوض مع الأسف لا يعرف الكثير عن الخليل، ولم يكن هناك في اللجان الفنية أحد من سكان الخليل، وهذا أمر غريب ما كان يجب أن تقع المنظمة في مثل هذا الخطأ، ولكن كان هناك لجان فنية يشرف عليها المرحوم فيصل الحسيني في بيت الشرق.

جرت مفاوضات اتفاقية الخليل في طابا، في ذلك اليوم كنت في زيارة إلى عمّان، اتصل بي والدي وطلب مني العودة فوراً، وقال: عندما تصل توجه مباشرة إلى البلدية، ولم يذكر لي سبب استعجاله.

في نشرة أخبار التاسعة ليلاً، شاهدت بثاً عن مفاوضات كان فيها بيريس وياسر عرفات وأبو علاء والوفد المفاوض، وفي سؤال المذيع لبيريس: هل أنت متأكد بأنه سيكون اتفاق حول الخليل؟ فأجاب: بالتأكيد. فقال له المذيع: ولكن رئيس البلدية مصطفى النتشة والوفد المرافق له انسحبوا من المفاوضات! فردّ بيريس: إنني لا أتفاوض مع البلدية، بل أتفاوض مع الوفد الرسمي الذي عيّنته منظمة التحرير.

سرت شائعة في البلد، مفادها أن الوفد المفاوض باع الخليل ووقّع على الاتفاقية.. ولكن الحقيقة أن الوفد المفاوض انسحب من المفاوضات احتجاجاً على الاتفاقية، ورفضاً لها.

قبل هذا الخبر، كانت هناك مفاوضات بين المنظمة وإسرائيل ولم يتم التوصل إلى أي اتفاق، حينها عقدنا اجتماعاً في بلدية الخليل حضرته كل القوى الوطنية بما فيها «حماس»، وتم الاتفاق بالإجماع على الرفض المطلق للاتفاق، ومن بعد الاجتماع مباشرة تحدث معي ياسر عبد ربه بطلب من مكتب الرئيس عرفات، وكان فحوى الاتصال أن القيادة الفلسطينية هي أيضاً ترفض الاتفاق وترفض التوقيع عليه، ولذلك نطلب من ممثلي فعاليات وقوى الخليل الحضور إلى غزة، من أجل إصدار بيان مشترك نعبّر فيه عن رفضنا للاتفاق، مؤكداً أن هذا الموقف يعطي دعماً للمفاوضات ويقوّي موقف المفاوض الفلسطيني.

توجهنا جميعاً في حافلة واحدة إلى غزة، والتقينا هناك بياسر عرفات، وفي الاجتماع هناك طاولة جانبية، جلستُ أنا والأخ ياسر عبد ربه وكان الوفد من أمامنا، وقال ياسر عبد ربه: نحن متفقون، ونريد منكم صياغة بيان مشترك. فقلت له: اكتبه ونحن نوقّع عليه، فقال: لا، لن نكتبه نحن، حتى لا يُقال إننا فرضناه عليكم.

وفعلاً قمنا بصياغة البيان بمعرفة ومشاركة القيادة، وعرضناه على الشيخ طلال سدر فقام بمراجعته، وقمت بقراءة البيان أمام الأخ ياسر عرفات والجميع باعتباره بياناً مشتركاً لممثلي الخليل مع القيادة، ثم قام الشيخ تيسير التميمي ورئيس البلدية بتلاوة البيان أمام الصحافة ووسائل الإعلام. كان هذا الرفض على النسخة الأولى من الاتفاق، وكان عرفات أيضاً رافضاً له، بعد ذلك استمرت المفاوضات في طابا.

في الاتفاق نقاط سلبية؛ منها مثلاً بند يتعلق بإعادة فتح بوابة جامعة الخليل التي كانت مغلقة، فقام الإسرائيليون بفتح البوابة وإغلاق الجامعة!

رفضنا الاتفاق الذي قسّم الخليل إلى H1 وH2 حيث تقع البلدة القديمة في H2 وهي قلب وتاريخ وتراث الخليل، وقوتها الاقتصادية والاجتماعية، وهي كل شيء، وأنا أمضيت طفولتي وشبابي فيها. كانت البلدة القديمة تمثل المركز التجاري للبلد، وكانت دوماً تشهد زحمة مرور ومشاة في الحارات والأسواق القديمة يشبه النشاط والازدحام الذي نشاهده في القدس، ولكن للأسف صارت تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية بما في ذلك الحرم الإبراهيمي.

بعد الإعلان عن التوصل إلى اتفاق، خرج الأخ ياسر عرفات بمؤتمر صحافي ووصف فيه مساوئ وعيوب الاتفاق، وقال: إنه يقسّم المدينة، ويبقي على الهيمنة الإسرائيلية، وعدّد نقاط الاتفاق، وكان واضحاً أنه غير راض عنه.

ونحن بدورنا رفضنا الاتفاق، ونظمنا اجتماعاً في البلدية، وذهبنا إلى الأخ ياسر عرفات ومعنا سؤالنا الاستنكاري له: كيف وافقتكم على ذلك؟! فكان ردّه: «طلّعت الخليل من فم الأسد»، في إشارة لمدى الصعوبات والضغوطات التي تعرّض لها، وكأنه يقول لم يكن ممكناً تحصيل ما هو أكثر من ذلك!

 

 

مركز الناطور للدراسات والابحاثFacebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى