منوعات

عبد الغني سلامة: حكايات لم تُروَ

عبد الغني سلامة 4-2-2026: حكايات لم تُروَ

في مذكراته المكونة من جزأين، وحملت عنوان «حكايات لم تُروَ»، صادرة عن الدار الأهلية، 2026، يتحدث خالد العسيلي (رئيس بلدية الخليل، ووزير الاقتصاد السابق) عن الأرض المحتلة في مرحلة السبعينيات من القرن الماضي، وكيف أثرت في مسار الحركة الوطنية، وكيف رسمت مسارات القضية الفلسطينية للعقود التالية، وأهمية كتابه أنه يوثق مرحلة من أهم مراحل الكفاح الفلسطيني، خاصة أنها لم تُوثق بالشكل الكافي. سأستعرض في المقالات التالية بعضاً مما كتب العسيلي، بالتركيز على هذا الجانب:

في مستهل السبعينيات، لم تشهد الأراضي الفلسطينية حراكاً شعبياً نشطاً، باستثناء بعض العمليات الفدائية التي حدثت في قطاع غزة وكان وراءها الفدائي زياد الحسيني قائد قوات التحرير الشعبية، الذي اغتاله «الموساد»، وكذلك عمليات الفدائي محمد الأسود «جيفارا غزة» من الجبهة الشعبية، وعمليات أخرى نظمتها مجموعات تابعة لحركة «فتح»، وقد جوبهت بردّ عنيف جداً من قبل سلطات الاحتلال، حيث قام شارون بحملة اعتقالات واسعة، وتجريف أحياء بكاملها، وهدم مئات البيوت، وتشريد سكانها.

هذا التصعيد العسكري في القطاع كان بسبب وجود تنظيمات مسلحة من الفصائل الوطنية، ومن قوات التحرير الشعبية التي أنشأها أحمد الشقيري، وتدربت على يد القوات المصرية، خلافاً للضفة الغربية التي كانت بلا سلاح تقريباً، فمثلاً بعد نكسة حزيران جمع الجيش الإسرائيلي 4 قطع سلاح فقط من مدينة نابلس، كانت بحوزة بعض المقاتلين. ويمكن القول: إن سائر المدن كانت في وضع مشابه، بَيدَ أن الضفة الغربية كانت أنشط سياسياً وحزبياً، إضافة إلى أن جزءاً كبيراً من الأهالي ومن بعض النخب السياسية والاقتصادية كانت تعلق الآمال على الحل الأردني.

كانت «فتح» قد قررت انطلاقتها الثانية بعد شهر على النكسة، فدخل ياسر عرفات إلى الأرض المحتلة باسم مستعار «أبو محمد»، ومعه عدد من الكوادر العسكرية، وأخذوا ينشئون قواعد للثورة، وينظمون المجموعات المسلحة.. وفي جبل الخليل سيبرز الفدائي باجس أبو عطوان، والفدائي عبد الرحيم جابر.

في عموم الضفة الغربية لم تخرج سوى تظاهرات قليلة ومتناثرة بُعيد النكسة مباشرة، وسرعان ما تمكنت سلطات الاحتلال من قمعها وإجهاض أي توجه لمقاومة الاحتلال سواء عسكرياً أم جماهيرياً، إذ إنَّ فصائل منظمة التحرير لم تكن حتى ذلك الوقت مهتمة بالقدر الكافي بالحراك الجماهيري والعمل الشعبي، مكتفية بتركيزها على العمليات الفدائية وعلى التواجد السياسي في الساحتين العربية والدولية، وكانت علاقة الجماهير بقوى المقاومة عاطفية وعن بُعد، رغم أن النخب المثقفة كانت قد بدأت بتشكيل «الجبهة الوطنية» إلا أن الحركة الوطنية عموماً لم تكن منظمة ولا مؤطرة، فيما انشغل الناس في البحث عن فرصة عمل وتأمين مصدر رزق، وقد وجدوا ضالتهم في فرص العمل الثمينة داخل إسرائيل كعمّال ومستخدمين، وقد أخذ الوضع الاقتصادي والمستوى المعيشي بالتحسن مقارنة بما قبل الـ67.

كان سكان الضفة الغربية وقطاع غزة يستطيعون بسهولة دخول مناطق 48، إما لزيارة أقاربهم، أو لزيارة معالم قراهم المهدمة، أو للتجارة والتسوق والتنزه والعمل، وكذلك التنقل بين الضفة والقطاع، كما كان الإسرائيليون يدخلون مدن الضفة، منهم بدافع الفضول، ومحاولة التعرف على هذا الشعب، أو للتسوق حيث الأسعار دوماً أرخص. كل هذا في إطار سياسة إسرائيلية ممنهجة ومدروسة هدفها الضم والدمج البطيء، وفي سياق عملية كي الوعي. تلك السياسة ستتغير جذرياً وبالاتجاه المعاكس بدءاً من العام 1991، أي قبل دخول السلطة الوطنية، وتحديداً بعد حرب الخليج الأولى.

في العامين 1975- 1976 شهدت الأراضي المحتلة تظاهرات طلابية وشعبية جوبهت بقمع إسرائيلي عنيف، استشهدت فيها الطالبة لينا النابلسي، وقد تزامنت تلك التظاهرات مع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، والتي خطفت الأضواء الإعلامية. ولكن مع نتائج انتخابات البلديات تغيّر الجو العام، وبدأت الحركة الوطنية تعيد تنظيم نفسها وتستجمع قواها. وفي الداخل المحتل تفجرت أحداث «يوم الأرض» في الثلاثين من آذار 1976.

شهدت الأراضي المحتلة سلسلة عمليات فدائية نوعية، مثل عملية الساحل بقيادة دلال المغربي، التي ردّت عليها إسرائيل بعدوان على جنوب لبنان عرف باجتياح الليطاني، وكذلك عملية سافوي، ومن قبلها عملية الخالصة وغيرها.. وكان لهذه العمليات صدى إيجابي كبير لدى الجماهير.

مع أن اهتمامات الناس تركزت على توفير رغيف الخبز والبحث عن الاستقرار الاقتصادي والمعيشي أكثر من البحث عن الثقافة والأدب، رغم ذلك بدأت الحياة الثقافية تنشط وتنمو بشكل ملحوظ، فصدرت العديد من الصحف الفلسطينية، أولها صحيفة القدس، ثم الشعب، والفجر، وبعض المجلات مثل البيادر، والعودة.

وصدرت عشرات الكتب لمثقفين ومفكرين وأدباء، وصارت تُعقد الأمسيات الثقافية وندوات الشعر، والاحتفالات الثقافية والفولكلورية مثل مهرجان بيرزيت، وتأسست العديد من المكتبات العامة. ولعبت الحالة الثقافية دوراً مهماً في إعادة تشكيل وتغيير واقع المجتمع الفلسطيني، وساهمت في تقوية الحركة الوطنية.

في العام 1974 تشكلت «الجبهة الوطنية»، وهي إطار سرّي ضم حركة «فتح» والجبهة الديمقراطية والحزب الشيوعي، والأحزاب اليسارية الأخرى، وشخصيات مستقلة، ثم انضمت إليه الجبهة الشعبية، وكانت الجهة المسؤولة عن متابعة كل العمل الوطني في الأرض المحتلة، وبمثابة الخلفية السياسية والتنظيمية التي أشرفت على انتخابات البلديات سنة 1976، وفيما بعد تشكلت لجنة التوجيه الوطني في العام 1978.

وتُعتبر الجبهة الوطنية «الجسم السرّي» الذي شكّل أو ساهم في تشكيل الكتل الوطنية واختيار الشخصيات التي ترشحت في الانتخابات عام 1976، بعد أن أخذت الضوء الأخضر من قيادة منظمة التحرير.

نجحت الجبهة الوطنية في ربط البلديات مع مجمع النقابات المهنية في بيت حنينا، وهذه النقابات كانت تمثل النخب المتعلمة والمثقفة، وهم منتخبون أيضاً أسوة بالبلديات.

لم تقتصر عضوية لجنة التوجيه الوطني على البلديات والنقابات، فقد انضم إليها ممثلو الاتحادات الشعبية والعمالية، ولم يعد دور الجمعيات النسائية محصوراً في العمل الاجتماعي والخيري بعد أن انخرطت في العمل الوطني والسياسي، فصارت تشارك في التظاهرات، وتصدر بيانات وتعبّر عن مواقف سياسية.

وللحديث بقية..

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى