عبد الرحمن الراشد: هل يستطيع ترمب حظر «الإخوان»؟
عبد الرحمن الراشد 30-11-2025: هل يستطيع ترمب حظر «الإخوان»؟
الدولة الوطنية في العالم العربي منذ قيامها تتصارع مع تيارات فكرية أممية تنافسها على الوجود وتنازعها على الولاء. «الإخوان المسلمون» جماعة عابرة للحدود، تصطدم فكراً وأهدافاً مع معظم دول المنطقة، بما فيها تلك التي تسمح لها ببضعة مقاعد برلمانية وحكومية.
«الإخوان» تماثل حركات آيديولوجية ذات هياكل تنظيمية كالبعث والشيوعية والقومية العربية ومتفرعاتها من اشتراكية وناصرية، ذات مفاهيم سياسية تتعارض والأنظمة القائمة. وليس غريباً أن أياً من التيارات الثلاثة لم تنجح، ومن نجح منها لم يستمر في الحكم.
الرئيس الأميركي دونالد ترمب فاجأ الجميع عندما أصدر أمره لكل من وزارتي الخارجية والخزانة بتقرير يطلب حظر التعامل مع «الإخوان»، وملاحقة بعض فروعها في المنطقة، الأرجح أن المجموعة الأولى المستهدفة هي فروع التنظيم في مصر والأردن ولبنان. أمام الوزارتين 45 يوماً وبعدها قد يتم تصنيفها جماعات إرهابية، ويوضع قادتها والناشطون فيها على قوائم المحظورين. تطور مهم لأن «الإخوان» هي أكبر الأحزاب السياسية العربية وأكثرها نشاطاً.
حاكم ولاية تكساس الأميركية سبق ترمب ببضعة أيام وأعلن عن تصنيف الجماعة إرهابية. ولا أعرف الكثير عن حجمها ونشاطها في الولاية، لكن القرار بدايةٌ واختبارٌ لملاحقتها داخل الولايات المتحدة. وهي حالة نادرة؛ فالدستور الأميركي يسمح بحرية الفكر والاعتقاد وكذلك بالتحزب، فالحزب الشيوعي قائم وفاعل منذ مائة عام، وكذلك النازية ناشطة قانونياً بوصفها حركة، بخلاف أوروبا. إنما تختلف هاتان الحركتان، فالشيوعية والنازية صغيرتان ومنبوذتان، في حين أن «الإخوان» بوصفها حركة، منتشرة في الولايات المتحدة وصار لها حضور فعال داخل جالية المسلمين التي تكبر بشكل سريع. أتذكرها في الجامعات منذ السبعينات والثمانينات، ولم تكبر إلا في العقد الماضي، وانفتحت على العمل مع الحزبين الرئيسيين الجمهوري والديمقراطي.
وهي لا تعدّ نفسها حركة مضادة كالشيوعية، بل امتداد لمسلمي أميركا، مثلما هي المنظمات اليهودية وذراعها القوية «أيباك». طبعاً، الحقيقة فكر «الإخوان» معادٍ للغرب، وهذا لم يمنعهم من التعاون مع المؤسسات الغربية والحصول على دعمها المالي والسياسي. وفي برامج الحركة تقدم نفسها على أنها تؤمن بالمبادئ الغربية الديمقراطية وتداول السلطة. وهذا طبعاً ليس صحيحاً فكراً وتاريخاً. تميزت الجماعة بالمرونة، حيث عملت مع اليساريين والقوميين والخمينيين وتعاون فرعها في العراق مع الاحتلال الأميركي الذي عاد لنشاطه وشغل مناصب حكومية حينها.
بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) عام 2001 ارتفعت دعوات لحظر حركة «الإخوان» لعدّها المدرسة الفكرية للجماعات الإرهابية، لكنها لم تجد آذاناً صاغية في الكونغرس والبيت الأبيض سوى الآن… لماذا الآن؟ الأرجح أنه موقف حركة «الإخوان» العالمية من هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 ضد إسرائيل، ولأن «حماس» نفسها من جماعة «الإخوان»، الأمر الذي تسبب في ملاحقتها. يضاف إليه أن المزاج العام الأميركي، والغربي عموماً، ضد الإسلام السياسي ولن يجد المشرعون معارضة لحظرها. وهذا التوجه لا يتعارض مع الترحيب الأميركي الذي قوبل به الرئيس السوري، وهو من خلفية «جهادية»، حيث ينظر إليه «منفصلاً» عن هذه الجماعات.
ومن المفارقات أنه في الوقت الذي تحارب فيه إسرائيل «حماس» الإخوانية تسمح لفرع لـ«الإخوان» بحزب سياسي، ولفلسطينيي إسرائيل بأن يكونوا نواباً في الكنيست، وسبق أن شاركوا في حكومات إسرائيلية.
«الإخوان» حركة أممية ضد مفهوم الدولة الوطنية. معظم نشاطها في المنطقة العربية ولها جمهورها وإن كانت الحكومات تنكر ذلك. كمعارضة، تقدم نفسها بديلاً للأنظمة القائمة، وفي المرات القليلة التي وصلت للحكم كان أداؤها سيئاً سياسياً ومعيشياً، سواء في مصر عندما حكمت لسنة واحدة فقط أو السودان لثلاثين عاماً.
ومفهوم «الأممية» بشكل عام، بتوحيد البشر أو الدول ضمن منظومة واحدة فشل في العالم وقد تلاشت أكبرها، الشيوعية والاشتراكية الدولية.
ليس واضحاً إن كان الحظر الذي أعلن عنه ترمب عاماً يترصد «الإخوان الأميركية» بما فيها الجماعات التي تأسست تحت عناوين قومية أميركية. دولياً سيتم استهداف عمليات جمع الأموال وتوزيعها، وكذلك ملاحقة منابرها الإعلامية المنتشرة. ولدى الولايات المتحدة خبرة سابقة عندما شرعت في ملاحقة التنظيمات التابعة لإيران في أنحاء العالم وحرمانها من التمويل والتحويل، وأغلقت العديد من محطاتها الإذاعية والتلفزيونية ومواقعها الرقمية والاجتماعية.
الحظر سيلقى الترحيب الصامت من الحكومات العربية بما فيها تلك التي تسمح للجماعة بالعمل السياسي. فالجماعة تشكل خطراً على الحكومة الوطنية، فهي تقدم نفسها بديلاً داخلياً، ولها امتدادات خارجية تدعمها.



