عبد الرحمن الراشد: متى يمكن إخراج القواعدِ الأميركية؟
عبد الرحمن الراشد 30-3-2026: متى يمكن إخراج القواعدِ الأميركية؟
أن تغلقَ إيرانُ مضيقَ هرمزَ كانَ احتمالاً متوقعاً وموجوداً في كلّ سيناريو حربٍ محتملةٍ معها. فقد كانت هناكَ سابقةٌ بإغلاقه في الثمانينات عندما قامت إيرانُ بزرع الألغامِ واستهدافِ السُّفن وتهديدِ المرور البحري. عُرفت باسمِ «حرب الناقلات»، استخدمت فيها إيرانُ الصواريخَ والزوارقَ السريعة. ولهذه الحربِ أهميةٌ تاريخيّةٌ أنَّ إيرانَ هي من تسبَّبت وجلبتِ التَّدخلَ البحريَّ الخارجيَّ وأسَّست لوجودٍ عسكريّ أميركيّ دائمٍ في الخليج. قبل هجومِ إيران على النقلِ البحري لم يكن للأميركيين قواعدُ وبوارجُ في الخليج.
المعركة الأولى كانت في أتونِ حرب العراق إيران. حينها كانَ العراقُ يهاجم كذلك ناقلاتِ النفط الإيرانية. لم تكتف طهرانُ بمهاجمة قوات العراقِ البحرية، بل هاجمت أيضاً سفنَ دولِ الخليج البحرية، كما تهاجمُ جاراتِها الخليجية اليوم. عندما دخل الأسطولُ الخامسُ المنطقة أصيبت بارجةٌ أميركيةٌ بلغم بحريّ إيراني. تلك الحادثةُ غيَّرت قواعدَ الاشتباك، حيث أصبحتِ الولايات المتحدة طرفاً فاعلاً في الأزمة، ونشبت معاركُ بحريةٌ هي الأولى منذ الحرب العالمية الثانية. استهدفت إيرانُ ناقلات بترول الكويت، وضربت منشآتٍ بحرية خليجية، لهذا طلبتِ الكويتُ الدعمَ وتم رفعُ الأعلامِ الأميركية على الناقلات ورافقتها قطعٌ بحرية أميركية. مع تدويلِ الحرب، تمَّ تدميرُ قدراتِ إيرانَ البحرية العسكرية ومنصاتِ بترولها.
كانت تلك جولةُ قتالٍ مهمةٌ اختتمتِ الحرب الطويلة لاحقاً بهزيمةِ إيران وقبلت وقفَ إطلاق النار. حربُ اليوم 2026 مكملةٌ لسلسلةِ حروب واشتباكاتٍ منذ الثمانينات تعبّرُ عن نوايا وسياساتِ إيران.
من الشروط ِالتفاوضية الخمس، التي يُقال إنَّ إيرانَ طرحتها عبر باكستان، اشتراطها إخلاء المنطقة من القواعدِ العسكرية الأميركية. هذا الشرطُ غيرُ الواقعيّ تقابله قائمةُ الشروط الأميركية الخمسةَ عشر، ورغمَ عدم تأكيدِ البيت الأبيض صحتَها إنَّما تبدو منسجمةً مع التصريحات الرسمية. لوقفِ الحربِ تشترط واشنطن على إيرانَ أن تتخلَّى عن قدراتِها العسكرية الهجومية كبرامجَ ومنظوماتٍ ومخازنَ واعتماد آلية تنفيذية. هنا لو قبلت إيرانُ ذلك يصبح الحديثُ عن إنهاء القواعدِ الأميركية معقولاً، لأنَّها بُنيت أساساً ضد التهديدات الإيرانية، رغم أكاذيب دعايةِ نظريات المؤامرة التي تزعم أنَّ للقواعد دوافعَ خفيَّة بالاستيلاء على الخليج والمنطقة.
الثقة في نظامِ ايرانَ مفقودة، ومن الصعبِ بناء ثقة تسمح بالتخلّي عن القواعد الأميركية على الأقل في الوقت المنظور. النّظام قد يغيّر سياستَه في زمن لاحق بشكل إيجابي أو يتغيّر، وهذا شأن آخر حينها سيستوجب إعادة النظر في استراتيجيات مواجهة الخطر الإيراني.
الحديث عن المستقبل متروكٌ عندما تتغيّر الظروف، أمَّا اليوم فنحن نعيش التاريخَ القديم. فحربُ إغلاقِ مضيق هرمز تكرارٌ لحرب الناقلات في الثمانينات، مما يؤكد صعوبةَ الثقة بنظام إيرانَ الذي يعيد استنساخَ نفسه رغم تبدلات اللاعبين وسوق النفط ومرور نصف قرن. كانت تلك الحربُ بين صدام العراق وخميني إيران، اليوم بين إسرائيلَ وإيران. كانَ البترول والغاز ولا يزالان اليوم سلعتين استراتيجيتين لاقتصاد العالم.
إيرانُ الثمانينات هي إيران اليوم، تنشر الفوضى والإرهاب. نظامُها هو آخرُ الأشقياءِ الواقفين، بعد أن تمَّ القضاءُ على صدام والقذافي والأسد.
إنَّما النّظامُ، وإن كانَ يبدو متماسكاً وواقفاً على قدميه في الحربِ الحالية، لكنَّه ليس النظامَ نفسَه الذي خاضَ حربَ الثماني سنواتٍ وحربَ النَّاقلات، وقتَها كانَ في عزّ شبابِه وذروةِ شعبيتِه. اليومَ شاخَ وفقدَ شعبيتَه، خاصةً بين الأجيال الجديدةِ الواعيةِ لسياساته، الرافضةِ لتبديدِ ثرواتِ بلادِها على الحروبِ في سوريا ولبنان والعراق واليمن وأفريقيا وأميركا الجنوبية.
مضيقُ هرمزَ ممرٌ لم يعد شأناً أميركيّاً بل يهمّ بالدرجة الأولى الصين والهند وكوريا الجنوبيةَ واليابانَ التي يعتمد عليهِ اقتصادُها. هذه الدولُ المستوردةُ ستجد نفسَها مضطرةً مستقبلاً لحماية سفنِها من سياسةِ طهرانَ التي تستخدمُ المضيقَ والمنشآتِ كسلاحٍ ضدَ جيرانها، وصارت اقتصاداتُ القوى العالمية «الجديدة» في خطرٍ نتيجةَ نزعةِ إيرانَ العدوانية.
الولاياتُ المتحدة هذه المرةَ المحاربُ الأساسيُّ لكنَّها لن تدافعَ عن مصالحِ هذه الدّول لاحقاً، كمَا قال الرَّئيس دونالد ترمب. طهرانُ استخدمتِ المضيقَ رهينةً ضد دولِ الخليج، وكذلك ضد شريكاتِها مثل الصّين والهند.
إقليمياً، إيرانُ قوةٌ عسكريةٌ لا أحدَ ينكرُها، وهذا من أسبابِ نشوبِ الحربِ الاستباقية لوقفِ تعاظم قدراتِها النووية والصاروخية. مصانعُها تنتج آلافَ الصواريخِ والمسيرات التي لم تكن عملاً تجارياً، بل مشروعٌ سياسيٌّ إقليميٌّ هدفُه زعزعةُ المنطقة. الحربُ كشفت أنَّ إيرانَ كانت تخطّط لاستخدامِ ترسانتِها في مشروعِها التَّوسعي، التي نشاهدُ نشاطَها التدميريَّ المحمومَ يضرب ستِ دولٍ خليجية والعراق والأردن، ووصلَ إلى عرض المحيط الهندي والبحر المتوسط، إضافةً إلى قواعدِها من ميليشيات اليمن ولبنانَ والعراق. النوايا تدلُّ عليها الأفعالُ وليست الأقوال.
في حالِ تعهُّد إيرانَ والتزمها أنَّها لن تعودَ لتطويرِ قدراتها العدوانيةِ العسكرية سترحلُ القواعدُ الأميركيةُ والبريطانية والفرنسية لأنَّها نتيجةٌ للتهديداتِ الإيرانية، وليستِ التهديداتُ الإيرانية رداً على وجودها.



