طوني فرنسيس: يالطا جديدة في الأفق

طوني فرنسيس 9-2-2026: يالطا جديدة في الأفق
لم تسفر الجولة الأولى من المحادثات الأميركية – الإيرانية في مسقط عن اختراق يعتد به. فقد كانت أشبه باستجابة في معرض اللياقة إلى نصائح الأصدقاء من الجانب الأميركي، وبحضور لا مفر منه من الجانب الإيراني تحت ضغط الحصار العسكري واحتدام الأوضاع الداخلية. في الواقع لا يرى أحد كيف يمكن لهذه المفاوضات أن تسفر عن نتائج ملموسة. فالولايات المتحدة التي تحشد قواها العسكرية في المنطقة، في تظاهرة تعد الأكبر منذ احتشاد الجيوش في الحرب العالمية الثانية، أبلغت إيران بما تريده: وقف عمليات تخصيب اليورانيوم وإخراج الكميات الجاهزة منه إلى خارج البلاد من ضمن إلغاء شامل للبرنامج النووي، وضبط البرنامج الصاروخي إلى الحدود الدنيا كمية ومدى ووقف الدعم السخي للمنظمات الحليفة في المنطقة وعلى رأسها “حزب الله” و”حماس”… وأخيراً التوقف عن مواجهة الاحتجاجات الشعبية داخل إيران بالعنف.
إيران من جهتها ترفض جدول الأعمال هذا وتتمسك بنقاش يتناول البرنامج النووي بروحية اتفاق 2015، وترفض ما يطرح في شأن التخصيب، وتلح في الوقت نفسه على رفع العقوبات المفروضة عليها.
في تناقض جدولي الأعمال وأولويات كل من الطرفين يكمن الصدام. ولا يعود للقاءات في السلطنة الخليجية معنى، فلا قاسم ولا جامع مشتركاً بين نظرتي الجانبين ولا مخرج في الأفق، حيث يصعب على أي منهما إقناع الآخر بوجهة نظره أو شروطه، مما يجعل قول مستشار الأمن القومي الأميركي السابق جون بولتون، إن هذه المفاوضات لن تسفر “عن أية نتيجة. لا فرق إن عقدت في عمان، أو في تركيا، أو حتى على سطح القمر”، وجهة نظر شديدة الواقعية.
لماذا عاد الطرفان إلى التفاوض إذاً؟ وما دوافعهما؟
في إيران، يخشون حسب تقرير لـ”رويترز” من أن أية حرب جديدة تشنها أميركا ستؤدي إلى “عودة الاحتجاجات” التي بدأت في أواخر العام الماضي. وقد خلص المرشد علي خامنئي ومعاونوه إلى هذه النتيجة، فكان مخرجهم القبول بالتفاوض أملاً في كسب بعض الوقت. وفي الولايات المتحدة التي هددت بضربات قاسية وحشدت قواتها في المنطقة، لم يخفِ الرئيس دونالد ترمب أنه يفضل الوصول إلى أهدافه بالتفاوض بدلاً من القتال. ثم إن شركاء الولايات المتحدة وحلفاءها من الدول العربية، يفضلون الوسائل السلمية في التوصل إلى تسويات وإن كانوا يتبنون جميعاً جدول الأعمال الأميركي ويعدونه جزءاً من مطالبهم لإقامة علاقات طبيعية بين دول الجوار. ويرى هؤلاء أن اتفاق 2015 لم يعالج مختلف جوانب الأزمة، وهم على قناعة أن المطروح يتعدى تماماً الاتفاق النووي عام 2015، وسيؤدي إلى تغيير تام في صورة الشرق الأوسط لا تعود فيه إيران التي نعرفها على صورتها وأدوارها الراهنة. وعلى رغم أهمية وحساسية النقاش الأميركي – الإيراني، من المفيد والواجب رؤية الصورة الأشمل للإطار الذي تجري فيه مفاوضات مسقط، حيث تحتدم المنافسات والمساومات ويجري استعراض القوى وعضلاتها على مستوى العالم. من غرينلاند، حيث تتشابك المطامع والمصالح الأميركية والأوروبية والروسية إلى أميركا اللاتينية والشرق الأقصى، ثم إلى أوروبا نفسها، حيث يجري البحث عن حل للنزاع في أوكرانيا تشارك فيه أميركا كوسيط فاعل.
في كل تلك المسائل، نجد اسم المبعوث ستيف ويتكوف (أي الرئيس الأميركي دونالد ترمب) حاضراً وإلى جانبه الصهر جاريد كوشنر. يتحرك ويتكوف وشريكه بكثافة بين روسيا وأوروبا وإسرائيل وإيران. في اليوم نفسه، ينهي جولة مفاوضات في أبوظبي مع زملائه الروس والأوكرانيين حول وقف الحرب في أوروبا وتمديد معاهدة “ستارت” للأسلحة النووية، ثم يطير إلى تل أبيب قبل أن يحط في مسقط. قبل ذلك هو الذي يجالس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خمس ساعات في الكرملين، ليقوم بوتين بالاتصال على التوالي بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وليعلن وزير خارجيته سيرغي لافروف لاحقاً أن “الإيرانيين والإسرائيليين والأميركيين على علم بأننا مستعدون لتقديم خدماتنا التي يمكن أن تسهم في تنفيذ الاتفاقات عندما يتم أو إذا توصل إليها… نحن لا نعرض أنفسنا حالياً كوسيط وإنما نناقش في اتصالاتنا معهم مستجدات الوضع فحسب”.
في الوضع الدولي القائم لا تعود مشكلة إيران وحدها على طاولة البحث. ففي ظروف انتشار الولايات المتحدة العسكري عبر البحار والمحيطات القريبة والبعيدة، واستعداد أوروبا لإعادة فتح الحوار مع روسيا، بعد مناكفاتها مع ترمب، تتجه الأمور أكثر نحو مشهد جديد للوضع الدولي لن تكون إيران سوى جزء منه.
ينشط الحوار ويتوسع وتتعدد أشكاله، على وقع تصاعد المعركة في أوكرانيا والتهديد بها في الخليج، وهو يتناول كل شيء، وكأن الشروط الدولية بلغت “مرحلة حاسمة لتحقيق قفزة نوعية”. تقول صحيفة ” فزغلياد” الروسية التي تتابع إن الأمور تسير ليس نحو اتفاق في شأن أوكرانيا فحسب، “بل نحو اتفاق شامل وجامع لتقاسم مناطق النفوذ بروح يالطا جديدة، وأوكرانيا ليست سوى حلقة” من هذا الاتفاق.
ومن الصدف اللافتة أن اتفاقات يالطا عقدت في محادثات القرم في مثل هذه الأيام قبل 81 عاماً (في 4 إلى الـ11 من فبراير/ شباط 1945)، وفيها جرى رسم خرائط العالم وتحديد مناطق النفوذ بعد الحرب العالمية الثانية.
كانت اتفاقات يالطا بين أميركا وبريطانيا والاتحاد السوفياتي نتيجة لميزان القوى الجديد في العالم بعد هزيمة ألمانيا ومحورها. واليوم يعيش العالم ما يشبه حرباً عالمية في أكثر من جبهة من دون أن تحسم نتائجها، لكن انتظار هذا الحسم لن يطول كثيراً كما يبدو.
ففي أوكرانيا، يرى جيمي ديتمير (Politico) أن الصراع قد يسوى بالفعل في وقت مبكر من العام الحالي (2026)، ولكن بشروط “مجحفة للغاية في حق كييف”.
وترى مؤسسة “ستراتفور” المتخصصة أن “أي اتفاق ينتج من هذا المأزق، سيؤدي على الأرجح إلى خسائر كبيرة في أراضي أوكرانيا”. وتتزايد التوقعات في الأوساط الروسية بأن “العملية العسكرية الخاصة” ستنتهي بشروط موسكو هذا العام.
وبحسب الباحث الروسي في الشؤون الأميركية مارات بشيروف، “يرجح أن يشهد عام 2026 نهاية الصراع في أوكرانيا، وأن ينتهي القتال وفقاً لشروط روسيا. وما يؤكد هذا، أولاً الوضع على الجبهة. فالقوات الروسية تواصل تقدمها، وتسيطر على بلدة تلو الأخرى، ثانياً، المشكلات الهائلة في الخطوط الخلفية الأوكرانية”.
يعكس هذا التحليل رغبة روسية وواقعاً قائماً، لكنه يفسر في الوقت ذاته التفاؤل الذي ساد بعد اجتماعات أبوظبي والحديث الأميركي المتكرر عن قرب تسجيل اختراقات.
وكما في أوكرانيا، سينتظر الشرق الأوسط ما ستفعله إيران والولايات المتحدة. وما لم يحصل تحول كامل في الموقف الإيراني، فإن الاشتباك بين الطرفين حاصل لا محالة.
لقد خسرت إيران كثير طوال العامين الماضيين. ضرب حلفاؤها وتنظيماتها على امتداد المنطقة، وانهار اقتصادها وعملتها، وتعرضت لهجمات قاسية في الصيف الماضي لم تنقذها منها علاقاتها مع روسيا أو الصين ولا التحاقها بمنظمات إقليمية ودولية، اعتقدت أنها توفر لها جدار حماية. والآن ها هي تقف على المفترق من دون خيارات، فإما الرضوخ وإما الرفض، وفي الحالتين سيكون مصير نظامها مطروحاً على بساط البحث، وربما تكون أراضيها نفسها عرضة للمساومة كما يجري في أوكرانيا تماماً.
يالطا جديدة تلوح في الأفق، من أوروبا إلى الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، ملامحها في طبيعة النظام الجديد في فنزويلا، وفتح الحوار الأميركي – الكوبي، وتبلور تسوية ما في أوكرانيا وأوروبا، وتغيير لا مفر منه في نهج إيران، وسقف كل ذلك عودة الروح إلى العلاقات الأوروبية – الروسية وتجديد اتفاق “ستارت”، و”مجلس سلام” للشرق الأوسط تجري الاستعدادات للاحتفاء به بعد منتصف الشهر الجاري.
مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook



