#شؤون فلسطينية

صقر أبو فخر: فلسطينيو 48: انشطار الهُويّة وقلق المصير… في الذكرى الـ50 ليوم الأرض

صقر أبو فخر 31-3-2026: فلسطينيو 48: انشطار الهُويّة وقلق المصير… في الذكرى الـ50 ليوم الأرض

كان يومُ الأرض نقطةَ تحوّل حاسمة في الحياة السياسية لفلسطيني 1948، وبدايةً تأسيسيةً للحركة الوطنية في داخل الخط الأخضر التي ورثت حركة أبناء البلد وحركة الأرض معاً. ويومُ الأرض لم يكن مجرّد ردة فعلٍ على القرارات الإسرائيلية التي هدّدت الوجود البشري للفلسطينيين وحقوقهم في أرضهم، وإنما كان ذروةَ النضالات المتراكمة ضدّ مصادرة الأراضي. ومنذ ذلك التاريخ، أي منذ 30 مارس/ آذار 1976، تحوّل الفلسطينيون في أراضي 1948 من مجموعات ضعيفة ومتفرّقة وعائلات متنافسة، إلى جماعات وطنية تعتدّ بنفسها وبهُويّتها، وتكافح في سبيل حقوقِها القومية. ولا شكّ في أنّ يوم الأرض نقل الفلسطينيين من حالةِ الخوف إلى حالة الافتخار بالذات، وكان له شأن مهمّ جدّاً في بلورة الشخصية الفلسطينية جماعةً قوميةً، وكان تجسيداً للصراع على الأرض بين الاستعمار الكولونيالي الإحلالي والسكّان الأصليين، وجسّد اللحظة التاريخية التي استيقظت فيها الهُويّة الفلسطينية لعرب 1948.

بعد 78 عاماً على الاحتلال والأسرلة، ما زال أهالي 1948 فلسطينيين. ومعظمُنا تابع بعض العمليات الفدائية في الفترة الأخيرة التي نفذها شبّانٌ من الجليل والمثلث. وهذا يعني أنّ الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة فشلت في جعلهم إسرائيليين حتى لو وُجد بينهم مَن ارتضى أن يعرّف نفسه بأنّه إسرائيلي؛ وهذا غير مستغرب تماماً، وإن كان مستنكراً، لدى من وُلد في “دولة إسرائيل”، وعاش في نطاقها وقوانينها ودعاياتها وإجراءاتها؛ فبعضهم القليل اعتقد أنّ مصالحه تكمن في الانتماء إلى هذه الدولة قوةً متسلّطة لا دولةً راعية.

كان من نتائج حرب 1948 أنّ الفلسطينيين خسروا وطنَهم، أمّا اليهودُ فأسسوا وطناً. ومنذ ذلك الحين، بدأ الأخيرون يخرجون من سطوة الشتات والمنفى (الدياسبورا)، بينما بدأ المنفى يستولي على كيان الفلسطينيين الذين تحولوا لاجئين. وقد بقي في فلسطين في سنة 1948 نحو 120 ألف فلسطيني (ارتفع عددُهم إلى 165 ألفاً في سنة 1949 جرّاء العودة بالتسلّل). وهنا ظهرت “أعجوبتان”: فقد رأى الفلسطينيون أنّ بقاء نحو 165 ألف فلسطيني قياساً إلى تهجير 860 ألفاً منهم إلى خارج الحدود أعجوبة. وكذلك وجد اليهود الذين منحهم قرارُ التقسيم دولةً فيها 600 ألف فلسطيني (مقابل 650 ألف يهودي) أنهم نالوا أكثر ممّا منحهم إياه قرار التقسيم. وهذا الأمر فاق أحلامَهم فرأوا في ذلك أعجوبةً أيضاً.

تناقض الهُويّة

رضي هؤلاء الفلسطينيون بالبقاء في أرضهم، وقَبِل اليهود ببقائهم لحاجتهم إليهم في الأعمال الجارية في المدن وفي الزراعة وفي بعض المصالح الخدمية. ومع ذلك، لم يكن أيٌّ من الطرفين سعيداً بهذا الحلّ الوسط؛ فالفلسطينيون فُرضت عليهم المواطنة الإسرائيلية، لكنّهم لم يَعتبروا هذه الدولة دولتهم. والدولة الإسرائيلية لم تعتبرهم بدورها مواطنين متساوين مع بقية المواطنين (راجع: عزمي بشارة، العرب في إسرائيل: رؤية من الداخل، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2008).

كان هَمّ هؤلاء الذين ظلوا في “إسرائيل” الأمانَ أولاً، أي عدم طردهم من أرضهم. وقد سلكوا المسلك الحسن في البداية، وخضعوا طائعين للحكم العسكري، وكان الشين بيت (الشاباك) القناة الوحيدة في صلتهم بالدولة الإسرائيلية ومؤسّساتها. وبهذا المعنى كان التعاون مع السلطة الإسرائيلية من أشكال الغُربة، وليس دليلاً على الانتماء؛ فقد حكمَهم “قانونُ الخوف”. وهنا لا يمكن فهم فلسطينيي 1948 كما نفهم أي أقلّية تعيش في دولة عادية، ولا يمكن فهم واقع فلسطينيي 1948 بالمنهج السردي أي الوصفي، لأنّ هذا الواقع شديد التركيب وكثير التعقيد. إنهم، خلافاً لبقية الفلسطينيين، مجموعة غيرُ مرحّبٍ بها لدى الدولة الإسرائيلية، وهم، في الوقت نفسه، صاروا مواطنين في دولة تعلنُ، ليلَ نهار، أنّها ليست دولتهم لأنّها، باختصار، دولةُ اليهود. والفلسطيني من عرب 1948 الذي اضطُر إلى حمل الجنسية الإسرائيلية هو مواطن إسرائيلي بحسب القانون، وله حقّ الترشّح والانتخاب والتقدّم للعمل في وظائف الدولة. لكنّ هذا “المواطن” لو تقدّم للمطالبة بأرضه المصادرة أو الموضوعة في تصرفِ القيّمِ على أملاك الغائبين، لانقلبت الحال فوراً، وصار هذا المواطن “غائباً” تُطبّقُ في حقّه قوانينُ أملاك الغائبين.

هذا هو التناقض في قلب الهُويّة، فالمواطنة هي المواطنة الإسرائيلية المتناقضة جوهرياً مع الهُويّة العربية التي يحملها هؤلاء الفلسطينيون. وهؤلاء الفلسطينيون الباقون هم، في الأساس، مجموعة سكّانية ريفية الطابع، لكنّها خضعت للتحديث اليهودي من دون أن يكون لها مدينة أو مركز مديني؛ أي إنّهم تحوّلوا إلى بروليتاريا في المدن اليهودية. فقدان الأرض وزوال الزراعة العربية أدّيا إلى اندماج الفلسطينيين في الاقتصاد الإسرائيلي عمّالاً هامشيين. وهكذا، وَجَد الفلسطينيون أنفسهم فجأةً وقد تحوّلوا من حالٍ إلى حال: من أنهم السكّان الأصليون للبلاد إلى غرباء. وهنا، في هذا البلاء، كان المطلوب من الفلسطيني، كي لا يُطرد من دياره، أن يُنكر هُويّته القومية ويؤكّد مواطنيتَه الإسرائيلية (عزمي بشارة، المصدر السابق).

فَقَدت الأرياف الفلسطينية في نكبة 1948 اقتصادها الكفائي، لكنّ القرية ظلّت في مكانها، لكن من دون زراعة، ومن دون مدينة أيضاً. فصارت الناصرة، على سبيل المثال، بلدةً كبيرةً لا مدينة، وظيفُتها إيواء العمّال والموظفين القرويين الذي يعملون نهاراً في مؤسّسات المدينة اليهودية، ويعودون ليلاً إلى النوم في بيوتها المتواضعة. وعلى سبيل المثال، احتجّ أحد الفلاحين على قيمة التعويض عن أرضه المصادرة فقال: هل ثمنُ الدونم الواحد من أرضي 200 ليرة فقط؟ إنّه ثمنٌ بخس جدّاً. فأجابه الموظف الصهيوني: هذه ليست أرضَك. إنها أرضُنا. وأنتم الفلسطينيون لستم إلا نواطير نطرتُم أرضنا 2000 سنة، وها نحن ندفع لكم أجرَكم فحسب (انظر: حنا نقارة، جريدة “الاتحاد” الحيفاوية، 15/7/1966). وفلّاح آخر احتجّ أمام مدير دائرة العقارات في إسرائيل على مصادرة أرضه، وراح يصرخ: كيف تنكرون ملكيتي؟ هذه الأرض لي، وقد ورثتُها عن أبي الذي ورثَها عن والده، ولديّ كوشان طابو (سند ملكية) يُثبت ملكيتي. فأجابه المدير الإسرائيلي باستهزاء: نحن لدينا كوشان طابو أهم من كوشانك. لدينا كوشان من الله: من دان إلى إيلات (راجع: يوسف فايتس، يومياتي، تل أبيب: مساداه 1965، نقلاً عن صبري جريس، العرب في إسرائيل، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1973).

الأسرلة والخوف

نشأت الطبقة الوسطى الفلسطينية في داخل إسرائيل، لا في سياق التشكيلات الاجتماعية، بل في سياق هجرة أبناء الريف إلى المدينة اليهودية للعمل فيها. والنخب الفلسطينية اليوم مؤلفةٌ من الذين درسوا في الجامعات الإسرائيلية، وتحوّلوا مهنيين، أي إلى طبقة وسطى معزولة عن الطبقة الوسطى الإسرائيلية وغير مندمجة فيها. والمقصود أن الفلاحين الفلسطينيين قبل نكبة 1948 صاروا، رغماً عنهم، عمّالاً ومستخدمين في المصانع اليهودية. أمّا أبناؤهم الذين يشكلون عماد الطبقة الوسطى الجديدة فهم لا يستندون في هذا الموقع الطبقي إلى ميراثهم من الأرض، بل إلى دخلهم بوصفهم مهنيين مثل الأطباء والمحامين والمهندسين والمدرّسين والمحاسبين والصيادلة. وهذه النُّخب الجديدة كان على آبائهم أن يناضلوا، في البدايات الأولى تحت الحكم العسكري، في سبيل بقائهم على أرضهم. ولاحقاً راحت هذه النُّخب الجديدة تناضل في اتجاهين: تأكيد هُويّتها الفلسطينية، والمساواة. وفي هذا الميدان دأب الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح) على الدعوة إلى المساواة بين العرب واليهود من دون أن يعير مسألة الهُويّة القومية أيّ اهتمام، الأمر الذي كان سيُفضي إلى الاندماج. وناضل الحزب الشيوعي أيضاً ضدّ التمييز، لكنّه لم يستطع أن يقدّم تعريفاً إيجابياً لفكرة المساواة ولفكرة عدم التمييز، وكان يعتقد أن المساواة تعني عدم التمييز فحسب، وهذا تعريف سلبي. أمّا التعريف الإيجابي فهو تحويل إسرائيل من دولة لليهود إلى دولة لجميع المواطنين. لكنّ الفلسطينيين في “إسرائيل” ليسوا مجوعةً مهاجرة كي تُطالب بالمساواة والاندماج، بل هم السكّان الأصليون الذين كانوا أكثريةَ السكّان، فصاروا أقليةً جراء الاحتلال والطرد والاستيطان. وخلافاً للحزب الشيوعي، اختارت النُّخب الفلسطينية الجديدة التركيز على الهُويّة القومية للفلسطينيين، ورفعت شعار “دولة لجميع مواطنيها” مع أن تلك النُّخب الجديدة، وفي مقدّمها عزمي بشارة، كانت تعلم، علم اليقين، أن من المحال أن تتحوّل إسرائيل إلى دولة ديمقراطية لجميع مواطنيها لأنها، بكل بساطة، دولة يهودية بحسب “وثيقة الاستقلال”، وهي دولة كولونيالية إحلالية من بابها إلى محرابها، والمساواة لن تتحقّق فيها إلا إذا نُزعت الصفة الكولونيالية عنها. وهذا يعني أنّ الصراع القومي هو الأساس. لذا عملت السلطات الإسرائيلية على أن تكون إسرائيل دولة يهودية، وكان ذلك من المحال في ما لو بقي الفلسطينيون في بلادهم. لذلك جرى طرد السكّان إلى خارج حدود فلسطين الانتدابية، فحقّقت إسرائيل بذلك الأكثرية اليهودية العددية. وهذه الأكثرية لم تنجُم عن التكاثر الطبيعي، بل عبر سفك دماء السكّان الأصليين، وخفض عددهم حتى لا يشكلوا أي خطر على دولة اليهود.

تحت “قانون الخوف” وعمليات الأسرلة، لم يكن من المستغرب أن تظهر بين الفلسطينيين بعض المجموعات الموالية للدولة الصهيونية بعدما تحوّل السكّان من أكثرية إلى أقلية معزولة عن أمتها، وضعيفة اقتصادياً وعلمياً وثقافياً، ومن دون مركز مديني يعزّز أوضاعها الاقتصادية. والمركز المديني يعني الجامعة والمكتبة الوطنية والمسرح ودور النشر ومقاهي المثقّفين ومراكز البحوث والمنتديات الفكرية والصحافة والإعلام… إلخ. وعلى هذا النحو، عاش الفلسطينيون في أسر قانون الخوف من أجهزة الأمن، ومن فقدان الأرض، ومن فقدان الأهل، ومن الحكم العسكري، وفي ظلّ الضائقة المعيشية المتفاقمة باستمرار. وأدّى ذلك كلّه إلى تشوّهاتٍ في الهُويّة، وإلى ظهور ما يُسمّى “العربي – الإسرائيلي”. وأستذكرُ هنا حادثة طريفة من بقايا تلك الحقبة؛ ففي زيارة قام بها رئيس الدولة الإسرائيلية إلى بلدة عربية، وقف كبير تلك البلدة وهو عضو في الكنيست، ليرحب برئيس الدولة قائلاً: “نحيي دولة إسرائيل المزعومة”. هذا الإنسان شبه الأمّي كان يسمع عبارة “إسرائيل المزعومة” من إذاعة دمشق أو من إذاعة صوت العرب، فاعتقد أن “المزعومة” مشتقّة من الزعامة.

بعد أن رسم الجزء الأول من هذه المطالعة ملامح التحوّل العميق في وعي فلسطينيي 1948 منذ يوم الأرض، وكشف تناقض الهُويّة بين مواطنة مفروضة وانتماء قومي متجذّر، وما رافق ذلك من سياسات الأسرلة وقانون الخوف، ينتقل هذا القسم إلى تفكيك البنية الاجتماعية نفسها. لينتقل السؤال عن الهُويّة إلى تشقّقات المجتمع من الداخل: من ظاهرة المتعاونين، إلى إعادة توظيف الروابط العائلية، مروراً بسياسات التجنيد والتمييز، وصولاً إلى التحوّلات السياسية وتصاعد الجريمة، بوصفها مؤشّراتٍ على أزمة مركّبة تضرب النسيج الاجتماعي.

المتعاونون والتفكّك الاجتماعي

ما زالت الروابط الوشائجية قوية جدّاً في المجتمع الفلسطيني في أراضي 1948. ويتجلّى هذا في المنافسات العائلية وفي إعلاء شأن الحمولة، وفي قيم الوجاهة والمفاخرة. ومع الأسى والأسف، استُخدم التعاون مع الدولة ومؤسّساتها الأمنية والتشغيلية لتعزيز موقع هذه العائلة في مواجهة تلك العائلة. صحيحٌ أنّ الأساس الاقتصادي – الاجتماعي للعشيرة أو للعائلة تضعضع مع اندثار الزراعة أو ضمورها، إلا أنّ الانتماء إلى العائلة بقي قوياً خصوصاً في القرى. وبهذا المعنى لم يندثر الانتماء العائلي باعتباره ملاذاً اجتماعياً، لكنّ وظيفته تغيّرت، وصار وجيه العائلة هو مَن أعاد فلاناً إلى قريته، أو أخرج متسللاً من السجن، أو حصل على تصاريح عمل لبعض شبّان عائلته، وهُويّات إسرائيلية لآخرين. وقد انقسم الفلسطينيون آنذاك بين ثلاث فئات: فئة تعاونت مع الإسرائيليين جهراً، وفئة اضطرّت إلى التعاون بالحدّ الأدنى الضروري لتسيير أمورها، وفئة رفضت التعاون.

كانت وظيفة المتعاونين في البداية كتابة التقارير عن الذين يتستّرون على المتسلّلين، وعلى الذين يمتلكون أسلحة، وعلى الذين يمارسون تجارة التهريب من لبنان وسورية والأردن، وعلى الذين شاركوا في القتال ضدّ القوات الصهيونية في سنة 1948. ومنذ ما قبل النكبة، وفي سنة 1946 بالتحديد وقف حسين العلي زعيم عرب الهيب إلى جانب الحركة الصهيونية علناً. ومن بين أبرز المتعاونين عودة أبو معمّر (شيخ قبيلة المسعودين وهم فرع من العزازمة)، وسيف الدين الزعبي (زعيم الناصرة وجوارها)، ومحمّد حاج عمر من قرية الريحانية الشركسية، وصالح خنيفس من دروز شفاعمرو. ولا بدّ في هذا الميدان من ذكر جبر داهش معدّي الذي كان منفذاً في الحزب السوري القومي الاجتماعي، وقاتل الهاغاناه مع مجموعة من رفاقه وأنصاره في معركة هوشة والكساير. وحين فقد الأمل جاء إلى لبنان طالباً السلاح، والتقى فوزي القاوقجي وشكيب وهّاب وأمين الأعور. ولما فشل في سعيه قال لهم: سأعود إلى قريتي وأحاول إنقاذ القرى بالتفاهم مع الهاغاناه (قيس فِرّو. دروز في زمن الغفلة: من المحراث الفلسطيني إلى البندقية الإسرائيلية، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 2019، ص 162).

أمّا الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي فهي المنخاس الدائم في ظهر بعض المكوّنات الفلسطينية في أراضي 1948. وبحسب القانون لا يخدم في الجيش الإسرائيلي الفلسطينيون السنّة والمسيحيون، بل الدروز والشركس، ويُسمح للبدو وغيرهم بالتطوع، مع أنّ البدو والشركس سنّة في المذهب. ومن علائم التفكّك الاجتماعي في الوسط الفلسطيني أن نجد عربياً يُدعى عبد المجيد خضر عبد الله المزاريب من قرية الناعورة أو بيت زرزير البدوية كان مؤسّسَ وحدة شكيد في سنة 1964 لحراسة الحدود ومنع تسلّل المقاومين وإحباط العمليات العسكرية. وهذا الشخص اتخذ اسم عاموس يركوني، وصار أول ضابط بدوي في الجيش الإسرائيلي، ولم يتهوّد دينياً. ثم أسّس وحدة تقصّي الأثر (مرعول) في سنة 1970. واشتُهر من بين قصّاصي الأثر أيضاً حسين الهيبي من عشيرة الهيب الذي ترقّى حتى رتبة عقيد (قيس فِرّو. دروز في زمن الغفلة، المصدر السابق، ص 176). والمعروف أن يغئيل يادين، رئيس الأركان، زار مضارب قبيلة الهزيّل (من التياها) في مايو/ أيار 1950، فاستقبله شيخ القبيلة سلمان الهزيّل بالحداء وذَبْحِ الخرفان. ومنذ ذلك الوقت بدأ تجنيد البدو بصورة شبه نظامية في الجيش الإسرائيلي، فانضمّ إليه متطوّعون من قبيلة الهيب، وشكّلوا وحدة الأقلّيات التي وُضعت تحت قيادة طوبيا ليشنسكي، والتحق بهؤلاء بدو من قبيلة الحجيرات، وبعض شراكسة كفركما والريحانية في الجليل بقيادة محمّد حاج عمر (المصدر السابق، ص 187).

وعمل البدو قصّاصي أثر، فيما عمل الشراكسة في زرع الألغام وفي العمليات التخريبية وراء الجيش السوري مع أنّ عدداً من الشركس قاتل في صفوف الجيش السوري في معارك 1948، واستشهد منهم كثيرون أبرزهم المقدّم جواد أنزور والملازم الأول إحسان كمّ الماز.

الدروز: العمل في الحراسات

خدم الدروز في وحدات مكافحة التسلّل والتهريب، وفي الشرطة وحرس الحدود وشركات الحراسة حيث لا تتطلّب تلك الوظائف أيّ شهادة جامعية. وحاول الياس مطر من عيلبون تجنيد بعض الشبّان المسيحيين في أوائل الخمسينيّات، ونجح في تجنيد نحو 30 شاباً، وحاول إقناع المطران جاورجيوس حكيم بذلك، إلا أنّ تلك المحاولة ماتت في بداياتها. ولاحقاً، في 2013، عمل الأب جبرائيل الندّاف لإلحاق الشبّان المسيحيين بالجيش الإسرائيلي، فكان مصيره الفشل والمذّلة.

في 1948 كان عدد الدروز 14 ألف شخص يعيشون في قرى معزولة في الجليل الأعلى وجبل الكرمل (عددهم اليوم 154 ألفاً). وكان عدد التلاميذ الدروز في سنة 1948 نحو 980 تلميذاً فقط، وعدد المعلمين لديهم ستّة، وعدد مديري المدارس اثنان، وعدد المعلّمات صفراً (أنظر: حبيب قهوجي. العرب في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي، مركز الأبحاث – منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، 1972، ص 28). وحتى 1983 كان عدد الدروز الحاصلين على شهادة جامعية لا يتجاوز ثلاثة في الألف، وهو المعدّل الأقلّ في إسرائيل (راجع: قيس فرو. دروز في زمن الغفلة، مرجع سابق، ص 328). وكانت وزارة الدفاع الإسرائيلية أصدرت مرسوم تجنيد الشبّان العرب في 9/7/1954، وأرسلت أوامر التجنيد إلى 4520 شابّاً عربياً، فاستجاب منهم 4000 (قيس فرو، المرجع السابق، ص 265 و266). لكنّ تنفيذ التجنيد عُلّق حتى نهاية عام 1955 حين عاد ديفيد بن غوريون إلى رئاسة الحكومة، فعدّل مرسوم التجنيد ليقتصر على الدروز والشركس (قيس فرو، المرجع السابق، ص 266). وفي تلك الفترة كانت أصداء تنكيل أديب الشيشكلي بأبناء جبل العرب تسري بقوة في صفوف دروز فلسطين، واستغلّت السلطات الإسرائيلية المزاج الدرزي العام آنذاك، وتمكّنت من تمرير قانون التجنيد.

عارض قانون التجنيد الشيخ أمين طريف لاعتقاده بأنّ التجنيد يجلب إلى الشبّان الدروز قيماً أخلاقية سيئة، ويلطّخ اسم الدروز في البلاد العربية، ويضعهم في خطوط النار في حروب إسرائيل (قيس فرو، المرجع السابق، ص 269-273). وتخوّف كثيرون من تجنيد بناتهم على غرار اليهوديات، وهدّد طريف بأنّه لن يصادق على عقود زواج الجنود الدروز (قيس فرو، المرجع السابق، ص 269). وعارض قانون التجنيد أيضاً الشيخ فرهود فرهود، علاوة على سلطان باشا الأطرش. وحتى غير المعترضين طالبوا بالخدمة المدنية بدلاً من الخدمة العسكرية. وللدلالة على مدى الاعتراض، فقد استُدعي إلى الخدمة في 1956 نحو 197 شابّاً درزياً من الجليل، فجاء منهم 51 فقط. ومن قرى الكرمل استُدعي 117 فجاء 32 فقط. واليوم، يرفض 54% من المطلوبين إلى الجندية الإلتحاق بالجيش الإسرائيلي.

التحوّل من العمل في الأرض إلى العمل في وظائف الدولة جرّاء انحطاط الزراعة، جعل الدروز وغيرهم يتركّزون في الوظائف التي لا تحتاج شهادات علمية، خصوصاً بعد تسريحهم من الخدمة العسكرية، فيعملون في حراسة منشآت الدولة وفي الشرطة المدنية وفي شرطة السجون وفي حرس الحدود. ومع ذلك، لم تشفع لهم هذه الأمور كلّها في تجنّب مصادرة أراضيهم، إذ صودر 68% منها؛ ففي السنوات الخمس التي أعقبت قيام إسرائيل صادرت الدولة نحو 30 ألف دونم من أراضي الدروز في الجليل. والأرض هي المصدر الأول لرزقهم، وبسبب انحطاط وضعهم الاقتصادي جرّاء مصادرة أراضيهم، اضطر كثيرون منهم إلى التطوّع في الجيش والشرطة وحرس الحدود وخدمة السجون (أنظر: هليل كوهين، العرب الصالحون، ترجمة عصام زكي عراف، مكتبة كل شيء، د.ت.، حيفا، ص 160). وكانت النسبة العامة لمصادرة أراضي العرب 60% (راجع: قيس فرو، المرجع السابق، ص319). ومنذ سنة 1938 كان لدى الوكالة اليهودية خطّةً لنقل دروز فلسطين إلى جبل العرب وضعها إلياهو أبشتاين (إيلات)، وقد فشلت الخطّة جرّاء معارضة الدروز وموقف سلطان باشا الأطرش. وكذلك لم يشفع لهم قتالهم ضدّ الهاغاناه في ردّ الاتهامات عنهم في بعض المجتمعات العربية. لنتذكّر “عصابة الكف الأخضر” التي قادها أحمد طافش من بلدة قَدَس في الجليل، والذي يعود في أصوله الأقدم إلى آل أبو شقرا في الشوف. وقد قاتل أحمد طافش الانتداب البريطاني والأحياء اليهودية في صفد وعكا والقدس، وكان معه فؤاد علامة من لبنان. وفي ثورة 1936 استشهد محمود أبو يحيى في معركة الهوشة والكساير، وحسين البنّا من قرية شارون في قضاء عاليه. وفي سنة 1947 استشهد فواز خفاجة من قرية جباع الشوف. وفي 12/4/1948 خاض المتطوّعون الدروز بقيادة شكيب وهّاب معركتَي هوشة والكساير المشرفتَين على مستعمرتَي كفار آتا ورامات يوحنان، وانتصروا فيهما، بعد أن قدموا ما بين 85 و100 شهيد. وفي معركة رامات يوحنان قُتل زوريك دايان (زوهر) شقيق موشي دايان.

الجريمة المنظّمة

تلك كانت أحوالنا الماضية. فما هي أحوالنا اليوم؟… كان التيار القومي العلماني اليساري هو الأقوى بين فلسطينيي 1948 حتى ثمانينيّات القرن المنصرم. وكانت الأبرز والأقدم تاريخياً هي الجبهة العربية (أو الجبهة الشعبية) التي ظهرت في سنة 1958، وهي تحالف بين الاتجاه القومي العربي الناصري والشيوعيين والمستقلّين. لكن، على خلفية الصراع بين الرئيس جمال عبد الناصر والشيوعيين بعد ثورة عبد الوهاب الشواف في الموصل، واندلاع الخلاف بين القوميين العرب والشيوعيين إبّان حكم عبد الكريم قاسم، انسحب من الجبهة العربية حبيب قهوجي ومنصور كردوش، وأسّسوا في الناصرة في سنة 1959 “أسرة الأرض” التي تحوّلت إلى “حركة الأرض” التي انضم إليها صبري جريس وصالح برانسي. أمّا اليوم فإنّ التيار الإسلامي بات الأعلى صوتاً، والمتقدّم في انتخابات الكنيست. وتعيدنا حادثة بناء مسجد شهاب الدين في الناصرة في سنة 1999، في مواجهة كنيسة البشارة، إلى طريقة تفكير الجماعات الإسلامية التي راحت تتوسّع، ليس في أراضي 1948 وحدها، بل في الضفة الغربية أيضاً؛ فقد أرادت بعض تلك المجموعات تغيير اسم ساحة المهد في بيت لحم إلى ساحة عُمر. وظهرت آنذاك نكتةً تقول إنّهم يريدون أيضاً تغيير إسم مدينة البيرة إلى زمزم.

ومع ذلك، أخطر ما يواجهه المجتمع العربي في أراضي 1948 هو الجريمة المتفاقمة، فمنذ عام 2000 حتى 2023 قُتل نحو 1652 عربياً. وتوزّعت تلك الجرائم على قضايا الخوة والتهريب والاحتيال المالي والمخدّرات، وبعضها ينضوي في سياق جرائم اللاشرف. وقد وصل عدد الجرائم في الوسط العربي إلى 252 جريمة في سنة 2025، ما يجعل المجتمع العربي في المركز الثالث بعد كولومبيا والمكسيك في عدد جرائم القتل لكل مئة ألف مواطن. وللعلم فإن عدد قطع السلاح الموجودة في الوسط العربي يبلغ نحو 500 ألف قطعة من دون ترخيص. وتجري جميع هذه الأمور تحت أبصار “الشاباك”، الأمر الذي يزيد نسيج المجتمع العربي هلهلة وتهتكاً، ويعيق تطور حركة وطنية فلسطينية قوية وفاعلة ومتصادمة مع الدولة الصهيونية. وقد أسهمت الدولة الإسرائيلية عامدة متعمّدة في إغراق المجتمع العربي في مستنفع الجريمة المنظمة من خلال غضّ النظر عن عمليات تهريب الأسلحة والتساهل مع المجرمين وعدم ملاحقتهم، وعدم تقديم لوائح اتهام بحقّ المجرمين. وبهذا المعنى، تكون إسرائيل قد عملت على إضعاف الحصانة الاجتماعية لعرب 1948 من خلال الجريمة، الأمر الذي أخرج ألوف الفلسطينيين من بيوتهم في تظاهراتٍ احتجاجيةٍ عارمةٍ على هذه الحال، في سخنين وباقة الغربية (22/1/2026) وفي تل أبيب (31/1/2026).

 

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى