زياد أبو زياد يكتب – أطفالنا الذين يسقطون بالرصاص ومسؤليتنا في حقن دمائهم !

بقلم المحامي زياد أبو زياد * – 29/9/2019
في خلال أقل من شهر قدمت بلدتي العيزرية ثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم بين 12 -16 عاملا أحدهم شهيد والثاني ما زال يصارع الموت في غرفة الإنعاش والثالث أصيب بجروح بسيطة وهو رهن الاعتقال والمحاكمة ولم يبلغ الثالثة عشرة بعد وقد قام بما قام به بعد أسابيع من الهجوم الأول ولكنه ولصغر عمره وحجمه لم يستطع الوصول للمجندة التي قيل أنه حاول طعنها وسقط مصابا بجروح طفيفة!.
قمت بواجب العزاء لأسرة الشهيد إبن بلدتي الذي استشهد في الحادثة الأولى وكان العزاء بمثابة عرس أو مهرجان وطني ، ولكنه لم يقتصر على العلم الفلسطيني فحسب وإنما انتشرت وبكثافة ملحوظة أعلام الفصيل الذي تبنى ذلك الشهيد الطفل ، وضج بمكبرات الصوت التي كانت تنقل خطابات بعض المعزين أو الأناشيد والكلمات الحماسية التي كانت تتدفق من حنجرة عريف الحفل ملهبة المشاعر والعواطف.
كان هذا الشهيد الطفل الذي لم يتجاوز الرابعة عشرة قد سقط على إحدى بوابات المسجد الأقصى بينما أصيب رفيقه بجراح بالغة عندما حاولا طعن أحد رجال الشرطة عند بوابة المسجد. ولقد تداولت وسائل التواصل الاجتماعي فيديو يظهر العملية بكل وضوح حيث بدا طفلان في حجم العصافير يهاجمان الجنود المدججين بالسلاح المرتدين الدروع الواقية ولم يكن هناك أي تكافؤ في القوة أو المواجهة بين طفلين من السهل جدا السيطرة عليهما بعصا أو بكعب البندقية وبين هؤلاء الجنود المحترفين المدربين المؤهلين للقتال ولكنهم لم يحاولوا اعتقالهم بل ردوا بوابل من الرصاص وحسمت المواجهة خلال ثوان.
الملاحظة الأولى هي أن الطفل الشهيد قتل بدم بارد دون أن يشكل خطرا حقيقيا على أحد وكان بالإمكان وبكل بساطة السيطرة عليه واعتقاله. وهنا لا بد من تحميل السياسة الاسرائيلية مسؤولية ارتكاب هذا القتل لأنه لا يوجد قانون أو عرف يسمح بالقتل إلا إذا كان هناك خطر حقيقي على حياة من قام بالدفاع عن نفسه. وفي الحالة التي أمامنا لا يوجد خطر يبرر الإدعاء بالدفاع عن النفس. ولكن وللأسف الشديد هناك قرار إسرائيلي بتنفيذ أعمال الإعدام الميداني ضد الفلسطينيين وتجنب اعتقالهم. وهذا الشاب هو ضحية لهذه السياسة التي هي بمثابة جريمة حرب وفق كل المعايير.
وإذ أدين هذا القتل غير المبرر إلا أنه لا بد من أن نسأل أنفسنا عن مسؤوليتنا عما يجعل أطفال بهذا العمر يقومون بأعمال يعرفون مسبقا أنهم لن يخرجوا منها أحياء. والجواب متعدد الجوانب التي من بينها جوانب شخصية تتعلق بالطفل نفسه الذي يقوم بهذا العمل وأخرى اجتماعية تتعلق بعائلته وثالثة تتعلق بعوامل خارجية.
الذي شاهد المسيرات والملثمين والمقنعين والاحتفالات التي سبقت أو واكبت تشييع جثمان الطفل الشهيد الذي سقط على أبواب الأقصى يستطيع أن يتخيل أن كثيرا ً من الأطفال الذين شهدوا هذه المسيرات والاحتفالات والتمجيد والألقاب التي أطلقت عليه ربما تمنوا في أنفسهم لو كانوا مكانه. كيف لا وهاهم يصفونه بأنه هو البطل والقائد والمعلم بل والجنرال ! ألا يتمنى كل طفل أن يُقال عنه أنه بطل وقائد وجنرال وأن تكون له جنازة بمثابة مسيرة احتفالية ضخمة تُشكل أضخم رد اعتبار لأي إنسان !
أطفالنا يتعرضون للقهر والظلم والإهانة اليومية سواء في البيت أو المدرسة أو الشارع أو الحواجز أو غيرها وهؤلاء يبحثون عن فرصة لرد الاعتبار. أليس مثل هذه الاحتفالات والمبالغات الكبيرة في التكريم هي أفضل وسيلة لرد الاعتبار لطفل يبحث عن ذاته ؟!
نحن مسؤولون عن سلامة وكرامة وأمن أطفالنا وعلينا أولاً وقبل كل شيء أن نمنحهم الحب والاحترام والتكريم وهم أحياء بيننا لكي لا يحاولوا البحث عنها وهم أموات.
كل أب وأم وأخ واخت مسؤول عمن حوله بأن يعامله بحب واحترام ويشعره بكيانه ووجوده ويُفهمه بأن حقه في الحياة الكريمة معترف به ومحفوظ.
وعلى كل أب وأم أن يحيط أطفاله بالعناية والرعاية المطلوبة وأن يتابعه ويبقيه في دائرة المراقبة والإرشاد لكي لا تضل به الطريق أو يُضلل به.
المقاومة ضد الاحتلال هي حق مشروع لكل شعب تحت الاحتلال وهي مكفولة في ميثاق الأمم المتحدة ولكن المقاومة ليست عملا فرديا فالتا من العقال ولا هي قرار لفئة أو فصيل وإنما هي استراتيجية وطنية تخضع لقرار وطني واحد ويتم الإلتزم به تحت قيادة واحدة ، وتتخذ المقاومة الشكل الذي تقرره القيادة وفق المصلحة الوطنية في كل مرحلة.
ولكننا وللأسف الشديد ضللنا الطريق منذ أن قبلت القيادة الفلسطينية الدخول في المسار التفاوضي ووجدت الفصائل التي كانت تدعي أنها فصائل يسار وممانعة نفسها في تناقض مع نفسها فسارت في المسار التفاوضي ولكنها ظلت تزاود عليه وكانت النتيجة أن تخلت هذه الفصائل عن المقاومة كإستراتيجية وأعطت نفسها في نفس الوقت ترف الاحتفال بمبادرات فردية تتبناها وتزاود بها وتعيش على أمجادها.
وأتساءل : هل أعمال المقاومة الفردية ستؤدي الى تحقيق الهدف الوطني في التحرر أم أنها ستظل تضحيات بلا ثمن تُذكرنا بأن الاحتلال ما زال يجثم على صدورنا ولكنها لا تسهم بزحزحته عن صدورنا قيد أنملة.
ولكي ننقذ أرواح أطفالنا فإن علينا وقبل كل شيء أن نتصدى لكل محاولات التغرير بأطفالنا أو إغوائهم للقيام بما يقومون به وتوعيتهم بأن المقاومة هي خيار وطني يتم بموجب قرار وطني وتحت قيادة واحدة تقول للناس بكل جرأة ووضوح أي شكل من أشكال المقاومة ترتأي في كل مرحلة من مراحل مسيرة التحرر.
وعلى القيادة الفلسطينية ممثلة بقيادة م ت ف وقادة جميع الفصائل الوطنية والإسلامية أن تتحلى بالجرأة والشجاعة وأن تقول بكل حسم ووضوح بأن دماء أطفالنا خط أحمر ، وأن توضح للجميع رفضها للمبادرات الفردية التي تعبث بحياة ودماء الأطفال ، وأن تقرر ما هو شكل المقاومة الذي تريده وأن يكون ذلك في إطار وطني موحد.
وعلى الذين يرقصون لموت الأطفال أن يكفوا عن ذلك لأن الرقص والبهرجة لكل طفل يسقط شهيدا أو جريحا أصبحت تُشكل حافزا وملهما لطفل آخر ليلحق به بحثا عن رد الاعتبار .
فاتقوا الله في الأطفال. اتقوا الله فيهم فهم لا يدركون ما يفعلون وهم قاصرون وهم أبرياء فلا تبحثوا عن الأمجاد على حساب طفولتهم البريئة ودمائهم الزكية.
أقول قولي هذا وحسبي الله ونعم الوكيل.
abuzayyadz@gmail.com



