رفيق خوري: حروب “الشرق الجديد” فوق الجسر القديم

رفيق خوري 11-3-2026: حروب “الشرق الجديد” فوق الجسر القديم
في كتاب “استراتيجية إيران الكبرى: تاريخ سياسي” يروي المؤلف ولي نصر أن المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي الذي “يکره أميركا بعمق” قال خلال اجتماع لمجلس الأمن القومي، “أميركا تشبه الكلب، إذا هربت منه يهاجمك، وإذا نهرته يهرب”. لكن الولايات المتحدة التي ولدت بحرب الاستقلال ضد بريطانيا وأعادت توحيد الشمال والجنوب أثناء الحرب الأهلية خاضت مختارة كل أنواع الحروب بما فيها حربان عالميتان، وحربان في العراق وحده، فضلاً عن حرب فيتنام وحرب أفغانستان. والرئيس دونالد ترمب الذي خرج على التقليد الأميركي حول الاكتفاء بدعم إسرائيل وحروبها قرر مع بنيامين نتنياهو خوض حرب مشتركة على إيران سمتها إسرائيل “زئير الأسد” وأميركا “الغضب الملحمي”، وكان افتتاحها اغتيال خامنئي وعدد من المسؤولين العسكريين والأمنيين.
حرب بلا حدود لها هدف محدد هو إسقاط النظام بالنسبة إلى واشنطن وتل أبيب، ردت عليها طهران بلا خطوط حمر. وإذا كان في أميركا من يقول إن إدارة ترمب أخطأت، بحسب “نيويورك تايمز” بقتل مرشحين للانقلاب على النظام، فإن جمهورية الملالي بدأت الرد بـ”غلطة استراتيجية” هي تركيز القصف على دول الخليج، والحجة هي القصف على القواعد الأميركية، في حين أن الاستهداف طاول المطارات والأعيان المدنية والمنشآت النفطية وسواها، ضمن استراتيجية توسيع الميدان وتكبير كلفة الحرب، كذلك كشفت الاعتداءات عن الحقد الإيراني الدفين على العرب. وليس اعتذار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من هذه الدول سوى محاولة بائسة لتجميل القبيح بعد ادعاء مسؤولين آخرين أن القصف جاء من أميركا وإسرائيل.
ولا أحد يعرف إلى متى تستطيع إيران الصمود في وجه آلة حربية هائلة ومتفوقة، وإن بدت قادرة على إطلاق الصواريخ، فهي تراهن على الوقت وقطع مضيق هرمز على مرور 20 مليون برميل نفط يومياً إلى العالم وتوسيع القصف لدفع دول الخليج وتركيا ومصر إلى مطالبة أميركا بوقف الحرب بعدما سعت هذه الدول حتى اللحظة الأخيرة إلى الحؤول دون وقوع الحرب. وليس قليلاً عدد الذين يراهنون في أميركا وخارجها على ضغوط الأوضاع الداخلية لدفع ترمب إلى تغيير موقفه كالعادة. فالإدارات السابقة حددت هدفها دائماً بتغيير سلوك إيران لا نظامها، وطهران كانت ولا تزال تعتبر أن تغيير السلوك هو عملياً تغيير النظام الذي لا حياة له من دون البرنامج النووي والصاروخي و”تصدير الثورة” وتأسيس الأذرع المسلحة في العالم العربي التي هي من “أسس بقائه” ودوره بحسب الإمام الخميني.
وترمب كان، ولعله لا يزال، يتأرجح بين تغيير السلوك وتغيير النظام، فخلال الولاية الأولى اكتفى بالخروج من الاتفاق النووي الذي عمل له الرئيس باراك أوباما. ويروي مستشار الأمن القومي جون بولتون في مذكراته تحت عنوان “الغرفة” أن ترمب سأله، “كيف نعاقب بلداً يبعد سبعة آلاف ميل منا؟”، فرد بولتون بالقول “لأنهم يبنون أسلحة نووية وصواريخ قادرة على أن تقتل أميركيين”. فقال ترمب “نقطة مهمة، وأنا أخبرت نتنياهو أنني سأدعمه إذا استخدم القوة ضد ايران”.
أما خلال الولاية الثانية، فإن عملية “طوفان الأقصى” فتحت أمام إسرائيل فرصة لتدمير غزة وضرب حركة “حماس”، وضرب “حزب الله” بعدما بدأ “حرب الإسناد” لغزة، ثم ضرب إيران حيث قصف ترمب المنشآت النووية في يونيو (حزيران) عام 2025. والفرصة المفتوحة كبرت أمام ترمب وصولاً إلى حرب شاملة على جمهورية الملالي، حيث رأى في وقف حرب غزة بداية لسلام شامل في الشرق الأوسط يسمح بإعادة تشكيل المنطقة.
وبعدما قصف الحوثيين وساعدت تركيا وأميركا “جبهة تحرير الشام” بقيادة أحمد الشرع في إسقاط النظام السوري، ووقف حرب لبنان وبدء التشدد ضد النفوذ الإيراني في العراق ورفض ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء، بقيت العقبة الكبيرة أمام “سلام ترمب” نظام الملالي، لا فقط لأنه يعرقل إعادة تشكيل المنطقة على الطريقة الأميركية، بل أيضاً لأنه كان ولا يزال يعمل على إقامة “شرق أوسط إسلامي بقيادة الولي الفقيه” ضد الأكثرية في المنطقة، وبالطبع ضد أميركا وإسرائيل. ولا مجال لإعادة تشكيل سلام على البارد بل على الحامي.
وقبل الحرب استعار ترمب من الرئيس رونالد ريغان الذي استعار من سواه الذين استعاروا بدورهم من الإمبراطور الروماني هادريان شعار “السلام من موقع القوة”. والحروب، كما قال الدكتور ويليام كوانت ضمن كتاب عن أميركا والشرق الأوسط، “قامت بدور عظيم في تشكيل الشرق الأوسط الحديث”، ذلك أن الشرق الأوسط بتركيبته الحالية ولد على أيدي المنتصرين في الحرب العالمية الأولى على السلطنة العثمانية، ونالت دوله استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية، وبعضها بعد حرب السويس.
وهو اليوم في نظر ترمب شرق أوسط قديم بحاجة إلى تجديد، وهذا ما سبق في الدعوة إليه بعد حرب “عاصفة الصحراء” شيمون بيريز في كتاب “الشرق الأوسط الجديد”، إذ قسم العمل فيه بالتكامل بين “العقل الإسرائيلي والمال الخليجي والعمالة العربية الرخيصة”. وبعد عام 2006 بين إسرائيل و”حزب الله” تحدثت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس عن “الشرق الأوسط الواسع”، وكلها مشاريع تحت نار الحروب التي يمكن أن تسمى “حروب السلام”.
ويدعي ترمب بعد حرب الـ 12 يوماً على إيران أنه لولا القنابل التي ألقيت على طهران لما كان هناك سلام في غزة.
والحرب على إيران لا تزال في البداية، فهي، بحسب روبرت ساتلوف، حرب “على طريقة لائحة الطعام الصينية، أطباق متعددة تأتي وراء بعضها بعضاً”. وهي من النوع الذي لا ينتهي بما يُسمی “ربط نزاع” في إطار ترتيب موقت من دون حل، فالعالم دخل في مرحلة “الحروب الكلية”. وأميركا أكدت في حروب فيتنام وأفغانستان والعراق خطأ الانطباع السائد أنها لا تستطيع الاستمرار في حرب طويلة ومكلفة، وإن كان ترمب يميل إلى حروب خاطفة سريعة بحسب استراتيجية “الصدمة والرعب”.
لكن النظام بدا متماسكاً، إذ سارع مجلس خبراء القيادة إلى انتخاب خيار الحرس الثوري مجتبي خامنئي نجل المرشد المغتال خلافاً لقول الإمام الخميني “الملكية ليست إسلامية”.
وما أكثر الصدمات والرعب في إيران والمنطقة.



