أقلام وأراء

رفيق خوري: حرب أكبر من أهدافها والقوة أصغر منها

رفيق خوري 18-3-2026: حرب أكبر من أهدافها والقوة أصغر منها

الحروب أشد تعقيداً من السياسة، ولو أن “الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى”، بحسب كلاوزفيتز، وما أكدته الوقائع والتجارب منذ القوس والنشاب حتى الصاروخ، أن الحرب بعد أن تبدأ هي التي تقود من يقودها، فالحسابات التي على أساسها تبدأ الحرب تصطدم بحقائق ومفاجآت تجعل حسابات النهاية مختلفة، وحين تطول الحرب تتبدل أهدافها لدى الطرفين”، كما تقول المؤرخة الكندية مارغريت ماكميلان.

وما ظهر حتى الآن في الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران هو أن الحرب صارت أكبر من أهدافها المعلنة، وأن ما تفعله القوة العسكرية الهائلة أصغر منها، وإذا كان الرئيس دونالد ترمب يكرر القول إنه هو من يقرر متى تنتهي الحرب، فإن قادة الحرس الثوري يردون بأن من بدأ الحرب ليس من ينهيها، وأن طهران هي التي تقرر النهاية.

لكن الوقائع في الميدان توحي بأن النهاية التي ستصل إليها الحرب لن تكون بحسب السيناريو الأميركي ولا بحسب السيناريو الإسرائيلي ولا بحسب السيناريو الإيراني، ولا يبدل في الأمر تصوير الحرب بأنها وجودية، فأميركا تخسر إذا لم تربح كل شيء، وكذلك إسرائيل، والجمهورية الإسلامية تربح إذا بقي النظام ولو خسر كثيراً.

في بدايات الثورة الإسلامية في إيران أثار عدد من الخبراء مع الإمام الخميني الوضع الاقتصادي الصعب والغلاء، فقال لهم “هذه الثورة ليست من أجل سعر البطيخ”، وفي الأسبوع الثاني من الحرب الحالية، حين ارتفع الصراخ في أميركا والعالم من صعود سعر النفط وتأثيره في الاقتصاد، قال ترمب “إن منع إمبراطورية شريرة هي إيران من الحصول على أسلحة نووية وتدمير الشرق الأوسط والعالم بأسره أهم بالنسبة إليّ من السيطرة على أسواق النفط”.

لكن الخميني الذي قال للخبراء إنه “لا يهتم بالاقتصاد إلا الحمار”، اكتشف هو وخليفته أن ضعف الاقتصاد هو “عقب آخيل” جمهورية الملالي المسنودة بأيديولوجيا دينية وولاء مطلق للولي الفقيه وآلاف الصواريخ وملايين الجيش والباسوران والباسيج، وترمب يواجه بسبب سعر النفط ضغوطاً اقتصادية في أميركا والعالم لإنهاء الحرب، فضلاً عن خوفه من فقدان الحزب الجمهوري السيطرة على الكونغرس بمجلسيه الشيوخ والنواب، ذلك أن سياسة “الضرب على الجيوب” التي استخدمتها أميركا قبل ترمب ومعه كسلاح ضد إيران عبر عقوبات اقتصادية شديدة، تبدو اليوم سلاحاً في يد طهران ضد أميركا وإسرائيل وحلفائهما عبر إغلاق مضيق هرمز الذي يمر فيه يومياً 20 مليون برميل من النفط، وهو سلاح أقوى من الصواريخ والمسيّرات التي أحدثت ثورة في الإستراتيجيات العسكرية وإدارة الحروب، وأعطت الدول المتوسطة والصغيرة وحتى الميليشيات والفصائل “غير الدولتية” سلاحاً لمواجهة الدول الكبرى والدول القوية في الحروب اللاتماثلية.

وإذا كان هيغل اعتبر أن “التاريخ هو ظل الإنسان على الجغرافيا”، فإن الصواريخ والمسيّرات دفعت كثيرين إلى الحديث عن “نهاية الجغرافيا”، فالحوثيون في صنعاء تمكنوا بالصواريخ والمسيّرات من إغلاق باب المندب والبحر الأحمر على رغم القوة البحرية الأوروبية والأميركية، وهم قوة صغيرة مرتبطة بإيران، وصواريخ “حزب الله” ومسيّراته في لبنان ألحقت كثيراً من الأذى بإسرائيل التي قامت بثلاث حروب عليه منذ عام 2006 من دون القضاء على كل أسلحته، والأكثر من ذلك أن الصواريخ الاعتراضية التي تملكها دول الخليج تمكنت من إسقاط معظم الصواريخ والمسيّرات التي أمطرت بها إيران جيرانها الذين بذلوا كل الجهود الممكنة للحؤول دون بدء الحرب على طهران، وهنا كانت الجغرافيا حاضرة بما جعل الحديث عن “نهاية الجغرافيا” مسألة نظرية أكثر مما هي واقعية تماماً، كما هي حال “نهاية التاريخ” التي نظر إليها فرنسيس فوكوياما ثم تراجع عنها، فلا مهرب أمام ناقلات النفط من مضيق هرمز، ولا قدرة على فتحه إذا قررت طهران إغلاقه على رغم أسلحة أميركا وتفوقها وقدرتها على قصف الصواريخ والمسّيرات وأماكن صنعها وتخزينها.

الوسيلة الوحيدة لعبور السفن والناقلات هي إما إسقاط نظام الملالي أو التوصل إلى صفقة معه، فالقصف الأميركي للمراكز العسكرية في جزيرة خرج من دون ضرب البنية التحتية والمنشآت النفطية كان رسالة موجزها أن الخيار أمام الملالي هو إما فتح مضيق هرمز أو تحمل تدمير المنشآت التي تصدر منها طهران معظم نفطها، أي خرج في مقابل هرمز، ولا أحد يعرف إن كانت هذه المعادلة ستنجح، لكن الحرس الثوري يهدد بضرب كل منشآت النفط في الخليج في حال أقدمت أميركا على تدمير المنشآت الإيرانية في خرج، والكل يعرف خطورة أن تدور الحرب بين منشآت النفط ومجمعات إنتاج الغاز وتصديره على جغرافيا إيران والخليج، ولعل المتخصص الإستراتيجي والبروفيسور الفخري لدراسات الحرب في كلية الملك في لندن لورنس فريدمان يطرح على نفسه سؤالاً مهماً، لماذا لم تعد هناك إستراتيجية عسكرية تقدم النصر؟ قبل أن يجيب في مقالة نشرتها “فورين أفيرز” تحت عنوان “عصر الحروب الدائمة” بالقول إن حروب هذا العقد هي حروب مستمرة من نموذج أوكرانيا إلى نموذج غزة، وما أصبح من الواقعي الآن هو التخطيط لحروب ليست لها نهاية واضحة، لأن الصراعات المعاصرة لا تنتهي أبداً بانتصار سريع، وتلك هي المسألة والمشكلة في الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران وملحقها اللبناني في حرب إسرائيل و”حزب الله”، حيث الجغرافيا القريبة.

 

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى