رفيق خوري: الخوف من الرابحين والخوف على الخاسرين

رفيق خوري 25-3-2026: الخوف من الرابحين والخوف على الخاسرين
حرب إیران مثل صواريخها: متعددة الرؤوس وعنقودية. لا هي تدور فقط بين طرفيها الأميركي والإسرائيلي من جهة والإيراني من جهة أخرى، على رغم استياء الرئيس دونالد ترمب من “الجبناء” في أوروبا و”الناتو”، ولا من النفي الروسي والصيني لتقديم أية معلومات أو مساعدات إلى إيران، ولا تأثيرها يقتصر على جغرافية الحرب، لأن شظاياها السياسية والاقتصادية تنتشر في المنطقة والعالم، ولا المفكرون الإيرانيون المعارضون للنظام في الخارج يؤيدون الحرب أو يرون فيها سوى ما يضر بالشعب الإيراني، بصرف النظر عن النظام، فالدكتور حميد دباشي أستاذ الدراسات الإيرانية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا ومؤلف کتاب “إيران بلا حدود”، يرى أن هدف أميركا وإسرائيل “ليس تحرير الإيرانيين بل إجبارهم على الخضوع المطلق”، كذلك “تعطيل الانفتاح على الثقافة العالمية” بفعل القمع وإغلاق عقل النظام “يعزز النزعات الانفصالية”.
والمفكر عبدالكريم سروش يقول “إن أخطر ما يهدد المجتمع الإيراني ليس الحرب من الخارج، بل قمع المستبدين في الداخل للأصوات”، وهو يدعو المرشد إلى فتح البلاد للنقد العلني وربط “الحرية والمساءلة والعدالة”. والمفارقات ترافق الحرب، فليس هناك حرب يخرج منها الطرفان منتصرين، لكن ترمب يدعي أنه انتصر ومحا إيران من “على الخارطة” ونتنياهو يعلن الانتصار، والحرس الثوري يسجل انتصاره. ترمب يطلب من طهران إعلان “الاستسلام التام” والبيان الصادر عن المرشد الجديد مجتبى خامنئي المصاب الذي لم يظهر بعد، يطلب من أميرکا إعلان “الهزيمة الكاملة” وطلب “العفو” ودفع التعويضات. والبخار الذي يصعد عادة في رأس ترمب صاحب المبالغات المضحكة، يصعد بصورة كثيفة جداً في رأس نتنياهو الذي اعتبر أن إسرائيل “الدولة العظمى الإقليمية”، صارت “دولة عظمى دولية” إلى جانب أميرکا. أميركا وإسرائيل تقولان إن سماء إيران صارت مفتوحة أمام طائراتهما، والحرس الثوري يقول إن سماء إسرائيل صارت حرة أمامه، لكن التدمير الأميركي لكل شيء في إيران مستمر، والصواريخ الإيرانية تسقط بغزارة على إسرائيل ودول الخليج.
وليس هناك بالطبع حرب يخسرها الطرفان، لكن دولاً وقوى عدة في المنطقة والعالم تتمنى أن يخسر الطرفان، لماذا؟ لأن انتصاراً أميركياً بيد ترمب ينقل أميركا في التصرف مع العالم من “دولة لا يستغنى عنها”، كما كانت تقول وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت، إلى “دولة لا تطاق”، حسب تعبير أحد ناقدي ترمب. وأي انتصار إسرائيلي يعزز ادعاء نتنياهو أنه “أعاد تشكيل الشرق الأوسط”، ويفتح المنطقة كلها أمام التجاوزات الإسرائيلية ضمن الهيمنة الأميركية وبمقدار ما يسمح ترمب. وأي انتصار إيراني يجعل السيطرة على الشرق الأوسط في اليد، ويعيد تقوية الفصائل والأذرع المكسورة في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، ويترك المنطقة في حال حرب مستمرة، أما خسارة إسرائيل فإنها تقوي الرهانات العربية والأوروبية على إقامة دولة فلسطينية وتحرر دمشق وبيروت من مخططات “المنافق العازلة” في جنوب لبنان وجنوب سوريا، وتخفف الضغط الأميركي على الخليج لتوسيع “اتفاقات أبراهام”، أما أميركا القوة العظمى فإنها تستطيع تعويض خسارتها كما فعلت بعد هزيمة فيتنام وأفغانستان، أما خسارة إيران فإنها بداية فوضى لا نهاية لها.
والمعادلة الظاهرة في العالم العربي وتركيا هي الخوف من إيران والخوف عليها. الخوف منها هو من قوتها وقدرتها على مضاعفتها وإصرارها على مشروع “إيران الكبرى” على حساب العرب في الدرجة الأولى والطموحات التركية إلى مشروع “تركيا العظمى” في الدرجة الثانية، فضلاً عن التحسب لأخطار “الدولة الدينية” المذهبية على النسيج الاجتماعي في المنطقة في القرن الـ21. والخوف عليها هو من ثلاثة أمور، أولها تفتت الدولة المركزية التي يحكمها الفرس إلى دويلات ومجموعات کردية وبلوشية وأذرية وعربية تشكل نحو نصف السكان بحيث تعم الصراعات وتنتقل إلى الجوار. وثانيها ألا تبقى في وجه مشروع “إسرائيل الكبرى” قوة سوى القوة التركية المكبلة بقيود عضويتها في “الناتو”، وبقية القوى العربية خارج السلام والاتفاقات مع الدولة العبرية. وثالثها أن تتكاثر الأيدي التي تستطيع أن تستخدم مضيق هرمز سلاحاً سياسياً لا مجرد سلاح اقتصادي، وباباً لابتزاز الدول المنتجة للنفط والغاز والدول المستوردة والمستهلكة.
وما تأكد، حتى الآن، هو فشل الرغبة الأميركية من أيام أوباما في تخفيف التزامات الإدارة في الشرق الأوسط للتركيز على الشرق الأقصى و”الصراع والتنافس والتعاون” مع الصين. فالشرق الأوسط فرض نفسه على ترمب الذي انخرط في حرب غزة ووقفها والطموح إلى سلام شامل في المنطقة تديره واشنطن عبر “مجلس السلام”. وحرب إیران دفعت أميرکا إلى سحب أصول وقوات لها من الشرق الأقصى إلى الشرق الأوسط. وإذا كانت “الثروة والقوة” في الشرق الأقصى حسب الاستراتيجيات الأميركية، فإن اللعبة المؤثرة هي في الشرق الأوسط، حيث إسرائيل والنفط والغاز والرساميل الجاهزة للاستثمار في السوق الأميركية.
وليس أخطر من حرب إيران سوى أن تتوقف في منتصفها، وهذا ما يراهن عليه البعض من خلال ملل ترمب والضغوط الداخلية عليه في عام الانتخابات النصفية في الكونغرس، لكن الواضح أن الطرفين وصلا إلى نقطة اللاعودة منذ الأسبوع الأول، وكل منهما مقامر لم يبق أمامه سوى “الصولد” يلعبه قبل كشف الأوراق.


