رفيق خوري: التغيير حدث ولو تعثر التنفيذ

رفيق خوري 13-3-2026: التغيير حدث ولو تعثر التنفيذ
لبنان والمنطقة عالقان في لعبة الأمم التي دخلت مرحلة جديدة لا أحد يعرف صورة الخروج منها. لعبة حروب في حرب واحدة لا تراجع فيها. لا من جانب أميرکا وإسرائيل، ولا من جانب إيران وأذرعها. ولا هي أية حرب، بل “حرب وجود” بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية، وحرب “تغيير الشرق الأوسط” في حسابات الرئيس دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو. إيران وضعت، بالقصف الصاروخي، دول الخليج في ميدان لم ترده. و “حزب الله” أخذ لبنان، دفاعًا عن إيران، إلى محرقة إسرائيلية. والباقون على الهامش بمن فيهم روسيا والصين وأوروبا، حيث الدور على المسرح لأميركا.
ذلك أن الدعوات والمساعي المبذولة لوقف الحرب بدت كأنها تمارين في العبث. فالمحاولات الفرنسية وسواها لوقف النار في لبنان اصطدمت بما طلبته واشنطن لتجنيب بيروت الحرب، وما تطلبه إسرائيل تحت النار: تسليم “حزب الله” سلاحه في كل المناطق بالتفاهم أو بقوة الشرعية والجيش. وهذا ما لم يحدث عبر رفض “الحزب” التفاهم على تطبيق قرارات مجلس الوزراء، وإصراره على الاحتفاظ بالسلاح كأنه “ضمان للوجود” ومعاودة استخدامه ولو في “معركة كربلائية” مع عدو متفوق ومتوحش. وما يطلبه ترامب من طهران لوقف الحرب هو “الاستسلام بلا شروط”، أي تحقيق ما يطلب الحصول عليه بالحرب. وهذا ليس واردًا حتى بعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي.
وما حدث حتى اليوم هو أن نيران الحرب الأميركية والإسرائيلية والمواجهة الإيرانية لها خارج ميدانها الإسرائيلي والأميركي، طاولت 15 دولة في المنطقة. ومن الصعب، ولو نجا نظام الملالي من السقوط بقوة ترامب ونتنياهو والانتفاضة الداخلية المفترضة في واشنطن وتل أبيب وعواصم أخرى، أن تعود طهران إلى ما كان لها من علاقات مع دول الخليج، ومن مفاوضات مع أميركا، ومن “شراكات استراتيجية” مع كل من روسيا والصين.
والأصعب هو أن يعود “حزب الله” إلى ما كان عليه، ولو استمرت البيئة الحاضنة له في موقعها، على الرغم من عجزه عن حمايتها ومنع تهجيرها، وبصرف النظر تدمير ما بقي من صواريخه بالحرب. فلا العودة إلى اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 لوقف الأعمال العدائية باتت ممكنة بعدما تجاوزها هو وإسرائيل بالقتال. ولا هناك حتى فرصة للعودة إلى ما كان عليه الوضع بعد حرب عام 2006 وحديث “النصر الإلهي”. فما تغير في لبنان الرسمي والشعبي كثير. وما تدور عليه حرب إیران وفروعها هو تغيير مرشح لأن يطوي مرحلة من مشروع إقليمي تمكنت الجمهورية الإسلامية من مده في المنطقة والمفاخرة بحكم “أربع عواصم عربية”.
أكثر من ذلك، فإن ما قرره مجلس الوزراء بالنسبة إلى حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة، وحظر النشاطات العسكرية والأمنية ل “حزب الله” ليس حبرًا على ورق، ولو تعثر أو تأخر تنفيذه. ففي “حرب الإسناد” لغزة عام 2023 كانت الجمهورية بلا رئيس والحكومة حكومة “الحزب” وحلفائه، ومع ذلك وافق على اتفاق المضطر لتوكيل “الأخ الأكبر” الرئيس نبيه بري الذي رتب الاتفاق برعاية أميركا وفرنسا. وللجمهورية اليوم رئيس مع رئيس حكومة تمثل أكثرية ضد مغامرات “الحزب” العسكرية وضد حيازة السلاح، لا فقط استخدامه. ولا مجال للاستمرار في مواجهة أكثرية شعبية ورسمية وتحدي قوة الشرعية، حيث “الحزب” بلا حلفاء. ومن المخيف والمؤسف أن يذهب مختاراً إلى حرب مع إسرائيل يعرف ما ستفعله به وبسلاحه وبارتباطه مع الحرس الثوري، بدل التفاهم مع الدولة على ضمان المصلحة الوطنية العليا.
و “إذا كنت تستطيع حل عقدة بإصابعك فلماذا تفكها بأسنانك” کما يقول مثل إیراني.



