أقلام وأراء

رفيق خوري: أهداف واحدة في الحرب والتفاوض

رفيق خوري 4-2-2026: أهداف واحدة في الحرب والتفاوض

ليس في اللعبة بين أميركا وإيران خيارات قليلة التعقيد. لا في صدام المشاريع. ولا في قرارات الرجال. ولا بالنسبة إلى جغرافيا البلدان المتأثرة بالخيارات. خيار الرئيس دونالد ترمب كثير الأخطار، وإن بدا متعدد الفرص. وخيار المرشد الأعلى علي خامنئي صعب، وإن كان مسألة وجودية. ولا خيار لدى المتأثرين بالقرارات سوى السعي لتفادي حرب مدمرة وتسهيل التفاوض على صفقة.

والحسابات واضحة: إذا أراد ترمب توجيه ضربات متتالية للوصول إلى القول في الشطرنج الجيوسياسي والاستراتيجي “كش ملك”، فإن على مستشاريه لفت نظره إلى “أوهام الحروب القصيرة السريعة” التي كتب عنها في “فورين أفيرز” المحلل الاستراتيجي البريطاني البروفسور الفخري لدراسات الحرب في كلية الملك في لندن لورنس فريدمان. فالواقعي اليوم، في رأيه وبحسب خبرته، هو “التخطيط لحروب ليس لها نهاية واضحة” لأن الصراعات المعاصرة “لا تنتهي أبداً بانتصار سريع”. والمثال العملي أمام الجميع: الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سمى غزوه لأوكرانيا “عملية عسكرية خاصة” ليجد نفسه في حرب تقترب من نهاية عامها الرابع من دون القدرة على احتلال كل منطقة دونباس.

وإذا كان المرشد الأعلى علي خامنئي يستعد للرد على الضربة الأميركية بحرب واسعة ويعطي فرصة للتفاوض مع “الشيطان الأكبر” ولكن في نطاق ضيق، فلا شيء مضموناً في هذه اللعبة. والخيار الأميركي يكون محدداً أو لا يكون: إما حرب كبيرة، وإما صفقة كبيرة. حتى المفاوضات، فإنها قد تقود الى ضربة تماماً كما أن الحرب تنتهي بالتفاوض. والفارق ليس نوعياً في النتائج بين الحرب الكبيرة والصفقة الكبيرة. نهاية الحرب الكبيرة في ظل التفوق الأميركي الكاسح، بصرف النظر عما تفعله صواريخ إيران ومسيراتها، هي إسقاط النظام. ونهاية الصفقة الكبيرة، في حال قبلت طهران ما يطلبه ترمب، من إقفال المشروع النووي وتخصيب اليورانيوم والحد من إنتاج الصواريخ الباليستية ومداها والتخلي عن أذرع الجمهورية الإسلامية في العراق ولبنان واليمن وسواها هي عملياً تغيير طابع النظام، العاجز عن الردع كما عن حل الأزمات المالية والاقتصادية.

والمعادلة في مثل هذه الحال هي: نهاية الثورة وبداية الدولة. وهو ما رفضه الإمام الخميني ويرفضه خليفته خامنئي. فالجمهورية الإسلامية هي “توأم الولاية” كما قال الخميني. والولاية ليست لإيران فقط. والولي الفقيه هو في نظرهم “ولي أمر المسلمين”. ولا ولاية وجمهورية إسلامية من دون تصدير الثورة الى المنطقة والعالم. ولا تصدير ثورة إلا على أساس مشروع إقليمي إيراني تعمل له وتحميه أذرع الجمهورية الإسلامية من الفصائل المذهبية الأيديولوجية المرتبطة بالحرس الثوري الذي أسسها ولا يزال يقدم لها المال والسلاح وكل شيء. صحيح أن كلفة الأذرع باهظة بالنسبة إلى اقتصاد يمر في ظروف صعبة جداً وعقوبات شديدة.

ولم تدافع الأذرع عن إيران في حرب الـ 12 يوماً الإسرائيلية والأميركية، كما أن طهران لم تدافع عن “حزب الله” و”حماس” في حرب إسرائيل. لكن الصحيح أيضاً أن المشروع الإقليمي الإيراني في مرحلة دقيقة والدفاع عنه “تكليف شرعي” بالنسبة إلى قادة “حزب الله” والحشد الشعبي في العراق والحوثيين في صنعاء.

ومن هنا خطورة ترمب ولعبته. فالرئيس الأميركي حدد أهدافاً كبيرة له، لا فقط في إيران بل أيضاً في المنطقة، ولا فقط في الحرب بل أيضاً في التفاوض. وما بدأه من غزة ويسعى لإكماله في لبنان والعراق واليمن، بعدما ربح سوريا الجديدة، هو مشروع معاكس للمشروع الإيراني. مشروع تحت عنوان السلام الشامل في الشرق الأوسط لن يكتمل إلا على حساب المشروع الإيراني، الذي لن يعيش إلا على أنقاض المشروع الأميركي وفي ظل حال حرب مع إسرائيل. وأي ضربة محدودة تستطيع طهران احتواءها تكشف خواء تهديدات ترمب. وأية صفقة تقتصر على البرنامج الندوي تضع ترمب في موقع محرج أمام جمهوره وبعض حلفائه. فضلاً عن أن النظام الإيراني يخرج أقوى مما كان عليه، بحيث يلتف المعارضون الوطنيون حول السلطة على أساس الدفاع عن الوطن ضد المعتدي.

وليس سراً أن بين المتخوفين من الفوضى والدمار وزعزعة الاستقرار من يرفض الحرب إن لم تكن كبيرة تنهي نظام الملالي، ويطلب الصفقة الكبيرة التي تريح المنطقة من تدخلات إيران في الشؤون الداخلية ومن أذرعها التي تعرقل بناء الدول. فليس في نظام الملالي شيء عادي: لا ولاية الفقيه، ولا تأسيس الأذرع العسكرية خارج إیران، ولا الهيمنة على دول عربية، ولا الرهان على طرد أميركا من المنطقة وإزالة إسرائيل. ومن الوهم خوض مواجهة معها بوسائل وسياسات وأهداف عادية .

و”إذا كانت الدول القوية جيدة في الحرب، فإن الدول الضعيفة خطرة” كما تقول المؤرخة الكندية مارغريت ماكميلان.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى