رجب أبو سرية: الممكن والمستحيل في التفاوض الأميركي الإيراني
رجب أبو سرية 13-2-2026: الممكن والمستحيل في التفاوض الأميركي الإيراني
رغم اكتمال جاهزية القوات الأميركية في الشرق الأوسط، بعد نشر منصات «ثاد» وباتريوت في قواعدها العسكرية المنتشرة في الشرق الأوسط، يمكن القول، إن واشنطن التي كانت قد منحت التفاوض مع إيران فرصة حتى تكتمل تجهيزاتها العسكرية، لم تتخذ قرار الحرب بعد، مع أن ذلك يمكن أن ترتفع لغة التهديد، كذلك يمكن لواشنطن أن تطمئن حلفاءها الإقليميين بقولها، إنها منحت طهران فرصة تجنب الحرب، لكن الأخيرة لم تستجب للمطالب الأميركية، وإنها – أي واشنطن – حتى تنزع مخاوف حلفائها الشرق أوسطيين، الذين يخشون من أن تقتصر الحرب الأميركية على توجيه ضربة لا تكون قاضية للنظام الإيراني، بحيث يكون بمقدوره الرد، وجر المنطقة بأسرها إلى حرب إقليمية طاحنة: هأنذا قد قمت بحماية أجوائكم وأراضيكم بالمضادات، التي يمكنها أن تتصدى لكل أنواع الصواريخ الإيرانية، بما يحمي دول الشرق الأوسط بما فيها إسرائيل من الرد الإيراني حتى لو اقتصرت العملية العسكرية الأميركية على توجيه ضربة موجعة فقط.
لكن الأمر لا يبدو هكذا فقط، وإلا لماذا ذهب بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى واشنطن للقاء الرئيس الأميركي، وحثه على شن حرب تحقق كل ما تريده إسرائيل من أهداف عسكرية وسياسية، يكون أهمها إسقاط النظام، وهذا يعتبر أشمل الأهداف، لأن عقد اتفاق حول البرنامج النووي يعتبر من قبل إسرائيل بمثابة الفشل، وهي أصلاً حاربت اتفاق 2015، حتى أوقفت العمل به، ومن ثم فتحت أبواب الحرب منذ عام 2018، العام الذي انسحب فيه ترامب من ذلك الاتفاق، وحتى لو سلمت إيران بكل المطالب الإسرائيلية، فإنه يمكنها بعد أقل من عام، أو بعد ثلاث سنوات على أبعد تقدير أن تعيد إنتاج الصواريخ والنووي، وحتى أن تعيد الحياة لكل حلفائها في الإقليم، لذلك فإن ما يسقط كل هذه الأوراق، وما يزيل كل هذا الخطر من وجهة نظر نتنياهو هو إسقاط النظام، وإسقاط النظام، لا يكون لا بالحرب الخاطفة ولا بالحصار، ولعل درس العراق ما زال ماثلاً، فما بين عامي 1990 – 2003، كانت هناك 13 سنة حصار، ولم يسقط العراق إلا بحرب أميركية أسقطت نظام صدام حسين، وإسرائيل منذ ذلك العام وهي تدفع أميركا لتفعل الأمر ذاته الذي فعلته في العراق، وذلك في إيران.
ما يهم إسرائيل هو إزالة إيران من طريقها الإقليمي، وإيران تمثل قوة عسكرية ولديها نفوذ إقليمي يحول دون أن تهيمن إسرائيل بشكل كامل على الشرق الأوسط، وبالرغم من وجود منافسين آخرين، إلا أن إسرائيل ترى بحكم ما تظهره إيران من تحدٍ وعداء صريح لإسرائيل، أن تحطيم القوة العسكرية لإيران وإسقاط نظامها، سيؤدي إلى سقوط الآخرين تباعاً، وأن دولاً أخرى ترى في العداء بين الدولتين ما يشكل حالة توازن تحميها إلى حد ما من طموحات الدولتين معاً، أي أن إسرائيل ترى في إيران عدواً مباشراً يحول دون تحولها لقوة إقليمية وحيدة، أو كقائد للنظام الإقليمي، لكن ما الذي يجعل إسرائيل مقتنعة بأنه يمكن لأميركا أن تقوم بمحاربة إيران بدلاً عنها، أو من أجل تحقيق مصلحتها في أن تصبح الدولة الإقليمية العظمى، وفي الحقيقة الإجابة عن هذا السؤال، لا بد أن تلحظ أكثر من سبب.
السبب الأول، هو أن إسرائيل ما زالت ترى أميركا حليفها الذي لا يسمح لأحد بأن يهدد وجودها، وسبق لأميركا منذ أن ورثت بريطانيا، بعد الحرب العالمية الثانية، أن وفرت الحماية العسكرية والسياسية لإسرائيل، وقد تأكد هذا مراراً وتكراراً خلال حروب إسرائيل مع جيرانها العرب، في حربي العام 1967، و1973، ثم في حرب 1982، والأهم كان في مواجهة انتفاضة العام 1987، ثم حدث كما لم يحدث من قبل، حين تأكد التوافق الأميركي مع إسرائيل خاصة في ظل إدارة ترامب، وذلك خلال حرب الإبادة عامي 2024 – 2025، حين تخلت كل الدنيا عن إسرائيل، وتشبثت بها أميركا فقط، والسبب الثاني، هو أن الفرصة المتاحة حالياً قد لا تتكرر ثانية – وإسرائيل بالمناسبة كلها في مواجهة الملف الإيراني مجتمعة – وذلك يعود لوجود إدارة عنصرية في البيت الأبيض، مع حكومة فاشية في إسرائيل، بينما العالم يسير بخطى ثابتة نحو نظام عالمي آخر، غير النظام الأميركي، والسبب الثالث بالطبع، هو أن نتنياهو ما زال يعتمد على اللوبي اليهودي الصهيوني في أميركا، الضاغط على الحزبين الحاكمين، وهذا يظهر في حجم ما يظهره أفراد إدارة ترامب من حب وإخلاص لإسرائيل.
لكن مع كل هذا فإن هناك درجة من المقامرة، لا خيار أمام نتنياهو إلا أن يلجأ إليها، لأنه لو تردد لحظة واحدة، فإنه سيسقط داخلياً، والمقامرة تعود إلى تورط ترامب في رفع شعار «أميركا أولاً»، وحيث لم يعد هذا الشعار ينطبق تماماً مع تحقيق مصالح إسرائيل، خاصة وأن إسرائيل باتت تطمح في تحقيق مكانة القائد الإقليمي على حساب مصالح حلفاء آخرين لأميركا، لذلك بات مؤيدو ترامب نفسه يتساءلون حول إن كانت سياساته المتماهية مع نتنياهو تحقق شعار «أميركا أولاً» أو أنها تقول «إسرائيل أولاً»، وتعود مقامرة نتنياهو التي لا بد منها إلى أن ترامب وحزبه الجمهوري مقدمان على خوض انتخابات نصفية صعبة، إن خسرا بنتيجتها أغلبيتهما في الكونغرس بمجلسيه، فإن قدرة ترامب على مواصلة سياسته الخارجية ستضعف مع وجود كونغرس بأغلبية معارضة، ومن سوء حظ نتنياهو، أن ذلك الاستحقاق الأميركي يتزامن مع استحقاقه هو أيضاً، حيث يكمل الكنيست الحالي في تشرين الأول القادم مدته البرلمانية، وهو ومنذ زمن ورغم تقدمه وفق استطلاعات الرأي كرئيس حكومة وكحزب أول، إلا أنه يخسر الأغلبية التي تمكنه من الحفاظ على المنصب، والأسوأ، أن العرب سيكونون فيصلاً بين المعسكرين.
والسؤال الآتي الذي يترتب على السؤال الذي ذكرناه هو، كيف صار نتنياهو يراهن على أميركا لتشن هي الحرب على إيران بدلاً من إسرائيل، بعد أن كان في عهد إدارة جو بايدن، قبل أقل من عامين، لا يحصل من واشنطن على مجرد الضوء الأخضر فقط لتوجيه ضربة سواء للمواقع النووية، أو لقواعد الصواريخ البالستية، فضلاً عن اغتيال المرشد علي خامنئي مثلاً، وأبعد ما منحته إدارة بايدن كان اغتيالات موضعية موجهة لعلماء النووي، أو لقادة عسكريين،، هو أن نتنياهو بات أكثر جرأة أولاً بعد أن شاركه ترامب في قصف مفاعل فوردو في حزيران الماضي، وبعد العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا، والأهم هو أنه يدرك وجود مصلحة أميركية في وضع حد للنظام الإيراني الحالي، إن لم يكن من أجل المصالح والأهداف الإسرائيلية، فمن أجل المصالح والأهداف الأميركية.
الزاوية الضيقة، التي تجعل من إدارة الصراع، بين إيران والدول الإقليمية من جهة، وبين إسرائيل من جهة أخرى، تتركز حول القرار الأميركي، الذي ما زال يراوح بين أحد الخيارين: التفاوض أو الحرب، وهي عدم تطابق المصالح والأهداف الإسرائيلية مع المصالح والأهداف الأميركية، فأميركا تحارب بالأساس الصين، والصين تعتمد على نحو 15% من استهلاكها من النفط الإيراني، كما أن التبادل التجاري بين البلدين، عزز من صمود إيران في مواجهة العقوبات الاقتصادية، وترامب يظن أنه بعد أن أخرج نفط فنزويلا من دائرة التبادل التجاري مع إيران والصين، فإنه بقطع خط إمداد الصين بالنفط الإيراني، يضعف الاقتصاد الصيني، بينما يسيطر هو على نحو 20% من احتياطي النفط في العالم، باستيلائه على إيران بعد فنزويلا، وهذا يضاف إلى سطوة أميركا على نفط الخليج العربي، ما يعني أن أميركا باتت تسيطر على نحو 80% من النفط في العالم، حيث لا يخرج عن سيطرتها سوى 10% هي نسبة النفط الروسي، والصين دولة عملاقة اقتصادياً، لكنها فقيرة جداً في موارد الطاقة، تحديداً النفط والغاز.
وهذا هو أهم هدف لأميركا الذي جرى ذكره دون تركيز كأحد مطالب ترامب من طهران، ونقصد به قطع العلاقة التجارية مع الصين، وتحقيق هذا الهدف يتأكد من خلال حديثه مؤخراً عن فرض تعرفة إضافية على أي دولة تخرق الحصار الاقتصادي المفروض على إيران وتتبادل تجارياً معها، وهو بذلك يقصد الصين ويضرب عصفورين بحجر واحد، أما طرح الشروط التي تعني استسلام إيران، فيهدف لينتهي التفاوض بالفشل، وذلك لتبرير شن الحرب، التي إذا كانت مستحيلة، لأن إسقاط النظام بضربة خاطفة مستحيل، فإن الممكن هو تدخل الصين لتمنع استسلام إيران، ولو من تحت الطاولة، حتى يقتنع ترامب بخروج آمن من ورطة نتجت عن اعتقاده بأنه يمكن أن يحقق من خلال التهديد أهدافاً استراتيجية.



