أقلام وأراء

رجب أبو سرية: العبرة في النهايات

رجب أبو سرية 9-1-2026: العبرة في النهايات

لا شك بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد غامر كثيراً، عند قيامه بتوجيه عملية السطو المسلح على فنزويلا، واختطاف رئيسها المدني المنتخب،، وقد كان ذلك تنفيذاً لأول وأخطر قرار يتخذه بعد عام من دخوله البيت الأبيض في ولايته الثانية، وذلك خارج حدود الشرق الأوسط، الذي وجد نفسه مضطراً للانهماك فيه، بسبب إسرائيل، الى حد التورط للقيام بعلمية عسكرية عدوانية خاطفة ضد إيران، لتؤكد عملية السطو على القصر الجمهوري في كاراكاس، بعد عملية قصف مفاعل فوردو الإيراني، بأن كل ما يدعيه ترامب من جنوح الى السلم، أو إطفاء نيران الحروب الإقليمية، ما هو إلا ادعاءات باطلة، وأكاذيب ليس لها حدود، وأنه ينفذ فعلياً وعملياً ما يرفعه من شعار السلام بالقوة، وهذا يعني بكل بساطة شن الحروب، بغرض فرض الاستسلام على الآخرين.

لن نعيد في هذا المقال ما سبق لنا وقلناه في مقالنا السابق، من أن قراءة النتائج المتحققة لعملية السطو الأميركي المسلح على القصر الجمهوري في كاراكاس العاصمة الفنزويلية، مرهونة بردود الفعل العملية، وبما ستؤدي اليه من نتائج قريبة او مباشرة، والأهم من نتائج بعيدة المدى، وكما يقول المثل بأن «العبرة في النهايات»، وكما علمتنا الحروب سابقاً، بأنه ليس بالضرورة أن ينهي الحرب مَن بدأها، أو أن يكون المنتصر فيها مَن أطلقها، وحتى ان التاريخ لم يسجل دائماً بأن مَن انتصر في الحروب كان هو الأقوى عسكرياً، ونشير الى تاريخ المنطقة والعالم، حيث انتصر الجيش الأقل عدداً وعدة، لذلك فإن تداعيات وتفاعلات ما اقدم عليه ترامب في اليوم الثاني من هذا العام، لن تتوقف وليس بالضرورة ارتباطاً بالحدث نفسه، ولكن للدلالة على ان الصراع الأميركي مع العالم، حول طبيعة النظام الدولي بات مفتوحاً.

أول القول، هو ان ترامب يسير _من أجل الحصول على الثروة التي تؤهل بلاده للوقوف أمام نمو الاقتصاد الصيني، بل واقتصاديات دول عديدة، يجعل من بقاء النظام العالمي الأميركي الحالي والقائم منذ ثلاثة عقود ونصف أمراً مستحيلاً_ على طريق خطرة للغاية، مختصرها السطو على ثروات الآخرين، في حين ان المنافسين بل كل الاقتصاديات القوية في العالم، بدءاً من اليابان وألمانيا، مروراً بكوريا الجنوبية، الى الصين وما بينهما، من الهند ونمور آسيا، قد نمت استناداً الى ما بذلته قواها العاملة وطاقاتها البشرية من مهندسين وتكنوقراط وما الى ذلك من جهد، وليس هناك واحد منها استند الى نهب ثروة بلد او شعب آخر، وأميركا فقط هي التي بقيت اقوى اقتصاد عالمي حتى الآن، بالاستناد إلى ثروات خارجية، تجعل من اقتصادها طفيلياً، وقائماً على النظام الأميركي العالمي الذي تلا الحرب الباردة، خاصة فيما يخص اعتماد الدولار الأميركي كعملة تداول عالمي، كذلك عبر استثمار اموال دول وأثرياء من كل أنحاء العالم في الولايات المتحدة.

لذلك فإنه من الواضح بأن اميركا ليس بمقدورها ان تنافس الصين وغيرها في نسبة النمو، وانها ستفقد مكانتها كأكبر اقتصاد في العالم بشكل مؤكد خلال سنوات قادمة، ولهذا ومن اجل الابقاء على نظامها العالمي الحالي، هي بحاجة الى مزيد من ثروات الآخرين، ولهذا ايضا سارع ترامب بالمجيء للشرق الوسط قبل اشهر، ليس من أجل حل مشاكله، ولا من اجل عقد مؤتمر دولي للسلام، يفرض خلاله على اسرائيل الانسحاب من الأراضي العربية التي تحتلها واقامة دولة فلسطين، كما يريد المجتمع الدولي بأسره، ولكن سعياً من أجل الاستثمارات الخليجية في بلاده، وهو كان واضحاً منذ أول يوم، حين حدد عدداً من مصادر الثروات التي يمكن ان «يضع يده» عليها، من قناة بنما التي هدد بالسطو عليها، الى المعادن الأوكرانية النادرة التي جعل منها مادة لمقايضة روسيا بأرض اوكرانيا التي تحتلها، الى نفط فنزويلا، الى ثروات «غرينلاند» الطبيعية بما فيها المعادن النادرة، وصولا الى غاز و»ريفيرا» غزة الموعودة.

لهذا من الواضح تماماً لكل الدنيا بأن دافع ترامب في فنزويلا وفي غزة، كذلك أطماعه في كل أنحاء العالم، ليس له علاقة لا من قريب ولا من بعيد، لا بكذبة مهربي المخدرات في اميركا اللاتينية، ولا بوقف الحرب في الشرق الأوسط، ولا بالدفاع عن مصالح اميركا من تهديد القوات البحرية الروسية والصينية القريبة من غرينلاند، وبالطبع ما تعقده المحكمة الفدرالية الأميركية من محاكمة للرئيس نيكولاس مادورو مثير للضحك تماماً، لسببن واضحين وكافيين، الأول هو ما قاله الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، بأنه كان الأجدر بترامب ان يعتقل بنيامين نتنياهو لا أن يستقبله 6 مرات في البيت الأبيض وهو مطلوب للعدالة الدولية، والثاني هو أن ترامب نفسه اصدر عفواً عن خوان اورلاندو هرنانديز رئيس هندوراس السابق، وذلك قبل شهر بالضبط من اختطافه للرئيس الفنزويلي مادورو، وهرنانديز كان مسجونا في اميركا بعد ان ادين وحكم عليه بالسجن 45 سنة لادخاله 400 طن مخدرات من هندوراس لأميركا.

وترامب رجل الأعمال الجاهل، أو «الغشيم» بالبلدي بالسياسة الدولية، يظن بأن السياسة الدولية تصنع «بالفهلوة» والعمليات البهلوانية، او حتى ان الحروب تخاض وتكسب بالذكاء الصناعي او بالتفوق التكنولوجي، او حتى بالاستناد الى التفوق الاستخباري وحسب، وهذه أدوات للحرب، تساعد دون شك على تحقيق نجاحات تكتيكية، لكنها لا تكفي لكسب الحرب، خاصة الحروب طويلة النفس، ومتعددة الجبهات، وكما حدث مع نتنياهو الشريك الإقليمي في مشروع الهيمنة والسيطرة الاستعمارية، سيحدث مع الشريك الكوني ترامب، أي أنه سيضطر الى خوض حرب طويلة الأمد ومتعددة الجبهات، لا احد يعلم الآن او يمكنه ان يؤكد ما ستكون عليه نهايتها، لكن يمكن القول بكل ثقة، بأنها لأنها متعددة الجبهات وطويلة الأمد، لن تنتهي بشكل خاطف او سريع، اي بما يحقق ما يريده نتنياهو وترامب، المتفوقان تكنولوجياً وأمنياً، واللذان يحققان نجاحات تكتيكية، لكنهما غير قادرين على حسم الحرب بشكل خاطف.

ولعل درس نتنياهو ماثل أمام ترامب، والدرس باختصار يقول، بأن اسرائيل رغم تحقيقها نجاحات تكتيكية في الحرب الأمنية، بدليل الاغتيالات، الا انها اضطرت صاغرة لخوض عامين من الحرب، وما زالت لأنها لم تحقق حتى اهدافها العسكرية بالكامل، تدق طبول الحرب مجدداً على 4 جبهات، وهذا ما ينتظر ترامب، في أميركا اللاتينية أولاً بعد اختطاف مادورو، والذي لا يعني مجرد اختطافه السيطرة على فنزويلا ووضع اليد على ثروتها، فقد تولت دفة القيادة فوراً نائبته بدعم الجيش الذي اكد وزيره بأن فنزويلا لن تستسلم، وقام باستنفار 4،5 مليون مقاتل، وحتى زعيمة المعارضة ماريا ماتشادو التي سبق لترامب وأن ندد بها لفوزها بنوبل، وعاد ليقول بأنه يفكر في منحها الرئاسة الفنزويلية، ردت عليه بالقول بأن مادورو قد أُقيل من منصبه.

اما رئيسة المكسيك، التي يهددها ترامب، فترد عليه بالقول بأن  اميركا الجنوبية ليست ملكاً لعقيدة مونرو في اشارة لرئيس الولايات المتحدة الخامس جيمس مونرو الذي انشأ ذلك المبدأ عام 1823 الذي يقول بأن أميركا اللاتينية ينبغي ان تكون منطقة نفوذ للولايات المتحدة، اما الرئيس الكولومبي فقد وصف ترامب بالخرِف، وتحداه قائلاً: تعال خذني، وتوعده بحمل السلاح دفاعاً عن بلاده.

وهذا ما اقترحه فعلاً رئيس كوبا ميجيل دياز كانيل، وكوبا منذ عقود تعتبر قائد اميركا اللاتينية ضد الامبريالية وملهمها، حيث دعا شعوب اميركا اللاتينية الى رص الصفوف وذلك من على المنصة المناهضة للامبريالية، أما الاتحاد الأوروبي فإنه حسب وزير الشؤون الخارجية الفرنسي يعمل على وضع خطة للرد على الولايات المتحدة في حال استولت على غرينلاند، وبالطبع هذه مواقف واستعدادات الدول المحيطة والصديقة للولايات المتحدة، أما روسيا، فإنها لن تجد ما يمنعها من مواصلة السيطرة على أوكرانيا، ولن تضطر للدخول في مقايضة مع ترامب ليحصل على معادن أوكرانيا الثمينة، ليُبقي على نظامه العالمي، وهي اول دولة ترفع راية تغيير هذا النظام، كذلك الصين، فإنها قد تجدها فرصة لضم تايوان رسمياً، بما يعزز من قوتها واقتصادها، أي ان طريق ترامب سيفضي لنتيجة عكسية تماماً، تضعف من اقتصاد بلاده ومن قوتها العسكرية ومكانتها السياسية.

وربما كان هذا مبعث خوف ترامب نفسه، الذي حذر من احتمال عزله من منصبه، وذلك في حال خسر حزبه الجمهوري، كما هو مرجح في الانتخابات النصفية في  تشرين الثاني القادم، أغلبيته في مجلسَي الكونغرس.

 

 

مركز الناطور للدراسات والابحاثFacebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى