د. ناصيف حتي: الشرق الأوسط: عام التساؤلات بين الصراعات والتسويات
د. ناصيف حتي 7-1-2026: الشرق الأوسط: عام التساؤلات بين الصراعات والتسويات
يبدو الشرق الأوسط في مطلع هذا العام 2026 كأنه محاط أو محاصَر في الجغرافيا والسياسة، بمثلث من الأزمات والحروب. بعض هذه الأخيرة، وهي مترابطة بشكل مباشر أو غير مباشر، قد تأخذ طريقها إلى التهدئة وخفض الصراع من دون تسويته كلياً بالطبع أو عبر تسويات مؤقتة يمكن أن تسهِّل لتسويات لاحقة، وبعضها الآخر قد يذهب في منحى التصعيد وإذكاء الصراع عسكرياً أو سياسياً وذلك حسب كل نزاع.
على ضفاف البحر الأبيض المتوسط نشهد تصعيداً وتخفيضاً، ولو نسبياً، في الحرب الإسرائيلية التي بدأت في غزة، وانتقلت إلى لبنان، وبالطبع في الضفة الغربية التي يبقى ضمها (عبر استكمال تهويدها) الهدف الأساسي لإسرائيل؛ بُغية إلغاء إمكانية حل الدولتين مستقبلاً، كما يردد أكثر من مسؤول إسرائيلي. وليس أدل من ازدياد التعقيدات بشأن غزة سوى التعثر الحاصل بشأن تطبيق المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترمب، ولو أن كثيرين لأسباب مختلفة لا يريد الاعتراف بذلك ويحاولون الالتفاف حول الصعوبات المتأتية بشكل خاص من التفسيرات الإسرائيلية لخطة ترمب، وذلك بغية تسويتها.
فيما يتعلق بلبنان، ما زالت السياسة الإسرائيلية على حالها من خلال الاستمرار في عمليات «الاستهداف الاستراتيجي» المفتوح في الجغرافيا وفي القوة النارية وفي الزمان، كما لو أن الإعلان الذي جرى التوصل إليه لوقف القتال والذي دخل حيَّز التنفيذ في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 ينطبق بشكل أحادي على لبنان. وتربط إسرائيل ذلك بنزع سلاح «حزب الله» كلياً، وهو أمر أقل ما يقال فيه إنه غير ممكن وغير مقبول أن يتم حسب الرؤية الإسرائيلية، وبالتالي فهو غير واقعي.
إن قرار حصرية السلاح في يد السلطات اللبنانية المعنية، بوصفه أمراً أكثر من أساسي للعودة إلى مفهوم الدولة ودورها الطبيعي، يجري في إطار لبناني بحت، وحسب جدول زمني تعمل عليه السلطات اللبنانية. إنه موقف رسمي يحظى بدعم شعبي واسع، رغم الاعتراف بمصاعب وعراقيل غير قليلة أمام ذلك. ولكن لا يمكن أن يتحقق هذا الهدف عبر استمرار العدوان الإسرائيلي الذي يزيد في تعقيد الأمور على الأرض.
إن الموقف الرسمي اللبناني واضح وواقعي: موقف لا بد من التذكير به، يقوم أولاً على ضرورة احترام إسرائيل لوقف إطلاق النار والانسحاب من النقاط المحتلة، واستمرار «التفاوض التقني» في إطار «لجنة الميكانيزم» تحت عنوان التوصل إلى تنفيذ أو تحديداً إلى إعادة إحياء اتفاقية الهدنة لعام 1949 لتنظم الوضع على الحدود، مع التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن 1701 ببنوده كافة. القرار الذي يؤكد أيضاً حصرية السلاح في يد السلطة اللبنانية. ومن نافلة القول إن لبنان يلتزم بعملية السلام الشامل والعادل والدائم كما جاء في مبادرة السلام العربية لعام 2002. كما يرفض أي مقاربة انتقائية لذلك أياً كانت مسمياتها أو تبريراتها، وما زلنا بعيدين كل البعد عن هذا الأمر.
على شاطئ المتوسط أيضاً، يبقى هنالك تحدٍّ أساسي يتمثل في إطلاق وتعزيز ودعم عملية حوار وطني شامل في سوريا يعزز الاستقرار المجتمعي، وبالتالي السياسي والأمني. حوار يقوم على مبدأ التشاركية للمكونات السورية كافة، وهو ما أسميه بنوع من «طائف سوري» أسوةً باتفاق الطائف اللبناني لعام 1989. ورغم اختلاف الظروف بين الحالتين لكن يبقى هو الحل الضروري لدعم الاستقرار في سوريا.
في منطقة باب المندب والبحر الأحمر، ذات الأهمية الاستراتيجية المتزايدة في لعبة الأمم، نتفاءل خيراً مع الحوار الشامل الذي ستستضيفه وترعاه المملكة العربية السعودية لجميع الأطراف في اليمن الجنوبي؛ للتوصل إلى تفاهمات واتفاق حول مستقبل المنطقة المعنية. السودان أيضاً يعاني من حروبه المستمرة، حيث الاجتماع (البنية المجتمعية المتنوعة) والجغرافيا السياسية تجعله جذاباً للتدخلات وللصراعات، والمطلوب العمل على دعم السلطة الوطنية وتعزيز التشاركية عبر الحوار؛ تلافياً للانقسامات القاتلة للجميع.
نقطة ساخنة أخرى في «المسرح ذاته» تتعلق بـ«جمهورية أرض الصومال»، الإقليم الذي انشق عن الصومال، حيث إن الموقع المهم الذي يحتله في الممر المائي الاستراتيجي يجعله، كما نشهد، جذاباً للصراعات ولتعزيز الانقسام والانفصال عن الدولة الصومالية. ونرى أهمية ذلك بشكل خاص بالنسبة إلى إسرائيل التي اعترفت وحدها بين دول العالم بهذه الجمهورية. كما يحظى باهتمام إثيوبيا التي تبحث عن واجهة (بعد استقلال إريتريا) على الممر الاستراتيجي ذاته.
في الخليج تبقى السخونة القابلة للاشتعال تطبع الوضع الإيراني – الأميركي ومعه الغربي، ولو بدرجة أقل، وكذلك الإيراني – الإسرائيلي بشكل خاص بشأن «ثلاثية» النووي، والصواريخ الباليستية، ودور حلفاء إيران، من التنظيمات المختلفة، في المنطقة. ويبقى الاحتمال قائماً في العودة إلى سيناريو هجوم إسرائيلي بمشاركة واشنطن أو من دونها؛ وهو الأمر الذي يُطرح بقوة. يشجع على ذلك التغير في التوازنات الإقليمية، خصوصاً بعد خسارة «الحليف السوري» بالنسبة إلى إيران، والتداعيات الكبيرة لذلك على الدور الإيراني.
التطبيع العربي – الإيراني الذي حصل لا يعني الاتفاق على مختلف القضايا الأساسية في المنطقة. التمايز أو الاختلاف واضح ولكن يبقى مقيداً ما دام الهدف هو منع الفوضى ومنع الذهاب نحو المجهول. هذا التفاهم يُنتج تحركاً، بتشجيع وطلب كما يرى البعض من طرف إيران، لتفعيل الدبلوماسية على حساب سيناريوهات المواجهة المختلفة والمفتوحة، من دون أن يعني ذلك الغياب الكلّي لاحتمالات جدية لمواجهة مقيدة في الزمان والمكان، كما أشرنا وكما حصل من قبل.
سنعيش سنة في شرق أوسط على مفترق طرق بين الصراعات والتسويات المتداخلة والمتأثر بعضها ببعض، رغم غياب الرابط العضوي أو المباشر بينها. صراعات وتسويات «في لعبة الأمم» في المنطقة تحمل سيناريوهات مختلفة، كل منها له تداعياته المتعددة في المكان والزمان.
مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook



