أقلام وأراء

د. منى ابو حمدية: القدس بين معاول التزييف وحقائق علم الآثار

د. منى ابو حمدية 7-2-2026: القدس بين معاول التزييف وحقائق علم الآثار

لم تكن معركة القدس يوماً معركة حجارةٍ وحدود فحسب، بل معركة روايةٍ وهوية و وجود.

ومنذ احتلال المدينة عام 1967، تحوّل علم الآثار في السياسات الإسرائيلية من حقلٍ معرفي إلى أداةٍ سياسية تُستخدم لإعادة تشكيل الوعي العالمي حول تاريخ المدينة. ويتجلّى ذلك اليوم بوضوح في افتتاح ما يسمى “نفق طريق الحجاج المزيف” في بلدة سلوان، وهو مشروع يحمل في جوهره محاولة ممنهجة لفرض سردية دينية مصطنعة على واقعٍ أثري متعدد الطبقات.

تشير دراسات علمية نقدية إلى أن الحفريات الإسرائيلية في سلوان – المعروفة استيطانياً باسم “مدينة داود” – لم تكن يوماً حفريات محايدة، بل ارتبطت منذ بدايتها بأجندة سياسية تهدف إلى إضفاء شرعية تاريخية على المشروع الاستيطاني. فقد أوضح عالم الآثار الإسرائيلي البارز رافائيل غرينبرغ أن التنقيب في سلوان جرى في إطار “أدلجة علم الآثار”، حيث تُنتقى المكتشفات بما يخدم رواية توراتية مُسبقة، مع تجاهل الطبقات التاريخية الأخرى للمدينة.

إن ما تروّج له سلطات الاحتلال باعتباره “طريق حج يهودي قديم” ليس وفق المعطيات الأثرية المتاحة، سوى جزء من شبكة طرق رومانية تعود إلى الفترات الهلنستية والرومانية المتأخرة، بُنيت لأغراض حضرية وخدمية. فالدراسات الميدانية حول الموقع المعروف علميّا باسم “الشارع المدرّج – Stepped Street” تُظهر أنه طريق روماني من القرن الأول الميلادي، ولا يوجد أي دليل أثري مباشر يثبت ارتباطه بطقوس دينية يهودية حصرية، كما تدّعي الرواية الإسرائيلية.

تشكّل الحفريات التي تجريها سلطات الاحتلال في بلدة سلوان مثالاً فاضحاً على سياسة “السطو على الذاكرة”، إذ تُخضع المعالم الأثرية لقراءات مُسيّسة وانتقائية تهدف إلى طمس الطبقات الحضارية المتعاقبة للقدس، العربية والإسلامية والبيزنطية، وإعادة تركيب تاريخ المدينة قسراً داخل سردية أحادية تُقصي تعدديتها وهويتها الحقيقية.

إن خطورة ما يجري لا تقتصر على الجانب الأكاديمي، بل تمتد إلى الواقع الميداني. فقد وثّقت تقارير حقوقية دولية أن مشروع “طريق الحجاج” يُستخدم كأداة لتهجير سكان سلوان وتعزيز الاستيطان السياحي والسياسي في قلب القدس المحتلة، في انتهاك واضح للقانون الدولي الذي يجرّم تغيير الطابع الثقافي للأراضي المحتلة .

إن تحويل علم الآثار إلى سلاح سياسي هو اعتداء على الحقيقة التاريخية قبل أن يكون اعتداء على الشعب الفلسطيني. فالحجر لا يزوّر نفسه، والطبقات الأثرية لا تُعيد ترتيب ذاتها وفق رغبات الحكومات. والقدس، بتاريخها الكنعاني والروماني والإسلامي والعربي، أكبر من أن تُختزل في نفقٍ مزيف أو لافتةٍ عبرية مُضللة.

إن معركة حماية القدس اليوم هي معركة علمٍ وتوثيقٍ ووعي.

والرواية الزائفة – مهما امتلكت من قوة – تبقى أضعف من حقيقة الأرض.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى