أقلام وأراء

د. منى أبو حمدية: قانون إعدام الأسرى بين الطعن الدستوري وامتحان العدالة: معركة قانونية مفتوحة أمام المحكمة العليا

د. منى أبو حمدية 1-4-2026: قانون إعدام الأسرى بين الطعن الدستوري وامتحان العدالة: عركة قانونية مفتوحة أمام المحكمة العليا

إن إقرار ما يُعرف بقانون إعدام الأسرى في الكنيست بالقراءتين الثانية والثالثة لا يمثّل مجرد تشريع عادي، بل يشكّل تحولاً خطيراً في بنية المنظومة القانونية والسياسية، ويعكس توجهاً نحو استخدام القانون بصورته الحالية كأداة ردع قاسية في سياق صراع سياسي معقّد. فهذا الاجراء التعسفي، بما يحمله من أبعاد عقابية استثنائية، يضع إسرائيل أمام اختبار حقيقي لمدى التزامها بمبادئ العدالة الدستورية والقانون الدولي الإنساني.

إن هذا القانون هو جريمة مكتملة الأركان من منظور القانون الدولي وحقوق الإنسان، لما ينطوي عليه من تهديد مباشر للحق في الحياة، وهو الحق الأكثر قداسة في منظومة الحقوق الأساسية. كما أن تخصيص عقوبة الإعدام لفئة محددة، على أساس الانتماء القومي أو السياسي، يثير شبهات جدية حول مبدأ المساواة أمام القانون، ويعزّز المخاوف من تكريس نظام قانوني مزدوج يُخضع الفلسطينيين (وحدهم) لقواعد أكثر قسوة من غيرهم.

وفي تطوّر لافت، تقدّمت جمعية الحقوق المدنية الاسرائيلية بالتماس عاجل إلى المحكمة العليا الإسرائيلية تطعن فيه بقانون إعدام الأسرى، معتبرةً أنه من أكثر القوانين استثنائية وتطرّفاً في التشريع الإسرائيلي، وأنه يفرض أشد عقوبة ممكنة — وهي الإعدام — بصورة حصرية على الفلسطينيين، من خلال إنشاء نظامين قانونيين متوازيين: أحدهما عسكري والآخر جنائي. وترى الجمعية أن كل نظام من هذين النظامين يمثّل انتهاكا صارخا للحق في الحياة والكرامة والإجراءات القانونية الواجبة والمساواة، وأن الفجوات بينهما تعمّق التمييز وتُنتج واقعا قانونياً يثير الرفض والاشمئزاز.

ويكتسب هذا الطعن أهمية خاصة في ضوء تحذيرات المستشارين القانونيين للحكومة الإسرائيلية أنفسهم من أن القانون قد يكون غير دستوري، وهو ما يعكس وجود خلافات عميقة داخل المؤسسة القانونية حول مشروعيته. ومن الناحية السياسية، فإن هذه التحذيرات تعني أن القانون قد يواجه عقبات جدية في مسار تطبيقه، وأن المعركة حوله لن تكون فقط سياسية، بل قانونية ودستورية ايضاً.

ووفقاً لما نشرته صحيفة معاريف، فقد أمرت المحكمة العليا الحكومة والكنيست بالرد على الالتماسات المقدمة ضد قانون عقوبة الإعدام للأسرى، مع بحث إمكانية إصدار أمر مؤقت يوقف تنفيذ القانون إلى حين البت النهائي في الالتماسات، كما قررت المحكمة عدم رفض الالتماسات رفضاً قاطعا، والاكتفاء بمطالبة السلطات بتوضيح موقفها.

كما تقدّمت عدة منظمات حقوقية، من بينها عدالة – المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في اسرائيل، واللجنة العامة لمناهضة التعذيب – إسرائيل، وهاموكيد – مركز الدفاع عن الفرد، وأطباء من أجل حقوق الإنسان – إسرائيل، إلى جانب عدد من أعضاء الكنيست، بالتماسات عاجلة إلى المحكمة العليا تطالب بإعلان بطلان القانون، في خطوة تعكس اتساع دائرة الاعتراض عليه داخل الأوساط القانونية والحقوقية، وتشير إلى انتقال المعركة ضد التشريع من المجال السياسي إلى الساحة القانونية والدستورية.

إن المشهد الحالي لا يعكس مجرد خلاف قانوني حول نص تشريعي، بل يكشف عن صراع عميق بين منطق القوة ومنطق القانون، وبين نزعة العقاب الجماعي ومبادئ العدالة الإنسانية. فالقوانين التي تمسّ الحق في الحياة لا يمكن أن تُعامل كأدوات سياسية، بل كمسائل أخلاقية وإنسانية تتجاوز حدود السياسة والصراع.

وفي ضوء هذه التطورات، يبقى مصير هذا القانون معلقاً على قرار القضاء، وعلى مدى قدرة المجتمع الدولي والمنظومة الحقوقية على حماية المبادئ الأساسية للعدالة، لأن التاريخ يثبت أن القوانين الأكثر قسوة قد تسقط أمام صوت القانون، وأن العدالة — مهما تأخرت — تظلّ الخيار الوحيد القادر على حماية الإنسان وصون كرامته.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى