د. منى أبو حمدية 15-3-2026: صرخة “خلااااص”… حين تحوّل طريق العيد في طمون إلى طريق الفاجعة!!
في ليلةٍ من ليالي رمضان، حين تمتلئ القلوب بانتظار الفجر وتتلألأ العيون بفرحة العيد القريب، خرجت عائلة فلسطينية بسيطة من بلدة طمون جنوب طوباس.
لم يكن في نيتها سوى أمرٍ صغير، بسيط، يكاد يكون طقساً سنوياً لكل عائلة: شراء ملابس العيد.
كانت سيارةٌ عائلية صغيرة تحمل ستة أرواح، وستة قلوبٍ تحلم بصباح العيد.
الأب علي بني عودة خلف المقود، وبجانبه زوجته وعد.
وفي المقعد الخلفي أربعة أطفال: عثمان، محمد، مصطفى، وخالد.
داخل تلك المركبة الصغيرة كان العالم يبدو دافئاً.
ضحكات الأطفال كانت أعلى من صوت الطريق.
وكان كل واحدٍ منهم يتسابق ليقترب من المقعد الأمامي؛ يقبّل والده، ثم يميل ليطبع قبلةً على خدّ أمه.
كانوا يحتفلون بالعيد قبل أن يصل.
لكن الطريق الذي حمل تلك الضحكات لم يكن يعلم أنه بعد لحظات سيتحوّل إلى مسرحٍ للموت.
فجأة، وبدون إنذار، انهمر الرصاص.
رصاص كثيف، مباشر، بلا نداءٍ للتوقف، ولا محاولة للتفتيش، ولا حتى لحظة تردّد.
تحوّلت السيارة العائلية إلى هدفٍ في مرمى النار.
في ثوانٍ قليلة فقط، سقطت الضحكات.
واختلطت صرخات الأطفال بصوت الرصاص.
في تلك اللحظة، حاولت الأم وعد أن تحمي أبناءها.
مدّت جسدها فوقهم كما تفعل كل الأمهات حين يقترب الخطر من صغارهن.
وكانت آخر كلمة خرجت من بين شفتيها، وسمعها أحد أبنائها وسط الفوضى والرصاص:
“خلاااااص…”
لم تكن مجرد كلمة.
كانت صرخة أمٍ تحاول أن توقف الموت بيديها المرتجفتين.
لكن الرصاص كان أسرع.
ارتقت وعد شهيدة.
ولحق بها زوجها علي بعد أن اخترقت جسده عدة رصاصات.
أما الطفلان عثمان ومحمد فقد صعدا مع والديهما إلى السماء.
وفي المقعد الخلفي، بقي طفلان يصارعان الألم والذهول.
مصطفى أصيب في عينه.
وخالد أصيب في رأسه.
وخلال دقائق قليلة فقط، تحوّل مشهد عائلي بسيط — أب عاد إلى بيته بعد غياب، واصطحب عائلته ليشتري لهم فرحة العيد — إلى مأساة إنسانية تهز الضمير.
انتهت الرحلة.
لكنها لم تنتهِ عند باب متجرٍ لملابس العيد، بل عند باب الفاجعة.
وهكذا أضيفت قصة جديدة إلى السجل الطويل للألم الفلسطيني؛ سجلٌّ تُكتب صفحاته بدم العائلات، ودموع الأمهات، وأحلام الأطفال التي لم تصل إلى صباح العيد.
ما حدث في طمون ليس حادثاً عابراً، ولا مأساةً فردية.
إنه فصلٌ آخر من سلسلة طويلة من الانتهاكات التي تطال المدنيين الفلسطينيين، حيث تتحوّل الطرقات إلى مصائد موت، وتتحول المركبات المدنية إلى أهداف.
إن استهداف عائلة كاملة داخل مركبة مدنية يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، ويكشف عن نمطٍ متكرر من الاستخدام المفرط للقوة ضد المدنيين.
وأمام هذه الجريمة، لا يكفي الحزن، ولا تكفي البيانات الباردة.
إن المجتمع الدولي، ومؤسساته الحقوقية والإنسانية، مطالب اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى بتحمّل مسؤولياته القانونية والأخلاقية.
فحماية المدنيين ليست شعاراً يُرفع في المؤتمرات، بل التزامٌ قانوني نصّت عليه اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني.
إن الصمت أمام هذه الجرائم لا يعني الحياد؛
بل يعني السماح باستمرارها.
مجزرة طمون ليست مجرد خبرٍ عابر.
إنها حكاية أطفالٍ خرجوا ليبحثوا عن ملابس العيد في نابلس …
فعادوا إلى قريتهم “طمون” ملفوفين بالكفن.
ويبقى السؤال الكبير معلقاً أمام ضمير العالم:
كم من الأمهات يجب أن يصرخن “خلاااااص”…
قبل أن يقول العالم …أخيراً .




