منوعات

د. منى أبو حمدية: رمضان خلف القضبان: عزلٌ عن الزمن وكسرٌ للروح

د. منى أبو حمدية 22-2-2026: رمضان خلف القضبان: عزلٌ عن الزمن وكسرٌ للروح

في مشهدٍ يختصر القسوة كلّها، يسأل أسيرٌ فلسطيني محاميه داخل قاعة المحكمة: “اليوم رمضان ولا لسه؟”

السؤال لم يكن عابراً، بل كان صدمةً إنسانية مدوّية.

المحامي خالد محاجنة، محامي هيئة شؤون الأسرى، روى أنه خلال زيارته لأحد الأسرى في سجن جلبوع في اليوم الأول من رمضان، بادره بالتحية: “رمضان كريم، كيف الصيام؟” فجاءه الرد مذهولاً: “اليوم رمضان؟! ما حد قال لنا إنه بدأ.”

المأساة هنا لا تختصر في الجوع، بل في القطيعة مع الزمن ذاته.

أن يُحرم الإنسان من معرفة دخول شهره المقدّس، أن يُعزل عن التقويم، عن الأخبار، عن أي إشارة تدلّه على تعاقب الأيام، فذلك شكلٌ من أشكال الإلغاء المعنوي؛ إذ يتحول الوقت إلى فراغٍ ثقيل، وتذوب الأيام في عتمةٍ بلا ملامح.

رمضان في الوعي الجمعي ليس مجرد امتناعٍ عن الطعام، بل زمنٌ مشترك تتواطأ فيه القلوب على الطمأنينة.

هو صوت الأذان، اجتماع العائلة، لحظة الإفطار التي تحمل معنى الشكر والسكينة. غير أن الزنزانة تعيد تعريف الأشياء:

لا أذان يُسمع، لا تقويم يُعلّق، لا نافذة تطلّ على هلالٍ يبشّر بالبداية.

هناك جدارٌ صامت، وصمتٌ أكثر صلابة من الحديد.

أما الطعام، فالصورة أشد قسوة.

بحسب ما نُقل، لا تتجاوز كمية الأرز اليومية خمسين إلى سبعين غراماً. لا زيادة في رمضان، ولا مراعاة لخصوصية الشهر. يجمع الأسرى وجباتهم الثلاث، ينتظرون بها حتى المغيب، ثم ينقعون الخبز في الماء والأرز ليصنعوا إحساساً هشّاً بالشبع.

الإفطار هنا ليس احتفاءً بانقضاء الصيام، بل محاولةً للبقاء.

هذه الحادثة تكشف بوضوح أن العزل لا يطال الجسد وحده، بل يستهدف الوعي والروح. فحرمان الأسير من معرفة التاريخ، ومن أبسط وسائل التواصل مع العالم الخارجي، يعني تجريده من شعوره بالانتماء إلى دورة الحياة الطبيعية.

الزمن في السجن يصبح أداة ضغط، لا إطاراً للحياة.

ورغم ذلك، يظل في السؤال ذاته بُعد مقاومة.

أن يسأل الأسير عن رمضان، فهذا إعلانٌ ضمني بأن روحه لم تُقهر، وأن ذاكرته ما زالت معلّقة بسماءٍ لا تستطيع القضبان أن تحجبها.

رمضان قد يُمنع صوته،

لكن لا أحد يستطيع أن يمنع حضوره في القلب.

وقد يُحرم الأسير من رؤية الهلال،

غير أن الإيمان يظل نافذته المفتوحة على الضوء.

المشهد ليس تفصيلاً عابراً، بل شهادة على معركةٍ أعمق: معركة الحفاظ على الكرامة الإنسانية في وجه العزل والإلغاء. وفي سؤالٍ بسيطٍ عن بداية الشهر، تتجلى حقيقة موجعة—أن أقسى أشكال السجن هو أن يُنتزع من الإنسان إحساسه بالزمن، ومعه جزءٌ من إنسانيته.

مركز الناطور للدراسات والابحاثFacebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى