أقلام وأراء

د. منى أبو حمدية: حين تقصف الإمبراطورية مراياها: فنزويلا في مرمى قوّة الشر العالمية

د. منى أبو حمدية 4-1-2026: حين تقصف الإمبراطورية مراياها: فنزويلا في مرمى قوّة الشر العالمية
ليست الضربة التي وُجِّهت إلى فنزويلا فعلاً معزولاً عن سياق الهيمنة، ولا رداً أخلاقياً على “جريمة” لم تُثبتها محكمة دولية، ولم تسندها وثيقة قانونية، ولم تُقرّها أي منظومة عدالة مستقلة.
إنها، في حقيقتها، فصل جديد من فصول إدارة العالم بمنطق القوّة، حين تتوهّم الإمبراطوريات أن القصف يمكنه إعادة تشكيل الخرائط، وأن النار قادرة على تعويض غياب الشرعية.
السبب المعلن، كما روّجت له إدارة دونالد ترمب، كان اتهام الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بالتورّط في قضايا تتعلّق بالمخدرات والتهريب والهجرة غير الشرعية.
اتهامات ظلّت في إطار الادعاء السياسي، بلا أدلة دامغة، ولا قرارات أممية، ولا مسار قانوني واضح، سوى خطاب شعبوي اعتادت واشنطن استخدامه كلما احتاجت إلى شيطنة خصم سياسي، وتحويل الخلافات الجيوسياسية إلى ملفات جنائية مفبركة خارج القضاء.
“الأهداف الحقيقية: النفط بوابة الهيمنة”
خلف هذا الغطاء الأخلاقي المزيّف، تختبئ الأهداف الحقيقية للضربة.
فنزويلا، التي تمتلك أحد أكبر احتياطات النفط في العالم، كانت دوماً هدفاً استراتيجياً للولايات المتحدة، لا لشيء إلا لأنها حاولت إدارة ثروتها السيادية بعيداً عن منظومة الإملاءات الأميركية.
إن الضربة تهدف إلى:
•السيطرة على موارد النفط الهائلة والتحكّم بمفاتيح الطاقة في لحظة دولية شديدة الحساسية.
•إعادة تشكيل التحالفات السياسية في أميركا اللاتينية وكسر أي نموذج سيادي يخرج عن معسكر الطاعة.
•توجيه رسالة ردع إلى الدول التي تنسّق مع روسيا والصين، في إطار صراع النفوذ وإعادة توزيع القوة عالميًا.
ولا يمكن فصل هذه السياسات عن الحسابات الداخلية لترمب، الذي سعى إلى تحقيق مكاسب سياسية داخلية عبر استعراض القوّة، وتغذية خطاب الخوف، وتصوير نفسه حارساً مزعوماً للأمن القومي الأميركي، ولو على حساب سيادة الدول وقواعد النظام الدولي.
“فنزويلا وفلسطين: القانون الدولي بدل الاصطفاف”
إن الربط بين فنزويلا وفلسطين لا ينبغي أن يُقرأ من زاوية التحالفات الأيديولوجية أو التعبئة السياسية التقليدية، بقدر ما يجب أن يُفهم من موقع القانون الدولي بوصفه المرجعية التي ما زالت، رغم كل ما أصابها، المعيار الأخلاقي والقانوني الوحيد القابل للاحتكام.
فلسطين، في موقفها السياسي الرسمي، لا تنطلق من اصطفاف جامد مع هذا المعسكر أو ذاك، بل من التمسّك بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، ورفض انتهاك سيادة الدول، أكانت فلسطين نفسها أو أي دولة أخرى تتعرض لعدوان خارج إطار القانون.
أما فنزويلا، فقد وجدت نفسها في دائرة الاستهداف لأنها اصطدمت بمنظومة لا تعترف إلا بالقوّة، ولا ترى في القانون سوى أداة انتقائية تُستخدم ضد الضعفاء وتُعطَّل حين تمسّ مصالح الأقوياء.
لقد أثبتت الوقائع الدولية أن التعبئة الأيديولوجية والدينية لم تعد تحمي المعسكرات السياسية الثابتة، وأن الخطابات الكبرى تفقد قدرتها على الحماية حين تُختبر أمام المصالح الصلبة.
ما يحمي الدول اليوم ليس الشعارات، بل قدرتها على تثبيت موقفها قانونياً، وفضح ازدواجية المعايير، ووضع القوة أمام تناقضها الأخلاقي.
“ما بعد القصف: سقوط الادعاء الأخلاقي”
إن أخطر ما في استهداف فنزويلا لا يكمن في الصواريخ وحدها، بل في تكريس سابقة سياسية تُعيد تعريف الشرعية الدولية بوصفها امتيازاً للقوي، لا حقاً مكفولاً للجميع.
فحين تتحول الاتهامات غير المثبتة إلى ذريعة للضرب، يصبح القانون الدولي نصاً مؤجَّلاً، وتتحول العدالة إلى خطاب موسمي يُستدعى عند الحاجة ويُهمَل عند التعارض مع المصالح.
وهنا، تتقاطع التجربة الفنزويلية مع التجربة الفلسطينية في بعدها القانوني؛ فكلاهما واجه نظاماً دولياً يتقن الحديث عن القانون، ويتقن أكثر تعطيله عند أول اختبار حقيقي.
وفي الختام؛ إن هذه الهجمات على فنزويلا تُعدّ انتهاكاً صارخاً للمواثيق الدولية، واعتداءً مباشراً على سيادة دولة مستقلة، خارج أي إطار قانوني أو أخلاقي.
ودونالد ترمب، في هذا المشهد، لا يظهر كرئيسٍ لدولة تدّعي الديمقراطية، بل كقائد عصابة سياسية، يدير العالم بعقلية القوّة والابتزاز، لا بمنطق القانون والعدالة.
في عالمٍ تحكمه قوّة الشر،
يُدان الضحية لأنه صمد،
ويُكافأ المعتدي لأنه يملك السلاح…
لكن التاريخ، مهما طال الزمن،
لا يخطئ في تسمية الجناة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى