د. منى أبو حمدية: تصفية قضية اللاجئين وإضعاف الصمود الفلسطيني: قانون قطع الخدمات عن الأونروا نموذجاً
د. منى أبو حمدية 6-1-2026: تصفية قضية اللاجئين وإضعاف الصمود الفلسطيني: قانون قطع الخدمات عن الأونروا نموذجاً
في تطور خطير يُمثل تصعيداً استراتيجياً في السياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية، صادق البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) نهائياً على قانون يقضي بقطع إمدادات الكهرباء والمياه عن مكاتب وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في القدس المحتلة، يدخُل القرار حيّز التنفيذ فورياً بعد حصوله على أغلبية واسعة من النواب في القراءة الثانية والثالثة. 
هذا القرار لم يكن تصويتاً عابراً في مؤسسة تشريعية؛ بل جاء في سياق سلسلة من الإجراءات التي تستهدف تقويض عمل الأونروا وتقليص دورها في حياة اللاجئين الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة وخارجها، وهو ما يثير عدة أسئلة سياسية تتعلق بنوايا الاحتلال تجاه قضية اللاجئين الفلسطينية وحق العودة.
الأونروا: هدف استراتيجي في تصفية القضية:
منذ تأسيسها، مثلت الأونروا صمام أمان للاجئين الفلسطينيين، إذ تقدم خدمات أساسية في التعليم، الصحة، الإغاثة، والبنية التحتية، وتُعزز من صمودهم داخل المخيمات والمجتمعات الفلسطينية في الأراضي المحتلة ودول الجوار. يعتبر الكثير من المراقبين أن استهداف خدمات الوكالة يمثل هجمة مركّزة على مفهوم حق العودة نفسه، لأن إضعاف المؤسسة التي تُثبت وجود اللاجئين وحقوقهم التاريخية يسهم في شل حركة المطالبة بحقوقهم الأساسية في السرد السياسي والقانوني الدولي.
إذ ينص القانون الجديد على أن مزودي الخدمات لن يزودوا أي منشآت أو ممتلكات مسجلة باسم الأونروا بالكهرباء والمياه، ما يعني عرقلة العمل اليومي للوكالة، وتقليص قدرتها على تقديم خدماتها الحيوية للاجئين، وفتح المجال أمام السلطة الإسرائيلية للاستحواذ على الأراضي والمساحات التي تستخدمها الوكالة، خصوصاً في القدس. 
ردود فلسطينية ودولية: رفض لتطويق الأونروا:
دائرة شؤون اللاجئين بمنظمة التحرير الفلسطينية أدانت بشدة إقرار مشروع القانون، معتبرة أن خطوة الكنيست تمثل اعتداءً على الأمم المتحدة ومواثيقها، وتحدياً للأعراف والالتزامات الدولية التي تمنح الأونروا حصانات خاصة، وفق ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات حماية المنظمات الدولية. 
وليس الموقف الفلسطيني وحده، إذ أدانت دول ومنظمات دولية هذا القرار باعتباره انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي، لما يمثله من تهديد لقدرة الوكالة على أداء مهامها وتقديم خدماتها الإنسانية، فضلاً عن كونه مؤشراً على حملة ممنهجة لتقويض دور الأونروا.
تحليل سياسي: بين المناورة والتصفية:
يتضح من هذا التحول التشريعي أن هناك أبعاداً سياسية استراتيجية تستهدف تصفية قضية اللاجئين الفلسطينية عبر ضرب المؤسسات التي تدعم صمودهم. فبدلاً من التعامل مع قضية اللاجئين كحق سياسي وتاريخي لا يمكن تجاوزه، تسعى بعض الأجنحة داخل المؤسسة الإسرائيلية إلى تحييد الأونروا من الساحة الفلسطينية، ما يؤثر بشكل مباشر على الهوية الجماعية للاجئين وحقوقهم القانونية والسياسية.
يمكن قراءة هذه الخطوة كجزء من سياسة أشمل تهدف إلى تفكيك المكونات التي تجعل من قضية اللاجئين محوراً لا يمكن تجاهله في أي حل سياسي مستقبلي. فبدون مؤسسة مثل الأونروا قادرة على تقديم الدعم والخدمات، تصبح مخيمات اللاجئين واللاجئون أنفسهم في موقف أكثر ضعفاً، وتترسخ حالة من الانكفاء بدلاً من الاستمرار في المطالبة بحق العودة على أساس القانون الدولي.
كما أنه من منظور سياسي، يعكس هذا القرار تجذر قوى اليمين داخل النظام السياسي الإسرائيلي في رسم سياسات تؤثر بشكل مباشر على حياة الفلسطينيين، ليس فقط في الأراضي المحتلة، بل في البعد التاريخي الأكبر لحقوق اللاجئين التي تم تطويرها من خلال قرارات الأمم المتحدة وميثاقها. 
الصمود الفلسطيني: عامل مواجهة وتحدٍ:
في المقابل، لا يمكن فصل هذه الإجراءات عن صمود فلسطيني مستمر في أنواع مختلفة من المقاومة – سياسية واجتماعية وأخلاقية. فالتعبئة المحلية والدولية للمطالبة بحماية الأونروا واستمرار عملها تعبر عن وعي فلسطيني باتساع رقعة التحولات السياسية التي تستهدف تهميش القضية الفلسطينية. ويشكل التمسك بحق العودة والعمل على إبقاء قضية اللاجئين حية في الذاكرة الوطنية والسياسية الفلسطينية، حجر زاوية في مواجهة سياسات الاستهداف.
في الختام؛ إن إقرار الكنيست قانون قطع الخدمات عن الأونروا ليس مجرد فصل إداري في علاقة بين سلطة وتشريعات؛ بل يمثل مؤشراً سياسياً واضحاً على اتجاه يحاول من خلاله الاحتلال تصفية القضية الأهم في التاريخ الفلسطيني – قضية اللاجئين. وهذه الخطوة تتجاوز البعد الإنساني لتُصبح جزءاً من استراتيجية أوسع لإضعاف الصمود الفلسطيني وإضعاف المؤسسات التي تحافظ على الحقوق الوطنية.
يبقى الرد الفلسطيني، السياسي والمجتمعي، مفتاحاً لمواجهة هذه السياسات، من خلال الحفاظ على الدعم الدولي للأونروا، وتسليط الضوء على الانتهاكات القانونية، وفي تعزيز الوعي بأن قضية اللاجئين ليست أزمة إنسانية فحسب، بل قضية سياسية ذات أبعاد وجودية.



