أقلام وأراء
د. منى أبو حمدية: بين تزوير الرواية وتسييس الحجارة
قراءة علمية في ادعاءات جدعون ساعر حول المناهج التعليمية والآثار الفلسطينية
د. منى أبو حمدية 25-2-2026: بين تزوير الرواية وتسييس الحجارة
في خطابه أمام مجلس الأمن الدولي، قدّم وزير خارجية الاحتلال جدعون ساعر سرديةً متكررة تقوم على اتهام المناهج الفلسطينية بـ”التحريض”، وادعاء “تدمير الآثار اليهودية”. وهي سردية لا تنتمي إلى البحث العلمي بقدر ما تنتمي إلى خطاب سياسي يسعى إلى احتكار التاريخ وتجريم الذاكرة الفلسطينية. ومن موقعي كباحثة في التاريخ والآثار، أرى أن تفنيد هذه الادعاءات يقتضي مقاربة علمية هادئة، تفصل بين المعرفة والأدلجة، وبين البحث الأكاديمي والاستثمار السياسي.
أولاً: ملف المناهج التعليمية — بين التربية الوطنية وتهمة “التحريض”
تُقدَّم المناهج الفلسطينية في الخطاب الإسرائيلي باعتبارها أداة تعبئة أيديولوجية، بينما تتجاهل هذه الرواية السياق الموضوعي الذي تنشأ فيه العملية التعليمية تحت الاحتلال.
1. الإطار المعرفي للمناهج
المناهج الفلسطينية، بوصفها مناهج وطنية لشعب يعيش تحت احتلال عسكري، تتناول:
•التاريخ الوطني الفلسطيني.
•القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
•مفاهيم الهوية والحق في تقرير المصير.
وهذه الموضوعات ليست استثناءً فلسطينياً، بل تشكّل جوهر المناهج في أي دولة تسعى لترسيخ سرديتها الوطنية.
2. بين النقد الأكاديمي والتوظيف السياسي
تخضع المناهج الفلسطينية لمراجعات دورية، كما خضعت لتقارير تقييم دولية متعددة. غير أن المشكلة تكمن في تحويل النقاش التربوي إلى أداة ضغط سياسي، بحيث يُعاد تأطير أي حضور للرواية الوطنية باعتباره “تحريضاً”.
التعليم ليس حياداً تاريخياً مصطنعاً؛ إنه بناء للوعي الجمعي. والوعي الجمعي الفلسطيني لا يمكن فصله عن تجربة اللجوء والاحتلال والاقتلاع. إن مطالبة الفلسطيني بتجريد مناهجه من ذاكرته، هي مطالبة بنزع إنسانيته السياسية.
ثانياً: ملف الآثار — علم الآثار بين البحث والحيازة السياسية
أما الادعاء المتكرر حول “تدمير الآثار اليهودية”، فهو جزء من صراع الرواية حول الأرض والتاريخ.
1. الآثار في فلسطين: طبقات حضارية متراكبة
فلسطين ليست طبقةً أثرية واحدة، بل فسيفساء حضارية تعاقبت عليها حضارات كنعانية، وآشورية، وفارسية، ويونانية، ورومانية، وبيزنطية، وإسلامية، وغيرها.
اختزال المشهد الأثري في حقبة واحدة هو إلغاء لبنية التاريخ ذاته.
علم الآثار الحديث يقوم على مبدأ التراكم الطبقي (Stratigraphy)، أي قراءة الموقع ضمن تسلسله الزمني الكامل. وعليه، فإن أي مقاربة تُقصي طبقة لصالح أخرى هي مقاربة غير علمية.
2. التسييس الممنهج للمواقع الأثرية
شهدت الأراضي الفلسطينية، خاصة في القدس والضفة الغربية، استخداماً مكثفاً لعلم الآثار كأداة إثبات سيادي. وقد حذّرت مؤسسات أكاديمية دولية من مخاطر تسييس الحفريات وربطها بمشاريع استيطانية.
المشكلة ليست في حماية الآثار — فحماية التراث واجب إنساني وأخلاقي — بل في:
•توظيف نتائج الحفريات لخدمة خطاب سياسي أحادي.
•استخدام المواقع الأثرية لتبرير سياسات تهجير أو مصادرة.
•تقديم سردية أثرية انتقائية بوصفها الحقيقة الوحيدة.
3. بين الحماية والتدمير
الحقيقة أن التراث الفلسطيني — بمختلف حقبه — تعرّض لأضرار جسيمة نتيجة الصراعات والسياسات الميدانية. لكن الادعاء بأن هناك سياسة فلسطينية ممنهجة لتدمير آثار دينية أو تاريخية يفتقر إلى الأدلة الأكاديمية الموثقة.
التراث الثقافي في القانون الدولي يُعدّ ملكاً للإنسانية جمعاء، وأي باحث جادّ يعلم أن صونه لا يكون عبر احتكاره، بل عبر إدارته المشتركة وحمايته من التسييس.
ثالثاً: معركة السردية — من يحتكر التاريخ؟
الخطاب الذي قدّمه “ساعر” لا يناقش المناهج أو الآثار بوصفهما حقولاً معرفية، بل بوصفهما أدوات في معركة الشرعية.
فحين يُصوَّر الفلسطيني — حتى في كتابه المدرسي — كخطر، فإن الهدف ليس الإصلاح التربوي، بل نزع المشروعية عن روايته التاريخية.
غير أن التاريخ ليس بياناً سياسياً، والآثار ليست ملكاً لسردية واحدة.
الحجارة لا تتكلم بلغة الأيديولوجيا؛ إنها تتكلم بلغة الطبقات، والسياق، والدليل المادي الأثري.
“حين يُستدعى العلم لمواجهة الادعاء”:
إن الدفاع عن المناهج الفلسطينية ليس دفاعاً عن نصوص جامدة، بل عن حق شعب في صياغة ذاكرته.
والدفاع عن التراث الفلسطيني ليس نفياً لتعدد الحضارات، بل رفضٌ لاختزالها في قراءة أحادية مزيفة.
التاريخ علمٌ يقوم على النقد والمراجعة والتوثيق، لا على الخطابة السياسية.
ومن هنا، فإن الرد الحقيقي على هذه الادعاءات لا يكون بالشعار، بل بالبحث العلمي الرصين، وبإبقاء علم الآثار والتربية في فضائهما الأكاديمي، بعيداً عن محاولات الاحتكار والاستحواذ.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التاريخية أكثر صلابة من أي خطاب عابر، لأن ما يُبنى على الدليل لا تهزّه المنابر.



