د. مروان إميل طوباسي: من فنزويلا إلى فلسطين، الدفاع عن الدولار وتحويل الحروب إلى سياسة في نظام دولي متفكك
د. مروان إميل طوباسي 1-7-2026: من فنزويلا إلى فلسطين، الدفاع عن الدولار وتحويل الحروب إلى سياسة في نظام دولي متفكك
لم يعد ما يُسمّى “بالنظام الدولي القائم على القواعد” سوى غطاءٍ لغوي لمرحلة انتهت وظيفتها التاريخية . فما يتفكك اليوم ليس مجرد منظومة قانونية أو مؤسسات دولية ، بل صيغة كاملة لإدارة التناقضات داخل النظام الرأسمالي العالمي ، تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية لضبط الصراع بين القوى الكبرى لا لحماية الشعوب أو منع الحروب .
إن ما نشهده اليوم وتحديدا بعد إنهيار القطب الاشتراكي كمكون للنظام الدولي ، هو تعبير مباشر عن أزمة نظام اقتصادي رأسمالي راكم الثروة في أيدي قلة من الشعوب وتحديدا بالولايات المتحدة ، لكنه لم يعد قادرا على تحقيق الأرباح عبر الإنتاج والتنمية . وحين يعجز هذا النظام عن التوسع السلمي ، يلجأ إلى التوسع القسري ، ونهب الموارد وإعادة تقسيم العالم
بالقوة .
من هنا، فالحرب والعدوان ليست خللاً طارئاً في هذا النظام ، بل إحدى أدواته البنيوية لإعادة إنتاج السيطرة وتأجيل أزماته العميقة ومحاولات منع التغيير فيه .
حيث يتجلى هذا التحول أولاً في انهيار وهم “القانون الدولي المحايد” ، فهذه القواعد لم تتم صياغتها أصلا لحماية الشعوب ، بل لتنظيم الصراع بين القوى المهيمنة . وحين لم تعد تخدم مصالح رأس المال الإحتكاري ، جرى تجاوزها علناً وبوقاحة ، والانتقال بها إلى منطق العقوبات والحصار ثم العسكرة الغاشمة فالحروب المباشرة أو بالوكالة بوصفها أدوات إدارة للأزمات بدلاً من الدبلوماسية بالعلاقات الدولية .
في هذا السياق ، لا يمكن فصل ما يجري في فنزويلا عن الصراع على النظام المالي العالمي ، وبالتحديد على هيمنة الدولار ، فمنذ ترسيخ نظام “البترودولار” الذي عمل على إنجازه الثعلب الصهيوني “كيسنجر” مع السعودية في سبعينات القرن الماضي ، شكل تسعير النفط بالدولار أحد أعمدة السيطرة والهيمنة الأميركية على النظام المالي الدولي . واليوم فأن أي محاولة للخروج عن هذه المعادلة لا تُقرأ كخيار اقتصادي سيادي ، بل كتهديد إستراتيجي مباشر للولايات المتحدة .
فنزويلا ، التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم ، لم تُستهدف بسبب خطابها السياسي فقط ومواقفها ، بل لأنها سعت إلى استعادة سيادتها على نفطها ومعادنها وتنويع شركائها واستخدام عملات بديلة في جزء من تجارتها خاصة مع الصين وروسيا وغيرها .
وفي هذا الإطار ، تكتسب شهادة الصديق السفير الفنزويلي في فلسطين أهمية خاصة ، حين أشار بحديثه خلال لقاءٍ تضامني جرى معه أمس خلال زيارة عدد من أعضاء “فتح” له ، إلى أن برميل النفط الفنزويلي كان يُباع للولايات المتحدة عبر شركاتها العاملة في البلاد قبل أنتصار الثورة والمشروع اليساري التقدمي بقيادة “هوغو شافيز” ، بسعرٍ رمزي لا يعكس قيمته السوقية . حيث لم تكن تلك معادلة اقتصادية بريئة ، بل نموذجا كلاسيكياً لعلاقة أستعمارية قائمة على نهب الموارد وتحديداً مصادر الطاقة من النفط وصولاً الى الغاز والمعادن اليوم . وما إن حاولت فنزويلا البوليفارية كسر هذه المعادلة ، حتى تحولت من “شريك” إلى “دولة معادية” ، وبدأت العقوبات ثم التهديدات العسكرية ومن ثم ما تم قبل ايام من جريمة اختطاف رئيسها “مودورو” وقتل العديد من العساكر بانتهاك كل الأعراف والمواثيق .
هذا النهج لا يقتصر على فنزويلا التي قدمت كل أشكال الدعم اللازمه لقضية شعبنا ، بل يندرج ضمن عودة فجة إلى “مبدأ مونرو” بصيغته الترامبية المتوحشة ، حيث تتواصل التهديدات الأميركية لكوبا وكولومبيا ودول أخرى في أميركا اللاتينية ، بالتوازي مع سياسات عدوانية تجاه بنما وغرينلاند ومناطق أخرى حول العالم ، في تعبير واضح عن عقلية إمبريالية ترى العالم ساحات نفوذ لا دولاً ذات سيادة .
أما أوكرانيا ، فقد تحولت إلى ساحة استنزاف طويلة الأمد ، تُدار في إطار الرؤية الأميركية القديمة للسيطرة على “منطقة أوراسيا ” كما دعَى لها الصهيوني الأمريكي “بريجنسكي” قبل عقود . فاستمرار الحرب هناك يخدم مبدأ محاصرة روسيا واقتصاد الحرب الغربي ، ويؤجل انفجار الأزمات الأجتماعية داخل أوروبا ، التي تدفع ثمن اندماجها التابع في منظومة حلف شمال الأطلسي ، مع تآكل دولة الرفاه وصعود اليمين المتطرف فيها كنتيجة مباشرة للأزمة لا سببا لها .
ضمن هذا المشهد ، لا يمكن فهم الدور الوظيفي المتقدم لإسرائيل إلا بوصفه جزءًا عضوياً من البنية الإمبريالية الغربية ، والذي أتهمتها القائمة باعمال الرئاسة الفنزويلية أمس بالشراكة بالعدوان الأمريكي . فهي ليست مجرد حليف ، بل قاعدة متقدمة لإدارة السيطرة في منطقة حيوية للطاقة والممرات البحرية والتجارية ، والتي كان لها سابقا دورا في اطار محاولات الانقلاب الأمريكية على الحكومات اليسارية بأمريكا الاتينية .
وفي فلسطين ، يُحرم شعبنا من حقه السيادي في غاز غزة ومياهها الإقليمية ومصادر فلسطين الطبيعية ، وقبل ذلك بحقه في تقرير المصير وفق الإرادة السياسية الأمريكية الإمبريالية التي تستخدم الحصار وعدوان الابادة والحرب الأستيطانية التي تنفذها دولة الأحتلال الإستعماري ، لإعادة تشكيل المجال البحري بما يخدم الشركات العابرة للقوميات وفرض الوقائع الجديدة خدمة “لمشروع أسرائيل الكبرى والشرق الأوسط الجديد ” . وفي لبنان وسوريا والعراق وليبيا ، شكلت السيطرة على النفط والغاز ، أو تعطيل إنتاجه ، أداة مركزية لتفكيك الدول ومنع قيام اقتصادات وطنية مستقلة من خلال حروب حلف الأطلسي واسرائيل ضدها ، ومن ثم “إعادة الإعمار” من جانب تلك الشركات الأحتكارية التي تشكل القاعدة الإقتصادية للأطلسي نفسه .
وفي هذا السياق ورغم استنكار وتنديد عدد من دول الغرب الأوروبي بالجريمة الأمريكية ، يبرز غياب موقف فلسطيني رسمي واضح ومتضامن مع فنزويلا بوصفه مؤشراً مقلقاً . فهذا الصمت الرسمي بمقابل اصوات ومواقف تضامنية مُعلنة من تيارات شعبية من “فتح” وقوى أخرى في منظمة التحرير . هذا الصمت الرسمي للسلطة الوطنية لا يمكن قراءته كحياد ، بل كتغييبٍ لمصدر الهيمنة ذاته الذي يقود العدوان على شعبنا الفلسطيني . إن فصل فلسطين ومواقفها الرسمية عن معارك الشعوب المستهدفة بالسياسات الأميركية يُضعف قضيتنا التحررية من الأحتلال الإستعماري الأحلالي بدل أن يحميها ، ويعزلها عن سياقها الطبيعي كقضية تحرر وطني وجزء من حركة التحرر العالمي السياسية والإجتماعية في مواجهة نظام عالمي قائم على القوة الغاشمة واضطهاد الشعوب لا على القانون والعدالة والحرية .
فهل نريد لمواقفنا الرسمية أن تعتمد ازدواجية المعايير نفسها التي يمارسها الغرب حيال قضيتنا ، ونختار من نؤيد ومن نُدين بحسب مصالح الولايات المتحدة تحت شعارات “البراغماتية او الواقعية السياسية” ؟
الخطر الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في تعدد الحروب التي نشهدها ، بل في تطبيعها بوصفها سياسة قائمة تحدد مسار العلاقات الدولية . فرغم ان العالم لا يعيش بعد حرباً كونية مكتملة الأركان ، لكنه دخل بوضوح مرحلة ما قبل الحرب العالمية، حيث تتفكك قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وتتعدد الجبهات وبؤر التوتر والتي كان اخرها من خلال وكلاء الولايات المتحدة في بحر الصين وجنوب اليمن وأنشاء أرض الصومال ونيجيريا ، وتُدار الصراعات كجزء من إعادة تقسيم النظام الدولي او الحفاظ على احاديته بقوة الهيمنة الأمريكية بتناغم مع “وثيقة أستراتيجية الأمن القومي الأمريكي” التي نُشرت قبل فترة وجيزة . وفي هذا السياق ، يصبح التضامن مع فنزويلا البوليفارية كما مع كل الشعوب المستهدفة التي عاشت مظاهرات الشوارع تضامناً مع شعبنا الفلسطيني وكفاحه العادل ، موقفاً سياسياً تحررياً واعياً ، لا توجهاً أخلاقياً مجرداً فقط ، بل دفاعاً عن السيادة الوطنية للشعوب ، والتي نكافح نحن من أجلها في فلسطين وعن حق الشعوب في الحياة وتقرير المصير بعيداً عن منطق الإستعمار والهيمنة الأحادية والحروب المفتوحة التي لن تجلب سوى أستمرار الظلم التاريخي والدمار للبشرية جمعاء . لكن التاريخ السياسي لا يعرف السكون ولا استمرار طغيان الإمبراطوريات التي سقطت عبر التاريخ ، ما يدعُنا نثق بان التحولات المتسارعة والجارية ستعود على أصحابها ، بأن تصل بنا الى مرحلة جديدة في خدمة قضايا وحقوق الشعوب .
مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook



