أقلام وأراء

د. مروان إميل طوباسي: من الإنطلاقة إلى المؤتمر الثامن، “فتح” أمام إختبار إستعادة المشروع الوطني التحرري

د. مروان إميل طوباسي 3-1-2026: من الإنطلاقة إلى المؤتمر الثامن، “فتح” أمام إختبار إستعادة المشروع الوطني التحرري
في الذكرى الحادية والستين لإنطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة ، لم تعد هذه المناسبة محطة احتفالية أو إستذكار رمزي لتاريخ مضى ، بل تتحول في ظل ما يعيشه شعبنا من حرب إبادة وتوسع أستيطاني ، وتصفية سياسية ومحاولات إعادة هندسة القضية كما المنطقة ، إلى لحظة مساءلة وطنية عميقة ، أين نقف اليوم من سؤال الانطلاقة الأول؟ سؤال التمثيل ، القرار الوطني المستقل ، والمشروع التحرري .
لقد جاءت انطلاقة حركة “فتح” في الأول من كانون الثاني ١٩٦٥ كإجابة تاريخية على فراغ تمثيلي عاشه الشعب الفلسطيني بعد جريمة النكبة والتهجير القسري رغم اهمية تاريخ الحركة الوطنية وتضحياتها زمن الإنتداب البريطاني ، وكتعبير عن وعي جمعي بأن استعادة فلسطين تبدأ باستعادة الإرادة الفلسطينية المستقلة وببناء حركة تحرر وطني قادرة على توحيد الشعب وصياغة مشروعه النضالي . فلم يكن صدفة أن تتحول “فتح” لاحقاً إلى العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية التي كانت قد تأسيت بالقُدس قبل عام من ذلك ، وإلى الإطار الجامع للهوية الوطنية الفلسطينية المعاصرة .
اليوم ، وبعد أكثر من ستة عقود ، يفرض الواقع سؤالاً قاسياً يتمثل في كيفية وصولنا إلى حالة يُناقش فيها مستقبل فلسطين بما فيها غزة المكلومة في العواصم الإقليمية والدولية ، بينما نغيَّب نحن الفلسطينيون عن حقنا في تقرير مصيرنا ؟
بعيداً عن السجالات الداخلية ، أصبح واضحاً أن ما نعيشه ليس مجرد أزمة فصائلية أو خلل إداري ، بل أزمة مجتمع ونخب ومؤسسات تشكّلت تحت سياسة ضربات إستعمارية ممنهجة وخطط مبرمجة لا تقبل فكر التسوية السياسية منذ مؤتمر بازل الصهيوني حتى اليوم .
فالأحتلال الإسرائيلي لم يحتل الأرض فقط كأي إحتلال عسكري مؤقت ، بل عمل كأستعمار أستيطاني في محاولات لان يكون مستدام ، على تفكيك البنى الإجتماعية وضرب المؤسسات الوطنية ، وعلى تجزئة الجغرافيا الفلسطينية ، وعلى إنتاج وقائع سياسية واجتماعية منفصلة أضعفت القدرة على إنتاج تمثيل وطني جامع .
غير أن الإشارة إلى دور الإستعمار الأستيطاني الذي يمثل جوهر هذا الأحتلال والفكرة الصهيونية والتلمودية ، لا يعفينا من مسؤوليتنا الذاتية . بعض النُخب ومراكز النفوذ الناشئة وجزء من المؤسسات الفلسطينية مع اشتراطات التمويل ومع مرور الوقت تكيفت مع هذا الواقع حتى دون أن تَعلم ، وانتقلت من موقع قيادة مشروع تحرري إلى إدارة أزمة مفتوحة ، أو الحفاظ على بقاء سياسي محدود السقف تحت الأحتلال .
هنا فقدت المؤسسات السياسية ، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية التي نشأت لاحقا بحكم أتفاق اعلان المبادئ “أوسلو” الذي استغلته دولة الأحتلال لتجفيف مصادر تجسيد الدولة الفلسطينية ولتبني عليه ما تقوم به اليوم من إستكمال لفكرة الإستعمار الاستيطاني باتجاه تنفيذ “مشروع أسرائيل الكبرى” . وبالتالي فقدت مؤسساتنا جزءًا كبيراً من قدرتها التمثيلية ، ليس فقط بسبب القمع الخارجي واضطهاد الأحتلال ، بل بسبب غياب مشروع وطني تحرري جامع يعيد وصل المجتمع بسياسة الكفاح الوطني المقاوم سياسيا وقانونيا ودبلوماسيا وشعبيا والمشاركة الديمقراطية الواسعة و المسوؤلة وطنياً بالحياة السياسية ، الى جانب عوامل محاولات مصادرة القرار المستقل وإستغلال الورقة الفلسطينية في الجغرافيا السياسية للمنطقة والصراعات الإقليمية التي أحدثها الإستعمار من أجل تفوق أسرائيل والهيمنة الأمريكية من خلال توسعة الاتفاقيات الإبراهمية ومجريات تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد ، والهيمنة على شرق المتوسط والبحر الاحمر ومصادر الطاقة والممرات ، كما وفي محيط المنطقة وفق ما يجري حالياً بسوريا ولبنان واليمن والصومال والسودان والتهديدات بحق الأشقاء بالأردن ومصر كما وبحق إيران أيضا وربما أوسع وفق رأئحة البارود التي يطلقها معاً ترامب ونتنياهو.
من هذه الزاوية ، تصبح أزمة التمثيل نتيجة لفقدان المشروع ، لا سبباً له . فلا شرعية حقيقية دون برنامج تحرري ديمقراطي ، ولا تمثيل فعلي دون قدرة على الفعل والتأثير ، ولا وحدة ممكنة دون رؤية سياسية واضحة تستجيب لتحديات اللحظة التاريخية .
إن سر بقاء واستمرار حركة “فتح” لا يكمن في قوة التنظيم ولا في الرعيل الأول من مؤسسين الفكرة ومن تضحيات قوافل شهداء وأسرى وجرحى الحركة منذ بدايات العمل الفدائي فقط رغم اهمية ذلك ، بل في الفكرة الوطنية التي تمثلها الحركة منذ ان نشأت ، والتي تشكل المنطلق للمشروع الوطني التحرري ، والتي لم تستطع أية حركة أو حزب سياسي التعبير عنها كما عبرت عنها حركة “فتح” باستقلاليتها الوطنية المفترضة وبأشكال المقاومة التي أنتهجتها وفق الظروف المتغيرة ، رغم أهمية ما قدمه شركاء الحركة الوطنية من تضحيات ومن إثراء سياسي في مراحل مختلفة من المسيرة ومن الحفاظ على مكانة منظمة التحرير ، التي يتوجب اليوم أستنهاض دورها والبناء على مكانتها السياسية التمثيلية كجبهة وطنية عريضة من خلال الأسراع في انتخابات مجلسها الوطني .
اليوم ، تكتسب الدعوة والتحضيرات لإنعقاد المؤتمر العام الثامن لحركة “فتح”، المقرر في النصف الأول من العام الجديد ، أهمية أستثنائية . فهذا المؤتمر لا يجب أن يُختزل في كونه استحقاقاً تنظيمياً لتجديد الشرعيات أو إعادة توزيع المواقع رغم اهمية ذلك وفق تقاليد الحركة وأنظمتها ، بل ينبغي أن يُنظر إليه كمحطة وطنية فاصلة ، فإما أن تعيد “فتح” تعريف ذاتها كحركة تحرر وطني ، أو أن تكرّس تحولها إلى إطار إداري مرتبط بسلطة أتفاق الحكم الذاتي المؤقت ومحكوم بالواقع القائم الذي يديره الأحتلال .
إن نجاح المؤتمر القادم يُقاس قبل كل شيء بمخرجاته السياسية والتنظيمية ، لا بشكل انعقاده فقط الذي يجب ان يضمن مشاركة كل مواقع تواجد شعبنا بالوطن والشتات ، ومن كل قطاعاته ، بل ويُقاس ايضاً بقدرته على تقديم مراجعة نقدية جادة للتجربة والمسار ، وتصويب الإختلالات ، وحماية شعبنا وإعادة الإعتبار للديمقراطية الداخلية ولدور القواعد والكوادر والقيادة وأطر الحركة من الأقاليم ، العسكريين المتقاعدين ، المجلس الأستشاري ، الثوري والمركزية اضافة الى الكفاءات ذات التجربة الوطنية ، وصياغة رؤية سياسية تقوم على برنامج وأدوات واضحة تعيد بناء المشروع الوطني على قاعدة التحرر لا إدارة المشاريع الأمريكية الأسرائيلية تحت الأحتلال كقضية سكانية خدماتية في مشروع شبه دويلة منقوصة ، أو الإنصهار فقط في مؤسسات السلطة الادارية . لكن على أسس الديمقراطية القائمة على مبدأ “ان الشعب هو مصدر السلطات” ، لا الخوف منها والتستر خلف قوانين تتعارض مع حقوق المواطنة ومواثيقنا الوطنية ومبادئ حركة “فتح”، بل وحتى مع المعاهدات الدولية الإنسانية التي كنا قد التزمنا بها ، لا الاتفاقيات التي تنكر لها الأحتلال أصلاً ، وهنا أقصد تحديداً تعديلات “المادة ١٦” من قانون أنتخابات الهيئات المحلية التي لا شأن للمواطن فيها بالتزامات المنظمة الدولية من جهة ، باعتبارها مجالس خدماتية وحتى لو كانت سياسية أيضاً ، ولا لمعنى أن يتم أخضاع مكانة منظمة التحرير التمثيلية الشرعية لأستفتاء من خلال طلب تعهدات المرشحين من جهة ثانية .
كما يُقاس نجاح المؤتمر الثامن بمدى قدرة الحركة على استعادة دورها الإقليمي العربي والدولي والتوسع بالعمل مع القوى الديمقراطية والتقدمية والشعبية حيث شكلت “فتح” ومكونات الثورة الفلسطينية حاضنة لحركات التحرر العالمية على مدى عقود مضت ، وعلى إستعادة ثقة الشارع الفلسطيني بعد ملاحظة حجم الهوة ، وخصوصاً قطاع الشباب ، وربط العمل التنظيمي بالفعل المجتمعي والنضالي التحرري وصولاً إلى حقنا الأساسي في تقرير المصير وإنهاء الأحتلال أولاً ، وإقامة الدولة المستقلة ذات السيادة على قواعد من فصل السلطات ومبادئ المواطنة والدولة المدنية الديمقراطية ، وفق ما جاء في نصوص وثيقة إعلان الإستقلال عام ١٩٨٨ .
في الذكرى الحادية والستين للإنطلاقة المجيدة ، تبدو “فتح” أمام إختبار تاريخي جديد ، إما استعادة دورها ومكانتها كحركة تحرر وطني قائدة ، قادرة على المساهمة في إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية شفافة وكفاحية وعلى قاعدة وحدة الأرض والشعب والقرار ، أو ترك الفراغ يتمدد ، وتصبح قضيتنا أكثر فأكثر رهينة لخطط الخارج وإملاءاته .
الإنطلاقة لم تكن ذكرى ، بل فعل ثوري ، والمؤتمر القادم يجب أن يكون فعلاً مماثلاً في ظروف العدوان المفتوح على شعبنا والمتصاعد يومياُ في كل زوايا الوطن وخاصة بالمخيمات واستمراره في غزة ايضاً وبالقتل وبالإقتحامات والأعتقالات والاعتداءات الوحشية على الأسرى ، يعيد لفكرة الإنطلاقة ولمسيرة الثورة والأنتفاضة معانيها ، وللسياسة وظيفتها التحررية لا البراغماتية السياسية المفرغة من النتائج ، ولشعبنا موقعه في قلب القرار الوطني المستقل حتى نكون في “وطن حُر لشعبٍ من الأحرار” ، كما ردد دائماً زعيمنا المؤسس الراحل ياسر عرفات .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى