د. مروان إميل طوباسي: ما بعد الحرب، من يكتب خرائط الشرق الأوسط المُتغير، وأين فلسطين منه؟
د. مروان إميل طوباسي 27-3-2026: ما بعد الحرب، من يكتب خرائط الشرق الأوسط المُتغير، وأين فلسطين منه؟
لم يعد السؤال اليوم من يحقق الأنتصار رغم اهمية ذلك ؟ بل السؤال الأهم لنا هو ، أي شكل من الشرق الأوسط المُتغير سيولد من رحم هذه الحرب التي لم تنتهي بعد ، وأين سيكون موقع فلسطين فيه ؟ فالنتائج لن تبقى محصورة بين اطراف الصراع المباشر ، بل ستنعكس على قضيتنا الوطنية الفلسطينية في وقت تمارس فيه اسرأىيل كل أشكال الأرهاب الأستيطاني والقمع اليومي بحق شعبنا والشعب اللبناني . فإما بتكريس واقع التهميش ، أو بفتح نافذة لإعادة إدراجها في صلب التوازنات الجديدة .
في الحرب العدوانية الجارية حتى الآن ، ومع تصاعد الحديث عن مفاوضات أمريكية–إيرانية ، يبدو أن المعركة الحقيقية لم تعد فقط في الميدان ، بل في القدرة على ترجمة ما يجري فيه إلى شروط سياسية تُفرض على طاولة التفاوض .
في هذا السياق ، يصبح مفهوم “النصر” أكثر تعقيداً . فإيران ، لا تحتاج إلى تحقيق تفوق عسكري شامل كي تُعلن نجاحها ، يكفي أن تُثبت قدرتها على فرض معادلة ردع جديدة ، تُبقي فيها إسرائيل والولايات المتحدة تحت ضغط دائم ، وتفتح المجال أمام تهديد العمق الاستراتيجي لكليهما . مجرد كسر فكرة “الحصانة” أو “التفوق المطلق” يُعد تحولاً بحد ذاته ، حتى لو بقيت موازين القوة التقليدية تميل لصالح الطرف المعتدي .
في المقابل ، فإن “النصر” من منظور إسرائيل والولايات المتحدة لا يتمثل فقط في توجيه ضربات عسكرية ، بل في منع هذا التحول الذي تحاول إيران والمقاومة اللبنانية فرضه من أن يصبح واقعاً دائماً . أي نجاح في احتواء التصعيد ، أو تقليص قدرات إيران ، أو إعادة تثبيت قواعد الاشتباك القديمة ، يُعد إنجازاً استراتيجياً لإسرائيل حتى دون الدخول في التوسع الى حرب شاملة.
لكن الحروب لا تُقاس فقط بحجم الضربات ولا بالسيطرة الجوية ، بل بقدرة الأطراف على الصمود والمقاومة ومحاولات فرض شروطها ، وهنا تبرز الإرادة السياسية كعامل حاسم . فإذا كانت المفاوضات المرتقبة تعكس حاجة أمريكية لضبط إيقاع الصراع وتجنب توسعه لمزيد من الخسائر المركبة العسكرية والأمنية والإقتصادية والسياسية ، فهذا يعني أن الضغط الذي مارسته إيران وحلفاؤها قد حقق جزءاً من أهدافه في مواجهة هذه الحرب الغاشمة .
أما إذا كانت طهران تتجه إلى التفاوض لتفادي استنزاف طويل أو ضربات أكبر ، فإن ذلك يشير إلى حدود قدرتها على الأستمرار .
وفي هذا السياق ، يبرز بُعد آخر لا يقل أهمية ، يتعلق بمن يملك ما يمكن تسميته “هيمنة التصعيد”، أي القدرة على التحكم بسقف المواجهة وتوقيتها وحدودها . فالتصريحات الأمريكية وفي تضاربها من خلال ترامب ، التي تتراوح بين التهديد المفتوح والدعوة إلى التفاوض وفق سياسة العصا والجزرة ، تعكس محاولة لإعادة الإمساك بهذه الهيمنة البشعة ، خصوصاً في ظل نمط سياسي اعتاد تقديم سقوف عالية من القوة الغاشمة والحسم .
غير أن ما يجري مع إيران لا ينسجم تماماً مع النماذج التقليدية للحروب الأمريكية ، كما حدث في العراق وأفغانستان ، حيث كان التفوق العسكري الساحق يفرض مسار الصراع منذ بدايته . ففي الحالة الإيرانية ، تبدو الصورة أكثر تعقيداً ، إذ لا تكتفي طهران بالصمود ، بل تُظهر قدرة على الرد المباشر والمتوازن ورفع كلفته ، سواء من خلال تهديد ممرات استراتيجية كـمضيق هرمز ، أو عبر استهداف مصالح حلفاء واشنطن في الإقليم وبالمقدمة منها إسرائيل وتحديدا في جبهتها الداخلية والقواعد الأمريكية على اراضي عدد من دول الخليج ، الأمر الذي لم يكن متوقعا من حكومة الأحتلال ، وبما يكذب ادعائاتهم بالقضاء على قدرات إيران واخراج المقاومة اللبنانية من المعادلة والتي باتت تحقق اصابات مباشرة بالعمق الإسرائيلي والجيش .
وتشير بعض التقديرات الغربية إلى أن إيران نجحت خلال الأسابيع الأخيرة في استعادة جزء من زمام المبادرة ، مستفيدة من قرارات مبكرة شملت توزيع قدراتها العسكرية وتفويض استخدامها ، بما عزز من قدرتها على الصمود في مواجهة حملة عسكرية كثيفة . كما أن لجوءها إلى ما يُعرف “التصعيد الأفقي”، عبر توسيع نطاق الاستهداف الصاروخي النوعي ليشمل مصالح أمريكية على اراضي أطراف متعددة ضمن المجال الإقليمي ، أسهم في فرض كلفة مباشرة على الولايات المتحدة وحلفائها .
إلى جانب ذلك ، فقد أدركت طهران مبكراً أهمية البعد الاقتصادي ، خاصة في ما يتعلق بالطاقة والمال ، فعملت على إبقاء ممرات حيوية كـمضيق هرمز تحت التهديد ، بما ساهم في توسيع نطاق الصراع ليأخذ طابعاً يتجاوز الجغرافيا الإقليمية نحو تأثيرات عالمية تمس البترودولار والنظام المالي الأحادي ، مانحاً إياها أدوات إضافية للمناورة رغم محدودية مواردها مقارنة بخصومها . وهنا تتحول الطاقة إلى أداة ضغط متبادلة ، لا تقل أهمية عن الصواريخ النوعية المستخدمة . فإيران تملك القدرة على تهديد أحد أهم الممرات البحرية في العالم والمنشآت الحيوية لإسرائيل ، فيما تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى ضمان أمن التدفقات النفطية والطاقة والكيماويات بشكل عام ومنع استخدام هذا الملف كورقة ابتزاز استراتيجية .
هذا النمط من التفاعل يعكس تحولاً أعمق في طبيعة الصراع ، حيث لم يعد الطرف الأضعف يكتفي بالتحمّل أو مواجهة حرب غير متكافئة مع اكبر قوة عسكرية بالعالم فقط ، بل بات قادراً على منافسة قوة كبرى ضمن معادلة ردع متبادلة ، تفرض قيوداً حقيقية على قراراتها وتثير جدلا داخليا حول اهداف الحرب بالولايات المتحدة واسرائيل . وهو ما قد يشير إلى بداية مرحلة دولية أكثر تعقيداً ، تتراجع فيها فكرة الهيمنة الامريكية المطلقة لصالح توازنات لربما مختلفة وأكثر تشابكاً ، بما ينعكس من جهة اخرى على التحولات الدولية الجارية اليوم .
غير أن البعد الأهم يتجاوز طرفي الصراع المباشرين ، ليطال شكل الإقليم ككل ، فالحروب غالباً ما تعيد إنتاج النظم الإقليمية . فإذا أفضت هذه الحرب إلى شرق أوسط أكثر تفككاً وهشاشة ، فإن إسرائيل قد تجد في ذلك فرصة لتعزيز موقعها كقوة مهيمنة من خلال تنفيذ مشروع “اسرأئيل الكبرى” . أما إذا أسهمت هذه الحرب في تكريس توازنات جديدة تفرض حضور قوى إقليمية أخرى ، فإننا نكون أمام بداية تآكل فعلي لفكرة الهيمنة المطلقة التي اعتادت إسرائيل ممارستها ، وبالتالي تقويض مشروعها .
إلى جانب ذلك ، لا يمكن إغفال “حرب الصورة” التي لا تقل أهمية عن الميدان ، فصورة إسرائيل كقوة لا تُردع ، وصورة الولايات المتحدة كضامن نهائي للتوازنات ، تعرضتا لاختبارات جدية . أي اهتزاز في هذه الصور يُعد خسارة استراتيجية ، حتى وإن لم يُترجم مباشرة إلى هزيمة عسكرية ، وهو أمر يضاف إلى ما لحق بصورتهما أمام العالم خلال عدوان الإبادة بحق شعبنا في غزة وما ادى الى العزلة النسبية القائمة .
في المحصلة ، كل ما سبق يشكل محاولة لأجابة تحليلية أولية على السؤال المركزي ، أي شكل من الشرق الأوسط المتغير سيولد ، وأين ستكون فلسطين فيه؟ ومن ينجح في تحويل مجريات الحرب أو إنجازاته المحدودة إلى مكاسب سياسية دائمة ، ويُسهم في رسم معالم هذا الشرق الأوسط المُتغير ، يكون قد حقق النصر . أما الخاسر ، فليس من يتراجع في الميدان فقط ، بل من يجد نفسه مضطراً للقبول بشروط لم يكن ليقبل بها قبل اندلاع الحرب التي قام بها بالأصل ، أو خارج معادلات الإقليم التي ستتشكل بعد انتهائها .
وهكذا ، يبقى السؤال مفتوحاً ، كما يجب أن يكون ، في انتظار ما ستكشفه الأيام القادمة عن موازين القوى والتوازنات الجديدة في ظل حديث عن مواقف صينية وروسية تجري بصمت لأستنزاف الولايات المتحدة الى جانب مواقف أوروبية لا تحمل التبعية العمياء لواشنطن ، مع التأكيد على أن فلسطين لن تكون مجرد متفرج في هذا المسرح ، بل ستكون جزءاً من أي معادلة استقرار أو صراع . وبالتالي هنا تكمن اليوم ضرورة اعداد الرؤية والاستراتيجية الفلسطينية المطلوبة بما يحقق مشروعنا التحرري امام ما يجري .



