د. محمد الرميحي: إسرائيل وأرض الصومال

د. محمد الرميحي 3-1-2026: إسرائيل وأرض الصومال
إعلان إسرائيل الاعتراف بـ«أرض الصومال»، بوصفها كياناً منفصلاً عن الدولة الصومالية، يطرح سؤالاً يتجاوز الجغرافيا الأفريقية إلى قلب إشكال الدولة في الشرق الأوسط والعالم النامي. فإسرائيل ليست دولة منتمية إلى القانون الدولي في سياستها الخارجية، ولا تتحرك بدوافع أخلاقية أو قانونية، بل وفق منطق المصلحة الصرفة. لكن السؤال ليس لماذا تفعل إسرائيل ذلك؟ بل لماذا تجد الساحة مهيأة لمثل هذا الفعل؟
الإجابة المباشرة في فشل الدولة، منذ الشقاق بين الصومال وأرض الصومال، بعد انهيار الحكم المركزي في (جمهورية الصومال)، وإعلان استقلال أرض الصومال عام 1991، وإجراء استفتاء وافقت فيه الأغلبية على (الاستقلال/الانفصال)، ولم يعترف العالم بذلك، ولكنه لم يتحرك أيضاً، حتى جاء الاعتراف الإسرائيلي في ديسمبر (كانون الأول) 2025. نحن نتحدث عن ستة وعشرين عاماً تقريباً من ذلك الانفصال، دون حراك جدي لرأب الصدع!
إسرائيل منذ تأسيسها، اعتمدت استراتيجية تقوم على النفاذ إلى مناطق الهشاشة السياسية، واستثمار الفراغات في الجوار، التي تتركها الدول الضعيفة أو المنقسمة. هي لا تصنع الشقوق ، لكنها بارعة في توسيعها والنفاذ منها في الوقت المناسب لها، سواء كانت شقوقاً طائفية أو إثنية أو مناطقية أو ناتجة عن انهيار فكرة الدولة نفسها. هذه السياسة ليست سراً، بل نمط متكرر في سلوكها في الشرق الأوسط وأفريقيا.
غير أن حالة الصومال تفرض مفارقة لافتة. فالصوماليون، بخلاف مجتمعات كثيرة في منطقتنا، لا يعانون انقساماً طائفياً أو دينياً، ولا اختلافاً لغوياً أو إثنياً حاداً. المجتمع الصومالي من نسيج واحد تقريباً من حيث اللغة والدين والهوية العامة. ومع ذلك، فشلت الدولة، وتفككت السلطة المركزية، بسبب فشل النخبة في إدارة الدولة الاتحادية .
عدد من التفسيرات بدأت تظهر على السطح تحاول قراءة المشهد الصومالي، كثير منها ذهب إلى (اليد الخفية الخارجية) وشهية إسرائيل في التطبيع، أو غير ذلك من التفسيرات، ورغم أنها تبدو مقنعة في مجملها، لكنها تتجاوز الإشارة إلى (فشل قيام الدولة الوطنية الجامعة) بعد التخلص من الاستعمار، وأنانية النخب في الحكم، بصرف النظر عن الضرر الذي يصيب جوهر الدولة.
الأمثلة أمامنا واضحة في تدخل إسرائيل لتوسع الشق الوطني، على رأس ذلك تشجيع الانقسام بين غزة والضفة، الذي أصبح معلوماً للكافة، في لبنان استثمرت إسرائيل التعدد الطائفي لتكريس ثنائية الدولة – الحزب، وضربات محسوبة لا تسقط «حزب الله» لكنها تضعف الدولة. وفي سوريا مازالت هناك قضايا في خانة (اللاحسم) ولا بدَّ من حسمها من أجل أن تبقى سوريا ذات سيادة جامعة. في يجري تحويل العراق إلى ساحة تصفيات إقليمية، ويجمع اليوم أهل البصرة في الجنوب تواقيع كي يشكلوا (إقليماً) مشابهاً للإقليم الكردي في الشمال! في السودان تقيم إسرائيل علاقات مع أطراف النزاع، مع اهتمامها بموانئ البحر الأحمر. في إثيوبيا علاقات وثيقة مع رفع مستوى التوتر مع دول مصب النيل (السودان، ومصر)، الهدف من كل ذلك هو إضعاف الدولة المركزية، وتوسيع الشرخ بين القوى السياسية والمجتمعية، مستفيدة من: إما شهية مجموعات للسلطة أو غباء سياسي قصير النظر.
إسرائيل تستفيد من الواقع العالمي الذي يمر بسيولة شديدة، لكنها لم تخلقه. الفشل الحقيقي يكمن في عجز الدولة الوطنية عن بناء عقد اجتماعي متوافق، يشعر فيه المواطن بأن الدولة تمثله وتحمي مصالحه، عندما تغيب هذه القناعة، يصبح البحث عن بدائل أمراً مفهوماً، حتى لو كانت هذه البدائل خارجية أو مثيرة للجدل.
في الشرق الأوسط، درجنا على تفسير كل تدخل خارجي بأنه مؤامرة، ونسينا أن المؤامرات لا تنجح إلا في البيئات الهشة. الدولة القوية بمؤسساتها، لا تُخترق بسهولة. أما الدولة التي تقوم على القسر، أو المحاصصة، أو الغلبة، فإنها تفتح أبوابها بنفسها للتدخلات الخارجية.
الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، لا يغيّر كثيراً في الوضع القانوني الدولي، لكنه يحمل دلالة سياسية. رسالة تقول إن الشرعية لا تعد حكراً على الدولة المركزية، إذا فقدت قدرتها على إدارة أراضيها ومجتمعها. وهذا منطق خطير، لكنه منطق بات حاضراً في النظام الدولي، حيث تُكافأ الوقائع على الأرض، أكثر مما تُحترم النصوص القانونية.
الأخطر من الخطوة الإسرائيلية نفسها هو استعداد بعض الكيانات الداخلية للارتهان للقوى الخارجية، بدل العمل على إصلاح الداخل. هذا السلوك ليس حكراً على الصومال، بل نراه في أكثر من دولة عربية، حيث تتحول الخلافات السياسية إلى مشاريع انفصال، أو طلب حماية خارجية، أو تدويل للأزمات المحلية. في هذه اللحظة، تفقد الدولة معناها، ويتحول الوطن إلى ساحة مفتوحة للمصالح المتقاطعة.
القضية إذن أعمق من إسرائيل وأرض الصومال. إنها تعبير عن أزمة كثير من الدول في عالمنا، دول لم تنجح في التحول من سلطة إلى مجتمع سياسي، ومن حكم إلى شراكة، ومن غلبة إلى توافق.
آخر الكلام: الشقاق الوطني أهم سلاح يمنح للخصوم دون مقابل!.



