أقلام وأراء

د. محمد أبو رمان: الوقت عاملاً حاسماً

د. محمد أبو رمان 15-3-2026: الوقت عاملاً حاسماً

استطاع الحرس الثوري الإيراني إفشال الفرضيات الرئيسة التي راهن عليها البيت الأبيض في إحراز انتصارٍ سهلٍ وكبير على إيران، ويبدو أنّ المطبخ العسكري الإيراني كان قد أعدّ بصورة واقعية كبيرة لسيناريوهات الحرب، وتعامل بصورة مختلفة عن المراحل السابقة مع الاختلال الكبير في موازين القوى، ودخل هذه الحرب وهو يدرك تماماً ما هو ممكن وما هو غير ممكن من جهة، وبمنطق الحرب الوجودية بمعنى الكلمة من جهةٍ ثانية، وقد تولّى مقاليد القيادة الفعلية في طهران.

المفارقة أنّ لدى كلٍّ من الحرس الثوري ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تصوّرات واضحة لمعنى الحرب الوجودية والأهداف المطلوبة في المرحلة المقبلة. فمن جهة الحرس الثوري، بقاء نظام ولاية الفقيه ومنع انهياره أو تضعضع منظومة القيادة والسيطرة، والإمساك بالجبهة الداخلية، الهدف الرئيس. وهو يعلم تماماً أنّ طريقة واحدة لتحقيق هذا، توسيع دائرة الحرب وتحمّل كلفتها الكبيرة، وتحويلها إلى حرب استنزاف، من خلال توسيع نطاق الصراع واستهداف المصالح الأميركية في المنطقة بصورة كاملة، وضرب مضيق هرمز بما ينعكس على أسعار الطاقة ويؤثر في الاقتصاد العالمي والاقتصاد الأميركي، ما يُحدِث حالة من التردّد والقلق لدى إدارة ترامب التي تواجه في نهاية العام انتخاباتٍ نصفيةً مهمّة، وتبدو موازينها متقاربة بين الجمهوريين والديمقراطيين.

وبمنطق تفكير الحرس الثوري، سيحدّ القبول بالشروط الأميركية والتركيز فقط على إسرائيل كثيراً من قدرة إيران على إيجاد نوع من التوازن في موازين القوى. وبالرغم من حجم المشكلة الكبيرة التي ترتبت عن علاقتهم بدول الخليج، هذه الكلفة بالنسبة إلى قادة الحرس الثوري أقلّ من كلفة الاكتفاء بضرب إسرائيل وتحجيم الأهداف وحجم الضرر الذي يمكن إلحاقه بالبيت الأبيض وبحسابات ترامب في الحرب ونتائجها السياسية. لذلك، بالرغم من محاولات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي لضبط العلاقات الخارجية وترميم العلاقة مع دول الخليج، الحرس الثوري مصمم على السيناريو الحالي للحرب، ليتمكن من إيجاد طريقة للضغط على ترامب والبيت الأبيض.

أما نتنياهو، فإنّ ضرب إيران بالنسبة إليه مسألة مصيرية على أكثر من مستوى. وإنْ كانت فرضيات استثمار المعارضة الداخلية الحرب الراهنة لإسقاط النظام قد تراجعت وضعفت، فإنّ هدفه الرئيس هو القضاء الكامل على القدرة الصاروخية والنووية الإيرانية وإيقاع أكبر ضرر ممكن بإيران، لأنّ فرصة وجود ترامب في البيت الأبيض لن تتكرّر، ولأنّ الظروف الإقليمية الراهنة بيئة مناسبة تماماً لإنجاز هذه المهمّة، بالإضافة إلى الحسابات الداخلية المتعلقة بالانتخابات وبصورة البطل التاريخي، وارتباط ذلك كله بتغير النظرية الأمنية الإسرائيلية التي أصبحت تقوم على الهيمنة والنفوذ بدلاً من الردع والدفاع.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو اللاعب الوحيد الذي لا يملك تصوّرات واضحة ولا خطّة خروج من الحرب بصيغة سياسية تعزّز سردية الانتصار والبطولة. وحتى إن حاول مع فريقه التمويه في تأطير الأهداف السياسية من الحرب، فإنّ الخروج منها ليس كالدخول إليها. وعامل الوقت يضغط عليه بصورة كبيرة، بخاصة إذا ما استمرّت أسعار الطاقة في الارتفاع وانعكس ذلك، كما بدا في الأيام الماضية، بقوة على الشارع الأميركي، مع وجود معارضة داخلية شديدة لدخول الحرب وتشكيك بأهدافها، حتى في أوساط الحزب الجمهوري وحركة “ماغا”، بل حتى داخل البيت الأبيض نفسه.

إذاً، سيكون موقف ترامب حاسماً في مسألة نهاية الحرب وبناء النتائج السياسية لها. وهو الأكثر ارتباكاً بين أطراف الحرب الرئيسية، لأنه دخل الحرب وفي رأسه سيناريو فنزويلا، بالرغم من تأكيد تقارير إعلامية أنّ تقارير المخابرات الأميركية والبنتاغون كانت تستبعده. لكن ثقته بنتنياهو ومنطقه كانت أقوى من مؤسّساته وأجهزته. والطريف في ذلك كله أنّ من الصعب التكهن بقراراته ومواقفه ومشاعره المتقلبة التي تؤثر كثيراً في اتجاهات الصراع في المرحلة المقبلة.

مع ذلك، لا تزال النتائج السياسية ضبابية. فبالرغم من دخول إيران بكل قوتها في الحرب ضد القوة العظمى، وبالرغم من أنّ سيناريو الانهيار الداخلي غير مرئي في اللحظة الراهنة، إلا أنّ تطورات العمليات العسكرية تبقى عاملاً حاسماً، بخاصة في ما يتعلق بمستوى القدرة الصاروخية الإيرانية ومخازن الصواريخ، وقدرة إيران على الاستمرار في هذا السيناريو بالزخم نفسه والقوة نفسها.

في الخلاصة، عامل الوقت، وإنْ كان يعمل حالياً في مصلحة الحرس الثوري، فإنه في حال قرار ترامب البقاء في المواجهة العسكرية وزيادة وتيرتها، قد يتحول إلى عامل ضغط أكبر على إيران وإسرائيل أيضاً، فالنتائج السياسية، وهي الأهم، لا تزال معلّقة بمسارات الحرب وأسرارها.

 

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى