د مجدي جميل شقوره: بين الخطاب و واقع الصواريخ”: إلى أين تتجه أزمة القيادة في الكيان؟
د مجدي جميل شقوره 22-3-2026: بين الخطاب و واقع الصواريخ”: إلى أين تتجه أزمة القيادة في الكيان؟
في خضم واحدة من أعقد الأزمات التي تواجه إسرائيل في تاريخها الحديث، لم يعد الجدل الداخلي مجرد تباين سياسي بين حكومة ومعارضة، بل تحول إلى أزمة ثقة عميقة تمس جوهر مفهوم “الأمن” الذي شكّل لعقود حجر الأساس في شرعية القيادة. فبينما يواصل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تقديم خطاب يقوم على الحسم والانتصار، يتشكل على الأرض واقع مغاير، حيث تتعرض الجبهة الداخلية لضغوط متزايدة نتيجة التهديدات الأمنية المستمرة.
هذه الفجوة بين الخطاب والواقع لم تعد مسألة إعلامية، بل باتت عنصرًا حاسمًا في إعادة تشكيل وعي الجمهور. فحين يشعر المواطن بأن وعود “الردع الكامل” لا تنعكس في حياته اليومية، تتآكل الثقة تدريجيًا، ليس فقط في الحكومة، بل أيضًا في المؤسسة الأمنية التي طالما اعتُبرت الضامن الأساسي للاستقرار. وهنا، تتحول الأزمة من تحدٍ أمني إلى إشكالية بنيوية في العلاقة بين القيادة والمجتمع.
في المقابل، تجد المعارضة، بقيادة شخصيات مثل يائير لابيد وبيني غانتس، فرصة لإعادة تموضعها، ليس فقط عبر النقد السياسي التقليدي، بل من خلال تبني خطاب يركز على “استعادة الثقة” كمطلب مركزي. ومن المتوقع أن يتصاعد هذا الاتجاه ليترجم إلى ضغوط متزايدة نحو انتخابات مبكرة أو إصلاحات تحدّ من صلاحيات الحكومة في إدارة الملفات الأمنية الحساسة دون رقابة أوسع.
أما على المستوى الاستراتيجي، فإن ما يُعرف بعقيدة “الردع” يمر بمرحلة اختبار غير مسبوقة. إذ لم تعد التفوق العسكري والتكنولوجي كافيين لضمان شعور داخلي بالأمان، خاصة في ظل تغير طبيعة التهديدات. وهذا التحول يفرض على صناع القرار إعادة التفكير في مفهوم الأمن، بعيدًا عن الافتراضات التقليدية التي قامت على فكرة الحسم السريع والسيطرة الكاملة.
اللافت أيضًا هو التشابه في أنماط القيادة الشعبوية بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب، حيث يُستخدم الخطاب الحازم كأداة لتعزيز الشرعية السياسية، حتى في ظل نتائج ميدانية معقدة. غير أن هذا النموذج يواجه تحديًا متزايدًا حين يصطدم بواقع لا يمكن إعادة تشكيله عبر الخطاب وحده، ما يفتح الباب أمام تحولات سياسية قد تعيد رسم ملامح القيادة في المرحلة المقبلة.
داخليًا، قد يؤدي استمرار هذا التناقض إلى تعميق الانقسامات داخل المجتمع، خاصة في المناطق الأكثر تعرضًا للتهديدات، حيث يتزايد الشعور بأن الاعتبارات السياسية تتقدم على الأولويات الأمنية المباشرة. ومع مرور الوقت، قد يتحول هذا الشعور إلى عامل ضغط حاسم يفرض تغييرًا في موازين القوى السياسية.
في المحصلة، تقف إسرائيل أمام مفترق طرق: إما إعادة مواءمة الخطاب مع الواقع من خلال سياسات أكثر واقعية وشفافية، أو الاستمرار في فجوة قد تقود إلى تداعيات سياسية وأمنية أعمق. وبين هذين المسارين، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع القيادة استعادة ثقة الداخل، أم أن التحولات الجارية ستفرض نموذجًا جديدًا للحكم والأمن في المرحله القادمه.
مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook



