أقلام وأراء

د مجدي جميل شقوره: الخيول العربية، سروج بلا فرسان: في زمن استُبدلت فيه القيم بالشعارات

د مجدي جميل شقوره 3-1-2026: الخيول العربية، سروج بلا فرسان: في زمن استُبدلت فيه القيم بالشعارات

في ساحة صامتة، يقف جواد عربي أصيل، سَرجُه فارغ، وعيناه تنظران إلى أفقٍ لا يبدو عليه أثر لصاحبٍ ينتظره. هذا المشهد ليس مجرد صورةً عابرة، بل هو استعارة كاشفة لواقعنا الإنساني الحاضر؛ واقعٍ أصبحت فيه الخيول – رمز الأصالة والوفاء – أكثر وفاءً من فرسان العصر الحديث.

إننا نعيش في زمنٍ تُختزل فيه العُروبة والكرم والفروسية إلى “هاشتاغات” تُغرّد وتُنسى، بينما تتحول القيم التي تشكلت عليها حضاراتنا إلى أطيافٍ في متحف الذاكرة. تسارع التحوّلات لم يأتِ بالحداثة فقط، بل جرف معه المعايير الثابتة، لتصبح المفاهيم الأصيلة لغاتٍ ميتةً نتغنى بها في المحافل، لكننا نتخلى عنها عند أول مفترق مصلحة.

المفارقة الكبرى تكمن في أن الخيول العربية، بتكوينها البيولوجي الثابت، ما زالت تحمل في جيناتها نفس الشجاعة والصلابة والوفاء الذي عُرفت به عبر آلاف السنين. بينما الإنسان، الذي منحته الحضارة العقل والاختيار، أصبح يتنازل عن جوهره الأخلاقي بسهولة مُذهلة. لقد تخلّى فرسان هذا الزمن عن المعنى الحقيقي للفروسية: الوقوف عند المبدأ عندما يتخلى الجميع، والثبات على العهد عندما يصبح الوفاء تكلفة، والصدق عندما يكون الكذب هو العملة السائدة.

لم يعد الأمر مجرد تغيّر في العادات، بل هو اختراق للجوهر. فالخيانة اليوم تُبرَّر تحت مسمّى “الواقعية”، والانتهازية تُقدّم على أنها “ذكاء عملي”، والتنازل عن المبادئ يوصف بـ”المرونة”. وفي المقابل، يُتَّهم الثابتون بالجمود، ويُوصَف الصادقون بالسذاجة، ويُحاصَر الوفاء بشبهات المصلحة. لقد تم تسليع القيم، وتحويلها من سلوك ذاتي إلى أداء مسرحي يُقاس بعدد الإعجابات والتعليقات.

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا استطاعت الخيول الحفاظ على أصالتها بينما فشلنا نحن؟

الإجابة ربما تكمن في أن الخيول لم تتعلم فن المساومة على الجوهر. فهي لم تفقد فرسانها لأنهم سقطوا في ميدان الشرف، بل لأن كثيرين منهم فضّلوا النزول اختياراً، وارتضوا السلامة الشخصية على شرف المواجهة. الخيول ما تزال على أهبة الاستعداد، تَركض بنفس القوة، وتحت نفس الشمس، لكنها تجد أن السُّروج خاوية، والرايات مهترئة، والأيدي التي كانت تحملها أصبحت مشغولة بصفقاتٍ أخرى.

إن ما نواجهه اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو زلزال أخلاقي يهزّ أساسات المجتمع الإنساني. حين يصبح الصدق مخاطرة، والوفاء عبئاً، والمبدأ عقبة في طريق الترقّي، فإننا لا نفقد القيم فحسب، بل نفقد مبرر وجودنا ككائنات تحمل مسؤولية الخلافة على هذه الأرض. عندها لا يعود السؤال التقليدي: “أين الفرسان؟”، بل يتحول إلى تساؤل وجودي أكثر مرارة: “هل ما زلنا نؤمن بأن الفروسية – كموقف أخلاقي – ضرورة، أم أنها أصبحت رفاهية تاريخية يمكن الاستغناء عنها؟”.

ربما يكون هذا المشهد المؤلم هو الدفعة التي نحتاجها لاستعادة الوعي. فالأصالة لا تُسترد بخطبٍ رنّانة، والوفاء لا يُثبت ببياناتٍ رسمية. الأصالة تُمارس في الغرف المغلقة عندما لا يراك أحد، والوفاء يُظهر حقيقته عند الغدر لا عند الوفاق. البطولة الحقيقية لم تعد في رفع السيف، بل في رفض المساومة على الكرامة، والحفاظ على النقاء الداخلي في عالمٍ يبيع كل شيء.

حتى يأتي اليوم الذي نستعيد فيه وعينا الجمعي، ستظل الخيول العربية واقفةً في ساحات الصمت، تذكّرنا – بوجودها الأصيل – بأننا كنا يومًا نملك معنى، وأن هذا المعنى لم يكن أسطورة، بل كان خيارًا. وأن السروج لن تظل فارغة إلى الأبد، طالما بقي في النفوس ذرة إيمان بأن بعض القيم تُركَب… ولا تُباع.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى