د مجدي جميل شقورة: ولادة وعي جديد في زمن المواجهة
د مجدي جميل شقورة 10-3-2026: ولادة وعي جديد في زمن المواجهة
تمر المنطقة اليوم بلحظة نادرة من التاريخ، حيث لم تعد الحروب تُقاس بمجرد المواجهات العابرة أو الاتفاقيات المؤقتة، بل أصبحت محطات فاصلة تعيد تشكيل الوعي وترسم خرائط القوة من جديد. ما تشهده فلسطين وما حولها بعد أحداث عملية طوفان الأقصى ليس مجرد صراع محدود، بل تحول جوهري يكشف عن مرحلة جديدة تتشكل ملامحها وسط الدمار والتضحيات. إنها لحظة تاريخية تطرح أسئلة الكرامة والسيادة والحق، وتفتح الباب أمام وعي جديد لدى الشعوب التي عاشت طويلاً تحت وطأة الاحتلال والصراعات المستمرة.
لقد كشف المشهد الراهن عن هشاشة الصورة التي حاول الاحتلال ترويجها عن سيطرته المطلقة. لم يعد ميزان القوة ثابتاً، بل أصبح إرادة الشعوب وثباتها هما العامل الحاسم في الحفاظ على الحقوق والوجود.
كما أن استمرار هذا الوعي العالمي الذي تشكل في الرأي العام الدولي يحتاج إلى إدارة دقيقة من القيادة الفلسطينية، كونهم أصحاب الدور الأساسي في الترويج للرواية الفلسطينية. ويستلزم ذلك سفارات نشطة وسفراء فاعلين قادرين على إيصال القضية بوضوح وحماية المصالح الوطنية في المحافل الدولية، لضمان أن تظل الرواية الفلسطينية حاضرة في الوعي العالمي وليست مجرد حدث عابر.
كذلك كشفت الأحداث عن ترابط قوي بين ساحات الصراع المختلفة في المنطقة، من فلسطين إلى لبنان وإيران واليمن والعراق، ما أوجد شبكة تفاعلات سياسية وأمنية متشابكة يصعب فصلها عن بعضها البعض. هذا الترابط، مع الوحدة الشعبية المتنامية، يشكل سداً منيعاً أمام مشاريع التفتيت والتجزئة ويعكس إرادة جماعية متماسكة حيث المصير واحد والعدو واحد، والدماء الزكية التي تختلط في الأرض تصنع شجرة عز لا تذبل.
إلى جانب المعركة السياسية والدبلوماسية، برزت معركة أخرى لا تقل أهمية، وهي معركة الوعي والرواية. فقد شهدت عواصم عالمية مظاهرات دعم واسعة، وعاد النقاش حول الاحتلال وحقوق الإنسان إلى الواجهة في الإعلام والجامعات والرأي العام الدولي. هذا الانبعاث في الضمير العالمي يشكل ضغطاً على السياسات الدولية ويعيد القضية الفلسطينية إلى قلب الاهتمام العالمي، مؤشراً إلى أن الرواية العربية والإسلامية تستعيد حضورها الأخلاقي والسياسي.
أما التحول الأعمق فيكمن في الداخل، حيث تصنع الظروف الصعبة أجيالاً أكثر وعياً وصلابة. فقد نشأ في فلسطين ومناطق أخرى جيل عاش الحصار والضغوط اليومية، لكنه اكتسب شعوراً عميقاً بالانتماء والثبات. هذا الجيل لا يرى في التضحيات نهاية الطريق، بل جسراً لعبور مرحلة جديدة نحو مستقبل مختلف، مستقبل يتجذر في الأرض ويستمد قوته من الإرادة والصمود.
من المبكر الجزم بما ستؤول إليه التطورات في السنوات القادمة، غير أن المؤشرات توحي بأن المنطقة تتجه نحو مرحلة مختلفة تعيد صياغة مفاهيم القوة والردع، وتجعل القضية الفلسطينية حاضرة في وعي الشعوب والعالم. التحولات الجارية ستؤثر في مسارات سياسية عديدة، وتدفع نحو مراجعات أعمق في طريقة إدارة الصراعات، وتعيد تعريف العلاقة بين الأرض والإنسان وبين الإرادة والحق.
ما يحدث اليوم ليس مجرد نهاية صراع، بل بداية فصل جديد في تاريخ المنطقة. فالتاريخ غالباً ما يتقدم عبر لحظات صعبة تعيد ترتيب الأولويات وتكشف عن طاقات الشعوب الكامنة. وبين الألم والأمل تتشكل ملامح مرحلة جديدة قد تعيد تعريف العلاقة بين الأرض والإنسان، وبين الإرادة والحق. وفي نهاية المطاف يبقى مستقبل المنطقة مرتبطاً بإرادة شعوبها وقدرتها على الصمود والبناء، لأن التاريخ لا يكتبه الأقوياء بالقوة وحدها، بل أيضاً أولئك الذين يملكون الإيمان العميق بحقهم في الحياة والحرية.



