د. مجدي جميل شقورة: هل تنقل إيران صراعها مع إسرائيل إلى القارة الأفريقية؟
د. مجدي جميل شقورة – 02/03/2026: هل تنقل إيران صراعها مع إسرائيل إلى القارة الأفريقية؟
مع تصاعد التوتر في الشرق الأوسط وتزايد الضغوط السياسية والعقوبات المفروضة على إيران، يبرز تساؤل استراتيجي مهم: هل ستبحث طهران عن ساحات جديدة لمواجهة خصومها، خاصة الولايات المتحدة وإسرائيل؟ وفي هذا السياق، تبرز القارة الأفريقية كأبرز المرشحين لتكون مسرحاً محتملاً لهذه المواجهة، نظراً لموقعها الجيوسياسي المعقد والمتداخل المصالح.
على مدى العقود الماضية، عملت إيران على توسيع حضورها في أفريقيا عبر أدوات دبلوماسية واقتصادية وثقافية، مستفيدة من رغبة العديد من الدول الأفريقية في تنويع شراكاتها الدولية بعيداً عن الاستقطابات التقليدية. وشمل هذا الحضور فتح سفارات وتوقيع اتفاقيات تعاون وتنفيذ مشاريع في مجالات الطاقة والتعليم والبنية التحتية. وفي الوقت نفسه، أشارت تقارير أمنية غربية في فترات مختلفة إلى وجود أنشطة استخباراتية أو شبكات مرتبطة بحلفاء إقليميين لطهران، مثل حزب الله، خاصة في بعض دول غرب أفريقيا التي تضم جاليات لبنانية كبيرة.
في المقابل، عززت إسرائيل حضورها في أفريقيا عبر قنوات دبلوماسية وتنموية واقتصادية، حيث تنشط شركات إسرائيلية في قطاعات الزراعة والتكنولوجيا والمياه والأمن السيبراني والطاقة. هذا الحضور الاقتصادي لا يقتصر على البعد التجاري، بل يحمل أبعاداً استراتيجية، إذ يساهم في توسيع شبكة العلاقات الإسرائيلية داخل القارة ويمنحها موطئ قدم مؤثراً في عدد من الدول الأفريقية.
ويرى بعض المحللين أن نقل المعركة إلى ساحات جديدة يظل احتمالاً وارداً في حال شعرت طهران بأن وجودها أو نظامها مهدد بشكل مباشر. فإيران سبق أن انخرطت في مواجهات غير مباشرة أو عمليات استهداف في ساحات إقليمية متعددة، وشهدت المنطقة هجمات طالت قواعد ومصالح أميركية أو أطرافاً عربية في سياقات تصعيد مختلفة. ومن هذا المنطلق، قد يدفعها منطق الردع نظرياً إلى استهداف مصالح إسرائيلية أو أميركية خارج نطاق الشرق الأوسط، سواء في أفريقيا أو غيرها، إذا ما اعتبرت أن المواجهة وصلت إلى مستوى وجودي.
غير أن هذا الطرح يبقى محكوماً بحسابات دقيقة للغاية. فالقارة الأفريقية ليست فراغاً أمنياً، بل تشهد تعاوناً متزايداً بين حكوماتها وشركائها الدوليين في مجالات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. كما تحتفظ الولايات المتحدة بشبكات عسكرية وأمنية في مناطق مختلفة من القارة، ما يعكس أهمية أفريقيا في التوازنات الدولية. وأي تصعيد مباشر قد يفتح الباب أمام ردود فعل واسعة، وعقوبات أشد، وربما تحالفات مضادة أكثر صلابة.
من منظور استراتيجي، تبدو مسألة نقل المعركة إلى ساحات جديدة مرتبطة بمعادلة معقدة بين الردع والتصعيد، وبين توسيع نطاق الضغط والحفاظ على المكاسب السياسية والدبلوماسية. ففتح جبهات إضافية قد يمنح أوراق ضغط مؤقتة، لكنه في الوقت ذاته يضاعف المخاطر ويزيد احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع يصعب التحكم في مساراتها. وفي عالم يتسم بتشابك المصالح الدولية، تبقى كل خطوة محسوبة بميزان الكلفة والعائد، خاصة حين يتعلق الأمر بإعادة رسم خرائط الصراع خارج حدوده التقليدية.



