منوعات

د. مجدي جميل شقورة: ما كل هذا الحب يا ليلى؟… حين ودّعت فرنسا صوت فلسطين

د. مجدي جميل شقورة 19-2-2026: ما كل هذا الحب يا ليلى؟… حين ودّعت فرنسا صوت فلسطين

لفت انتباهي منذ اللحظة الأولى ما تناولته الأخبار عن ليلى شهيد، وحجم الرسائل التي تلقيتها تعزيةً برحيلها. تساءلت بدهشة صادقة: ما كل هذا الحب يا ليلى؟ كيف لاسمٍ أن يتردد بهذه الكثافة في الصحف الفرنسية، وفي نشرات الأخبار، وعلى ألسنة صحافيين ومثقفين وسياسيين؟ لم يكن الأمر مجرد خبر وفاة دبلوماسية سابقة، بل بدا وكأن فرنسا تودّع واحدة من شخصياتها العامة التي تركت أثرًا عميقًا في وجدانها السياسي والثقافي.

في الثامن عشر من فبراير/شباط 2026، تناقلت كبريات الصحف الفرنسية خبر وفاتها عن عمر ناهز 76 عامًا في جنوب فرنسا، حيث أقامت سنوات طويلة. الخبر لم يُنشر بصيغة مقتضبة، بل جاء مصحوبًا بسير مطوّلة واستعادات تحليلية لمسيرتها، وكأن الإعلام الفرنسي كان يكتب فصلًا أخيرًا في قصة حضور امتد لعقود.

صحيفة Le Monde استعرضت مسيرتها بوصفها أحد أبرز وجوه الدبلوماسية الفلسطينية في أوروبا، مركّزة على قدرتها الفريدة في مخاطبة الرأي العام الفرنسي بلغة سياسية دقيقة، تجمع بين الدفاع الصريح عن حقوق الفلسطينيين والانفتاح على النقاش الأوروبي. أما Le Parisien فأبرزت سنوات عملها كمندوبة عامة لفلسطين لدى فرنسا، ثم ممثلة لدى الاتحاد الأوروبي، مشيرة إلى حضورها المتكرر في البرامج السياسية والمنابر الفكرية الفرنسية خلال محطات مفصلية من تاريخ الشرق الأوسط.

من جهتها، نقلت TF1 Info تفاصيل الوفاة واستعادت مسارها الدبلوماسي الطويل، مؤكدة أنها كانت من أكثر الشخصيات الفلسطينية ظهورًا في الإعلام الفرنسي، وأنها حظيت باحترام واضح حتى من بعض من اختلفوا معها سياسيًا، بفضل أسلوبها الهادئ وثباتها في الموقف. كما تناولت صحف إقليمية مثل La Dépêche سيرتها باعتبارها شخصية دولية عاشت سنواتها الأخيرة في جنوب فرنسا، وكرّست حياتها لبناء جسور سياسية وثقافية بين أوروبا والعالم العربي.

اللافت في التغطية أن التكريم جاء عابرًا للتيارات السياسية. لم تُختزل سيرتها في موقعها الرسمي فحسب، بل قُدّمت كصوت دائم الحضور في النقاشات الفرنسية حول العدالة وحقوق الإنسان والسلام في الشرق الأوسط. كثير من المقالات تحدثت عنها كـ«دبلوماسية بلا دولة مكتملة السيادة»، استطاعت رغم ذلك أن تثبّت حضورًا قويًا في مؤسسات أوروبية معقّدة، وأن تشرح تعقيدات القضية الفلسطينية بلغة يفهمها الشارع الفرنسي.

ذلك السيل من المقالات، والتحليلات، ورسائل التعزية، أعاد طرح السؤال الأول: ما كل هذا الحب يا ليلى؟ ربما لأن حضورها تجاوز المناصب الرسمية، ولأنها لم تكن مجرد ممثلة سياسية، بل شخصية عامة صنعت لنفسها مكانة في الوعي الفرنسي. برحيلها، لم تفقد الدبلوماسية الفلسطينية اسمًا بارزًا فحسب، بل فقد الإعلام الفرنسي أحد الأصوات التي اعتاد سماعها في كل منعطف سياسي يتعلق بالشرق الأوسط، صوتًا ظل حاضرًا بالكلمة والموقف حتى اللحظة الأخيرة.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى