أقلام وأراء

د مجدي جميل شقورة: خلف قضبان رفح: صرخة لإغلاق بوابات العزل النازية في العصر الحديث

د مجدي جميل شقورة 2-2-2026: خلف قضبان رفح: صرخة لإغلاق بوابات العزل النازية في العصر الحديث

 

تتجاوز بعض الأماكن وظيفتها الجغرافية لتصبح رموزاً لمآسٍ إنسانية كبرى. اليوم، يقف معبر رفح كشاهد على حالة من العزل تفرض تساؤلات أخلاقية عميقة، حيث يرى الكثيرون في إغلاقه وتحكم القوى الخارجية في تفاصيل الحياة والموت بداخله استحضاراً لرمزية بوابات المعسكرات النازية؛ تلك البوابات التي كانت تفصل بين الوجود والعدم، وبين الحرية والسجن الكبير.

 

هندسة الخنق: المعبر كأداة للعقاب الجماعي

 

لا يقتصر الحصار على الجدران والأسلاك الشائكة، بل يتجسد في “هندسة الخنق” التي تتبعها القوى المتحكمة. إن تحويل معبر حدودي إلى نقطة تحكم مطلقة في دخول الدواء ولقمة العيش يعيد إنتاج سياسة العزل الجماعي التي شهدها التاريخ في أحلك عصوره. في هذا السياق، لم يعد المعبر مجرد إجراء تنظيمي، بل تحول إلى أداة تشرعن تجويع وحصار شعب بأكمله خلف أبواب موصدة لا تفتح إلا بشروط مهينة.

 

تجريد الضحية من حق النجاة

 

إن أخطر ما يربط واقع المعبر بتلك الحقبات التاريخية المظلمة هو سلب الإنسان “حق النجاة”. عندما يُمنع الجريح من العبور للعلاج، ويُحرم الطالب من مستقبله، ويُحتجز الآلاف في مساحة ضيقة تحت القصف والترهيب، فإننا نكون أمام مشهد يعيد صياغة مآسي المعسكرات بأسلوب عصري. إنها عملية تجريد ممنهج من الكرامة الإنسانية، حيث يُختزل مصير الملايين في قرار سياسي أو أمني يُتخذ خلف الكواليس.

 

سحق القانون الدولي تحت أقدام المصالح

 

بينما يغرق المجتمع الدولي في نقاشات حول “التوازنات الأمنية” و”الاتفاقيات المشتركة”، تُسحق حقوق الإنسان الأساسية عند عتبات المعبر. إن تشبيه هذا الواقع بأسوأ نماذج القمع التاريخي هو صرخة في وجه الصمت العالمي؛ صرخة تؤكد أن المعاناة الإنسانية لا يمكن تجزئتها، وأن تبرير الحصار تحت أي مسمى هو مشاركة في الجريمة. إن الالتزام بالقانون الدولي يفرض فتح هذه البوابات فوراً، بعيداً عن سياسة الابتزاز التي تحول المعابر إلى أدوات للموت بدلاً من أن تكون جسوراً للحياة.

 

نداء للضمير العالمي: أغلقوا أبواب الماضي

 

إن المجتمع الدولي اليوم أمام اختبار أخلاقي حاسم؛ فبدلاً من الاكتفاء بإدانة التاريخ، عليه أن يدرك أن السماح باستمرار هذا الحصار هو بمثابة إبقاء “أبواب معسكرات النازية” مفتوحة بصيغتها الحديثة، حيث يتم التسامح مع العزل والقتل البطيء تحت أنظار العالم. إن النداء الموجه للأمم المتحدة والقوى الفاعلة ليس مجرد طلب للمساعدة، بل هو مطالبة بإغلاق تلك الحقبة المظلمة للأبد عبر إنهاء سياسة الحصار، وفتح الممرات الإنسانية دون قيد أو شرط، وضمان ألا يُترك المدنيون لقمة سائغة لخنق ممنهج يعيد للأذهان أبشع ما أنتجته البشرية من أدوات للقمع.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى