د مجدي جميل شقورة: بين كربلاء والراية، حماس علي مفترق قرار
د مجدي جميل شقورة 17-2-2026: بين كربلاء والراية، حماس علي مفترق قرار
في اللحظات المفصلية من تاريخ الشعوب، لا تكون الخيارات سهلة ولا النتائج مضمونة. اليوم تقف الفصائل أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث يتقاطع سؤال السلاح مع سؤال الدولة، ويتداخل خطاب الصمود مع حسابات الكلفة البشرية والسياسية. بين رمزية التضحية وواقعية التسويات، يبدو المشهد مفتوحًا على احتمالات متباينة.
تستحضر الذاكرة العربية والإسلامية واقعة كربلاء بوصفها رمزًا للتضحية والثبات على المبدأ، حين خرج الحسين بن علي في مواجهة رآها أنصاره دفاعًا عن القيم والعدالة، مهما كان الثمن. في هذا السياق، يُنظر إلى التمسك بالسلاح باعتباره امتدادًا لفكرة الصمود وعدم التنازل تحت الضغط، خصوصًا في ظل شعور عميق بالتهديد أو اختلال موازين القوى.
غير أن صفحات التاريخ نفسها تروي سرديات أخرى. فحين بلغت الحرب العالمية الثانية ذروتها المأساوية، وجدت اليابان نفسها أمام دمار غير مسبوق بعد قصف هيروشيما، لتختار في النهاية مسار الاستسلام وإعادة البناء. وكذلك فعلت ألمانيا عقب انهيار نظام أدولف هتلر، موقّعةً وثيقة استسلام أنهت الحرب وفتحت الباب لتحولات عميقة في بنية الدولة والمجتمع.
المقارنة بين هذه النماذج لا تهدف إلى إسقاط تاريخ على آخر بقدر ما تطرح سؤالًا جوهريًا: ما الذي يحقق المصلحة الوطنية في اللحظة الراهنة؟ هل يكون الاستمرار في المواجهة ضمانًا للكرامة والسيادة، أم أن كلفته قد تتجاوز قدرة المجتمع على الاحتمال؟ وفي المقابل، هل تمثل التسوية اعترافًا بالهزيمة، أم خيارًا براغماتيًا لإعادة ترتيب الأوراق وحماية ما تبقى؟
القرارات الكبرى لا تُقاس بالشعارات وحدها، بل بميزان معقد يجمع بين حماية المدنيين، والحفاظ على وحدة المجتمع، وضمان مستقبل سياسي قابل للحياة. فالدولة التي تُستنزف بلا أفق قد تخسر أكثر مما تكسب، كما أن التنازل غير المدروس قد يرسّخ وقائع يصعب تغييرها لاحقًا.
بين كربلاء والراية البيضاء، إذن، لا يقف خياران متناقضان بقدر ما يقف مساران مختلفان لفهم معنى المسؤولية. والتاريخ، بكل قسوته، يذكّر بأن الشجاعة قد تكون في الصمود، كما قد تكون أحيانًا في اتخاذ قرار مؤلم يجنّب الأجيال القادمة ثمنًا أفدح.



