أقلام وأراء

د. مجدي جميل شقورة: أوسلو والحفاظ على الدولة: قراءة من تجربة أكتوبر 2023

د. مجدي جميل شقورة: أوسلو والحفاظ على الدولة: قراءة من تجربة أكتوبر 2023

اتفاق اتفاق أوسلو، رغم ما وُجّه إليه من انتقادات، يبقى من أبرز المنعطفات السياسية في تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة. فقد أسس لقيام سلطة وطنية على الأرض، وبنى مؤسسات دبلوماسية وإدارية، ومكّن القيادة الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات من نسج علاقات دولية رسمية والحصول على اعتراف واسع بالحقوق الفلسطينية. كما أتاح عودة مئات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني، وأسهم في نشوء بنية مؤسساتية ومدن حديثة عززت الحضور الفلسطيني على أرضه، رغم القيود والتعقيدات التي رافقت التطبيق.
ومن الإنصاف، قبل تحميل طرف فلسطيني بعينه مسؤولية تقويض المسار، أن نتوقف عند عوامل جوهرية أضعفت الاتفاق منذ بدايته؛ فقد أبدت إسرائيل تصلبًا واضحًا في تنفيذ استحقاقات الاتفاق، وتعثر المسار السياسي بشكل كبير بعد اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين، ثم جاءت انتفاضة الأقصى عام 2000 لتدخل المشهد في مرحلة صدام مفتوح. هذه التطورات أضعفت السلطة الفلسطينية وقلّصت دورها، وعمّت حالة من الفوضى والانقسام، في سياق معقد ربما شجّع على تنامي التيارات المناهضة للحل السلمي، وفتح المجال أمام تمرير خطاب رافض للتسوية لدى قطاعات من الناخبين الفلسطينيين.
في هذا المناخ، برزت حركة حماس بموقفها الرافض لأوسلو واعتباره مشروعًا تفريطيًا، متجاوزة ما تحقق من مكاسب مؤسساتية ودبلوماسية. ومع تطورات السنوات اللاحقة، وصولًا إلى هجوم أكتوبر 2023، دخل الصراع منعطفًا بالغ الخطورة، إذ استغلت إسرائيل الحدث لإطلاق حملة عسكرية مدمرة على قطاع غزة، أوقعت آلاف الضحايا وأحدثت دمارًا واسعًا في المدن والبنية التحتية، في ظل اختلال واضح في موازين القوى وازدواجية المعايير الدولية.
إن دروس التاريخ تؤكد أن الحفاظ على المدن والوجود السكاني فوق الأرض هو ركيزة أساسية لصون الهوية الوطنية والمطالبة بالحقوق. فالاحتلال يسعى دائمًا لاستثمار أي تصعيد لتكريس وقائع جديدة على الأرض. ومن هنا تبرز أهمية عدم منحه ذرائع مجانية، وتقديم أولوية حماية المجتمع المدني والبنية التحتية، مع تعظيم الاستفادة من المساحات الدبلوماسية والسياسية التي أتاحها المسار التفاوضي.
ختامًا، لم يكن أوسلو مجرد اتفاق مرحلي، بل مشروعًا لبناء مؤسسات ودولة معترف بها دوليًا، رغم كل ما شابه من نواقص. وتؤكد تجربة أكتوبر 2023 أن الانزلاق إلى مواجهات واسعة دون حساب دقيق للكلفة السياسية والإنسانية قد يؤدي إلى إضعاف القضية على المدى البعيد، ويمنح الاحتلال فرصة لإعادة تشكيل الواقع بما يخدم مصالحه. ويبقى التحدي الحقيقي في إيجاد توازن واعٍ بين مقاومة الاحتلال، وحماية الشعب والأرض، وصون ما تحقق من إنجازات سياسية عبر مسار طويل ومعقد.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى