د. مجدي جميل شقورة: أمن الخليج في مهب الريح: هل أصبحت الخلافات الداخلية أخطر من التهديدات الخارجية؟
د. مجدي جميل شقورة 5 -01-2026 أمن الخليج في مهب الريح: هل أصبحت الخلافات الداخلية أخطر من التهديدات الخارجية؟
على مدار عقود، كانت بوصلة التهديد الأمني لدول الخليج تتجه دائماً نحو الخارج؛ صواريخ من الشمال، أو اضطرابات في الجنوب. لكن اليوم، يرى مراقبون أن المشهد تغير جذرياً، حيث بدأ “السوس” ينخر في جسد البيت الخليجي من الداخل. لم يعد السؤال الملحّ هو “كيف نواجه إيران؟”، بل “كيف نواجه انقساماتنا التي تضعف جبهتنا أمام الجميع؟”.
تصدعات في الجدار الواحد
كشفت الملفات الإقليمية، وعلى رأسها الملف اليمني، أن مفهوم “الرؤية الموحدة” لم يعد إلا شعاراً دبلوماسياً. التنافس السعودي-الإماراتي المتصاعد، سواء على النفوذ السياسي أو الزعامة الاقتصادية، خلق نوعاً من “الأمن الفردي” بدلاً من “الأمن الجماعي”. عندما تذهب كل دولة للبحث عن حماية مصالحها الخاصة بمعزل عن جيرانها، فإن القوة الضاربة لمجلس التعاون الخليجي تفقد فاعليتها، وتتحول المنطقة إلى جزر سياسية منعزلة.
واشنطن.. الضامن الذي لم يعد مضموناً
لطالما كانت الولايات المتحدة هي “المظلة” التي يستظل بها الخليج، لكن هذه المظلة بدأت تتقلص. مع تغير الأولويات الأمريكية نحو شرق آسيا، ودخول لاعبين جدد مثل إسرائيل إلى معادلة التحالفات بعد اتفاقات التطبيع، وجد الخليجيون أنفسهم في العراء سياسياً. هذا الفراغ دفع بعض الدول للارتماء في أحضان قوى إقليمية أخرى مثل تركيا وباكستان، أو البحث عن توازن دقيق مع العملاق الصيني.
ثلاث سيناريوهات للمستقبل: أين تتجه البوصلة؟
يرسم المحللون لمستقبل المنطقة ثلاثة مسارات لا رابع لها:
1. السيناريو المظلم: استمرار التنافر وتعميق الخلافات، مما يجعل دول الخليج “لقمة سائغة” للقوى الكبرى وساحة لتصفية الحسابات الدولية.
2. السيناريو المثالي: “صحوة” سياسية تعيد بناء الثقة المفقودة، وتؤسس لجيش خليجي موحد وسياسة خارجية صلبة تحمي المصالح الجماعية.
3. السيناريو الواقعي: “دبلوماسية التوازنات المنفردة”، حيث تستمر كل دولة في بناء شبكة تحالفاتها الخاصة (بين واشنطن، بكين، وموسكو)، وهو مسار يتطلب مهارة عالية لضمان عدم الانزلاق نحو الصدام البيني.
الخلاصة: السلاح وحده لا يكفي
إن تكديس أحدث الطائرات والمنظومات الدفاعية لن يوفر الأمان المنشود إذا كانت “الغرف القيادية” في عواصم الخليج لا تتحدث مع بعضها البعض. الأمان الحقيقي يبدأ من طاولة المفاوضات الخليجية، ومن إعادة إحياء روح “المصير المشترك”. فإما أن يتحد القادة ليكونوا قوة عصية على الاختراق، أو يتركوا الباب موارباً لرياح الأزمات التي لن تستثني أحداً.



