د. غانية ملحيس: ما بعد تآكل الإغلاق، أم إعادة تموضع الفعل؟ اشتباك في حدود التحول وإمكاناته داخل الفخّ المركّب

د. غانية ملحيس 9-4-2026: ما بعد تآكل الإغلاق، أم إعادة تموضع الفعل؟ اشتباك في حدود التحول وإمكاناته داخل الفخّ المركّب
يأتي هذا المقال استمرارا للاشتباك الذي فتحه الأستاذ خالد عطية حول تآكل الإغلاق، عند النقطة التي يتطلب فيها دفع السؤال خطوة إضافية: ليس فقط إلى حدود ما يكشفه “الفخّ المركّب”، بل إلى حدود ما قد يُنتجه هذا الكشف نفسه من التباسات إذا لم يُضبط مفاهيميا بدقة.
ينطلق طرح خالد من محاولة جادة لنقل النقاش من مستوى توصيف “التداخل البنيوي” إلى مستوى أعمق يتعلق بتحول منطق اشتغال الصراع ذاته، وهو انتقال مشروع وضروري. غير أن هذا الانتقال، في صيغته الحالية، يطرح إشكالا منهجيا دقيقا: هل نحن بالفعل أمام تحول في منطق إنتاج النتائج، أم أمام توصيف أكثر راديكالية لنتائج التداخل دون إعادة بناء آليته؟
أولاً: في مسألة التحول – بين تغيّر الدرجة وتحوّل القاعدة
يفترض طرح “تآكل قابلية الإغلاق” أننا لم نعد أمام تعثر في إنتاج النهايات، بل أمام تراجع بنيوي في إمكانية إنتاجها أصلا.
وهو افتراض يكتسب قوته من رصد أنماط متكررة: الامتصاص، إعادة التوزيع، وانفصال الفعل عن أفق الإغلاق.
غير أن هذه السمات، على أهميتها، لا تكفي بذاتها لإثبات تحوّل في القاعدة. إن ما نشهده ليس بالضرورة تراجعا في إمكانية الإغلاق، بل هو “ارتفاع هائل في عتبته”.
الفعل الوجودي في غزة ولبنان وإيران، الذي لا يملك خيارا سوى خوض المواجهة حتى النهاية، يثبت أن الإغلاق الكلاسيكي (الاستسلام أو الهزيمة الخاطفة) قد سقط لأن “إرادة البقاء” خلقت ممانعة بنيوية لا يمكن للسلاح التقليدي كسرها. هنا، يصبح “عدم الهزيمة” بحد ذاته شكلا من أشكال الحسم النوعي الذي يفرضه الواقع الوجودي على تنظيرات البنية.
ثانياً: تآكل الإغلاق أم انزياح في شروطه؟
لسنا أمام تآكل في إمكانية الإغلاق، بل أمام عجز النظام المهيمن عن “تأطير” أي نتيجة بوصفها نهاية مستقرة.
في الصراع مع المشروع الصهيوني – الأمريكي، يمتلك العدو “القدرة التقنية” لكنه يفتقد “الأفق الإستراتيجي”. هذا العجز يجعل الإغلاق مستحيلا بالنسبة للعدو، لكنه يبقيه ممكنا للمقاومة عبر “إستراتيجية الاستنزاف المفتوح”.
مثال اقتصادي وسياسي دولي: الأزمة العالمية في الطاقة بعد الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران المستمرة منذ شباط/فبراير 2026 تظهر نفس النمط. فعلى الرغم من الإمكانيات التقنية للقوى الكبرى، فإن الضغط المتراكم والمقاومة الاقتصادية (تقييد صادرات النفط، إعادة توجيه خطوط التوريد، وتحويل الحلفاء إلى موازين قوة جديدة) يمنع فرض “إغلاق” اقتصادي سريع، ويجعل النظام العالمي يتكيف مع مسار متغير دون إنتاج نهاية واضحة.
إن الفعل الوجودي هنا، سواء في المقاومة العسكرية أو الاقتصادية، لا ينتظر “نهاية” يمنحها العالم، بل يصنع “نهاية” لنموذج الهيمنة القديم عبر تحويل الفخ إلى استنزاف دائم.
ثالثاً: مفارقة الفعل – بين التأثير وانعدام التحول
يقدّم خالد تصورا للفعل يراه غير قادر على إنتاج إغلاق، لكن في حروب الوجود، لا يُقاس الفعل بقدرته على إنهاء الصراع فورا، بل بقدرته على “تعجيز الخصم”.
إذا كان الفعل يعيد تشكيل البنية باستمرار، فإنه يصل إلى لحظة “تعب معدني” وتآكل في بنية العدو.
لا يفهم “التعب المعدني” الإنهاك التراكمي كمرحلة وصفية، بل كعملية تراكمية تؤدي إلى انهيار القدرة على الاستمرار لدى القوة المهيمنة. ففي كل نموذج من النماذج الواقعية – الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، فيتنام ضد الولايات المتحدة الأمريكية، جنوب إفريقيا ضد نظام الفصل العنصري، وأفغانستان ضد الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية – تراكمت الضغوط العسكرية والسياسية والاجتماعية على بنية القوة المهيمنة. هذا التراكم، رغم امتصاصه جزئيا، أدى إلى ارتباك بنيوي وفقدان القدرة على إنتاج نتائج مستمرة، أي ما يمكن تسميته نقطة الانكسار. الآلية هنا تتضمن عدة عناصر:
ا. تراكم الخسائر المباشرة وغير المباشرة يقلل من القدرة التقنية والتنظيمية على فرض الإرادة،
ب. الاستنزاف المستمر يُضعف الشرعية الداخلية ويخلق انقسامات في صفوف النظام المهيمن،
ج. الصمود التراكمي للمقاومة يحوّل أي نجاح تكتيكي للقوة المهيمنة إلى مدخلات تُستوعب ضمن ديناميكية أوسع، بحيث لا تتحول إلى إغلاق فعلي. هذه العملية توضح كيف يمكن للفعل المقاوم، عبر استمرار الصمود والتراكم، أن ينتزع القدرة على الحسم من القوة المهيمنة ويحول مسار الصراع نفسه إلى نقطة تحول استراتيجية.
رابعاً: بين إعادة تعريف الحسم وتفريغه
الحسم ليس مجرد لحظة سكون، بل هو “القدرة على فرض واقع غير قابل للاستعادة”.
في الساحات الملتهبة اليوم، الحسم يتحقق عبر “تآكل قدرة القوة العارية على صناعة الواقع”. عندما يفشل العدو المتفوق تقنيا في فرض إرادته لشهور طويلة، فإنه لا يؤجل غياب الحسم، بل يعلن “موت نموذج الحسم الاستعماري”.
الفعل الوجودي هنا ينتزع “شرعية البقاء” كأمر واقع، وهذا هو الحسم الحقيقي في بيئة السيولة. إذا استطاع المقاومون أن يُوصلوا بنية القوة المهيمنة في المنطقة / الولايات المتحدة الأمريكية (التي هي أصلا تعاني من انقسامات داخلية حادة) إلى حالة “التعب المعدني”، فإن الانهيار القادم لن يكون مجرد انسحاب تكتيكي، بل قد يكون زلزالا يغير وجه المنطقة للأبد.
خامساً: الصمود النشط – كسر الفخ من الداخل
الصمود النشط ليس مجرد نمط اشتغال داخل الفخ، بل هو أداة “تسميم خيارات العدو”.
المقاتل الذي يخوض حربه حتى النهاية لا ينتظر حليفا بنيويا (الصين أو روسيا) قد يتأخر، بل يحول صموده إلى “مُسرّع للتاريخ”.
هذا الصمود يجبر القوى الكبرى على إعادة حساباتها، ويحول “الفخ” من سجن للمقاومة إلى “نزيف إستراتيجي” للهيمنة الأمريكية، مما يفتح مسارات غير متوقعة للتحول العالمي.
سادساً: الإمكان، عبر الإغلاق الوجودي
إن فصل الإمكان عن أفق التحول يفرغه من معناه. الإمكان يتحدد بوجود إطار قادر على منح النتائج معنى “التحول النوعي”.
في اللحظة الراهنة، الصمود الاستثنائي في وجه الإبادة والتدمير هو الذي يمنح الفعل معناه. التحدي ليس في التكيف مع عالم بلا نهايات، بل في فرض “نهاية” لزمن الاستفراد والغطرسة الأمريكية والصهيونية، سواء في المجال العسكري أو أزمة الطاقة العالمية.
سابعاً: حسم الموقف النهائي
الإغلاق لا يختفي، بل يتراجع إلى مستوى أعلى من الكلفة والتعقيد. وما يتآكل ليس الفعل، بل “قدرة العدو على الاعتراف بهزيمته”.
المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي الوظيفي رغم تفوقه العسكري والاقتصادي وتمدده الجغرافي بدأ مرحلة “التآكل الذاتي”، فهو يملك أدوات الابادة والتدمير، لكنه أثبت عجزه على البقاء الذاتي وفقد “أفق المستقبل”.
ثامناً: ما الذي يتآكل فعلا؟
ما يتغير في الصراع ليس غياب النهاية، بل سقوط قدرة القوة الغاشمة على فرض نهاياتها الخاصة. المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية واليمنية والإيرانية اليوم تخوض حربا نيابة عن عالم جديد.
الحسم يتمثل في بقائها وإفشال “نموذج الإغلاق” الذي أراده العدو، سواء في المجال العسكري أو الاقتصادي كما تظهر أزمة الطاقة العالمية الحالية، أو السياسي كما يتضح من الافتقار إلى الشرعية القانونية والأخلاقية.
وبنفس المنطق، الأزمة العالمية في الطاقة تظهر أن السيطرة التقنية وحدها لا تفرض نهاية، بل تمنح المسار المفتوح نفس ديناميكية “الفخ المركب”، حيث السيادة والتحول النوعي يرتبطان بالإرادة والقدرة على الصمود أكثر من أي أداة تقنية أو اقتصادية.
تاسعاً: الفعل كـ “ثقب أسود” داخل ديناميكية الامتصاص
إن الافتراض بأن الفخ المركب بنية مغلقة غير قابلة للكسر وتمتلك قدرة مطلقة على إعادة توزيع الضغط، يغفل حقيقة استراتيجية: أن لكل بنية “نقطة انكسار”.
عندما يصر الطرف المقاوم على خوض حرب وجودية حتى نهايتها، فإنه يحول فعله من “مدخلات” يمكن للبنية معالجتها إلى “كتلة حرجة” تعجز آليات الامتصاص عن احتوائها.
في غزة ولبنان والعراق واليمن وإيران، لم يعد الفعل المقاوم مجرد “إزعاج تكتيكي”، بل تحول إلى “ثقب أسود” يستنزف الموارد المادية والأخلاقية والسياسية للقوة المهيمنة.
عاشراً: فجوة التوقيت الاستراتيجي وحتمية المبادرة
الفعل المقاوم لا يظل ناقصا انتظارا لحليف بنيوي. الواقع الوجودي يفرض منطقا مختلفا: الفعل الوجودي هو “خالق الضرورة” للحليف.
المقاومة التي لا تملك ترف الانتظار تمارس ضغطا يغير “كيمياء” المنطقة، ويجعل بقاء الحليف متفرجا كلفة تهدد مصالحه.
حادي عشر: حسم الوعي – الخروج من الفخ بإنتاج المعنى
أكبر تجليات “إعادة تموضع الفعل” تكمن في تحرير معنى “النصر” و” الهزيمة” من التعريفات الغربية.
النجاح في الحفاظ على “إرادة الفعل” في قلب بيئة الإبادة والتدمير هو بحد ذاته “إغلاق” لمرحلة الرهان على انكسار الشعوب.
ثاني عشر: سيادة الفعل في زمن السيولة
ما يتآكل فعليا ليس “إمكانية الإغلاق”، بل قدرة النظام المهيمن على استيعاب الفعل، وقدرة الفعل على (تفخيخ الفخ).
إن من يملك (فائض القوة) هو اليوم الأكثر قلقا من غياب النهايات، لأنه الأكثر حاجة إليها لتثبيت مكاسبه. أما من يملك (الأصالة والزمن)، فيرى في هذا اللا – حسم مساحة لتفكيك البنية من جذورها.
السيادة في زمن السيولة لا تذهب لمن يملك أدوات السجن، بل لمن يملك الإرادة التي تجعل السجن ضيقا على السجان.
العالم لم يعد يمنح نهايات سهلة للظالمين، بل يمنح استمرارا مؤلما يستنزف وجودهم التاريخي. الفعل هو “السيد”، والإغلاق هو “النتيجة الحتمية” لصلابة الوجود في وجه السيولة الاستعمارية، حيث السيادة لمن يملك الإرادة لبلوغ حقوقه المشروعة، والحسم لمن يملك الزمن.



