#شؤون فلسطينية

د. غانية ملحيس: ما بعد الإبادة: حين تستنفد السياسة الفلسطينية نموذجها

د. غانية ملحيس 6-1-2026: ما بعد الإبادة: حين تستنفد السياسة الفلسطينية نموذجها

ينطلق هذا المقال من فرضية مركزية مفادها أن ما يواجهه الفلسطينيون اليوم لا يتمثل في أزمة أداء أو قيادة أو تنظيم فحسب، بل في استنفاد تاريخي كامل لنموذج السياسة الفلسطينية الذي تشكّل منذ انطلاقة حركة فتح، وتكرّس لاحقا في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، ثم بلغ مداه النهائي مع اتفاق أوسلو وتحولاته السلطوية.

في سياق حرب الإبادة المتواصلة، والتوسع الاستيطاني، وانكشاف تواطؤ النظام العربي والإقليمي والدولي، يطرح المقال سؤالا وجوديا: ما معنى السياسة الفلسطينية بعد الإبادة؟ ومن يملك القدرة على حمل مشروع التحرر الوطني اليوم؟ ويخلص إلى أن النموذج القائم لم يعد قادرا لا على تفسير الواقع ولا على تغييره، بل بات جزءا من إدارة واقع الاستعمار والإبادة.

يعالج المقال، في بدايته، المساهمات النقدية التي قدّمها كل من المتوكل طه، مروان طوباسي، يحيى بركات، وخالد عطية، ويثمّن انتقالها من النقد الأخلاقي إلى التشخيص البنيوي لأزمة حركة فتح: تحولها من حركة تحرر وطني إلى حزب سلطة، ومن حامل شعبي جامع إلى نخبة أمنية – بيروقراطية – مالية، وانفصالها المتزايد عن حاضنتها الاجتماعية، وخصوصا في المخيمات والشتات. غير أن المقال يرى أن هذه القراءات، على أهميتها، ما تزال محكومة بأفق الإصلاح داخل النموذج، ولا تذهب إلى مساءلة النموذج ذاته.

ويؤكد أن الإبادة، وخصوصا في غزة، ليست حدثا إضافيا أو ذروة أزمة، بل قطيعة تاريخية كاشفة أسقطت أوهام السياسة الأداتية: وهم الشرعية الدولية، ووهم التمثيل، ووهم إدارة الخسارة، ووهم استقلالية القرار الوطني المعزول. وبعد هذه القطيعة، لم يعد السؤال كيف نُصلح فتح أو نعيد بناء منظمة التحرير، بل كيف نعيد تعريف السياسة نفسها بوصفها فعلا تحرريا، لا إدارة واقع استعماري.

ينتقل المقال بعد ذلك إلى تفكيك حدود النموذج الوطني الفلسطيني في مواجهة استعمار استيطاني إحلالي وظيفي ذي خصوصية صهيونية – يهودية، عابر للأعراق والقوميات، مرتبط بنيويا بالمشروع الإمبريالي الغربي، ومفتوح زمنيا على التوسع الديمغرافي والجغرافي. ويجادل بأن غياب الوعي المعرفي بطبيعة هذا الصراع، وطول أمده، وشروط خوضه، حكم بنية وسلوك حركة فتح والفصائل الفلسطينية منذ النشأة، ما جعل النموذج الوطني ذاته عاجزا عن إنتاج مشروع تحرري نقيض مؤهل للمواجهة.

كما يبيّن أن انخراط فتح في النظام العربي الرسمي، ثم اندماجها الوظيفي في سلطة حكم ذاتي مصممة لإدارة الاستعمار، فاقم هذا العجز، وحوّل الحركة – موضوعيا – إلى جزء من منظومة إدارة المحو الوجودي للشعب الفلسطيني، بصرف النظر عن النوايا أو الخطاب.

في ضوء ذلك، يطرح المقال ضرورة الانتقال من تشخيص الاستنفاد إلى سؤال العبور: كيف نغادر النموذج المستنفد دون الوقوع في فراغ مديد أو فوضى تمثيلية؟ ويؤكد أن القطيعة المطلوبة ليست فجائية ولا ميكانيكية، بل مسارا تراكميا طويل الأمد، يقوم على سحب الشرعية من البنى العاجزة، وبناء بدائل وظيفية من الهامش إلى المركز.

ويقترح ملامح الحامل السياسي في زمن ما بعد الإبادة، وأبرزها:

• القطيعة السياسية والوظيفية مع النموذج السلطوي ومع السلطة بوصفها مركز السياسة.

• بناء قاعدة اجتماعية مستقلة ماديا وقادرة على تحمّل كلفة الصراع.

• إعادة مركزية الشعب لا التنظيم، واعتبار التنظيم أداة لا غاية.

• دمج الشتات وفلسطينيي عام 1948 بوصفهم عناصر تأسيسية في أي تمثيل وطني.

• استعادة البعد العربي والإسلامي للصراع الفلسطيني.

• تبنّي خطاب ما بعد الشرعية الدولية، وبناء قوة أخلاقية – سياسية عالمية.

• اعتماد استراتيجية تحرر طويلة الأمد عابرة للأجيال والجغرافيا.

• بناء بنية تنظيمية مرنة، غير هرمية، مقاومة للاختطاف والاحتواء.

ويخلص المقال إلى أن ما هو مطروح اليوم ليس إصلاحا جزئيا ولا مؤتمرا تنظيميا، بل إعادة تأسيس معنى السياسة الفلسطينية نفسها. فالرهان لم يعد على حركة بعينها أو قيادة بعينها، بل على قدرة الفلسطينيين على إنتاج حامل سياسي جديد، يستمد شرعيته من المجتمع، ويحمل مشروعا تحرريا شاملا، قادرا على مواجهة الاستعمار الاستيطاني الإحلالي، واستعادة فلسطين إلى عمقها العربي والإسلامي والإنساني.

في النهاية، يؤكد المقال أن الخيار بات واضحا: إما القطيعة مع نموذج مستنفد يكرّس إدارة الإبادة، أو الشروع في بناء جذري جديد يعيد فتح أفق التحرر والمعنى.

المقال الكامل

ما بعد الإبادة: حين تستنفد السياسة الفلسطينية نموذجها

لم تعد الكتابة النقدية حول حركة فتح، ولا حول الفصائل ومنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، تمرينا في استعادة التاريخ أو تقويم الأداء، بل أصبحت مساءلة سياسية وفكرية وجودية. فبعد ستة عقود من النضال، ومع تصاعد حرب الإبادة والتوسع الاستيطاني والتصفية السياسية، يفرض الواقع سؤالا أساسيا: ما معنى السياسة الفلسطينية، ومن يملك القدرة على حمل مشروع التحرر الوطني اليوم؟

ما نواجهه اليوم هو انهيار نموذج سياسي كامل، لم تعد مفرداته، ولا بنيته، ولا أدواته، قادرة على تفسير الواقع، فضلا عن تغييره.

أولاً: حدود النقد الأخلاقي والبنيوي

يقدّم المتوكل طه قراءة شجاعة ومباشرة لأزمة فتح، تُعيد الاعتبار للنقد بوصفه فعلا وطنيا لا خيانة. قوّة طرحه تكمن في كونه شاهدا قريبا من دائرة صنع القرار، وفي انتقاله من توصيف الأخطاء إلى تشخيص التحوّل: من حركة تحرر إلى حزب سلطة، ومن بنية تعبئة إلى “قبيلة سياسية” تحمي الامتياز قبل المشروع.

ويقدم مروان طوباسي قراءة تضع الرهان على المشروع الوطني التحرري نفسه لا على تنظيم محدد. فيذكّر بأن الانطلاقة كانت إجابة على فراغ تمثيلي بعد النكبة، وأن نجاح فتح التاريخي يعود للفكرة الوطنية التحررية الجامعة التي حملتها الحركة، ويربط أزمة التمثيل الحالية بغياب الرؤية والمشروع التحرري القادر على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية المعاصرة، وعدم القدرة على وقف تسارع التراجع الذي بات يهدد الوجود الفلسطيني، ويرهن نجاح المؤتمر الثامن للحركة بالقدرة على إعادة تعريف الحركة كحامل سياسي تحرري ديموقراطي جامع، وليس مجرد إطار إداري مرتبط بالسلطة المؤقتة.

ويواصل يحيى بركات الطرق على جدران الخزان، لعل من يسمع ويدرك أن الوقت قد أزف، وأن لا نجاة إلا بإعادة فتح الأسئلة المركزية المعلقة منذ عقود وبدأت تخرج إلى العلن، ما يتعذر استمرار تجاهلها، وأبرزها سؤال التنظيم والشرعية، لفهم كيف تحوّلت فتح، عندما غيّب الحامل الجامع إلى جهاز إدارة للشرعية. وآلية لضبط الفصائل والشعب، ومنذ اتفاق أوسلو تولت قيادة سلطة حكم ذاتي صممت لإدارة الاستعمار مؤقتا لخمس سنوات، فتواصلت لأكثر من ثلاثة عقود، وما تزال، وعوضا عن العبور إلى الاستقلال باتت قيدا عليه، وتحولت الحركة التي قادت النهوض الوطني في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، إلى الفاعل الرئيسي في النكوص الوطني. قوّة هذا الطرح تكمن في مساءلته العلاقة بين الفعل التحرري والحامل الوطني والتنظيم، وبين التاريخ والوظيفة.

ويسلط خالد عطية، في قراءاته التفكيكية، الضوء على الأعطاب البنيوية التي أصابت حركة فتح عبر مسيرتها وتراكمت مفاعيلها تباعا، فتفكك ارتباط التنظيم القائد بحاضنته الشعبية وخصوصا في المخيمات داخل الوطن وفي الشتات، وتحول من تنظيم جماهيري مفتوح إلى إطار نخبوي تجذر بتشكّل نخبة أمنية – بيروقراطية – مالية، فلم يعد الفساد انحرافا، بل أصبح انعكاسا لوظيفة جديدة. وأدخل خالد أزمة الشتات والتمثيل إلى صلب النقاش حول الحامل الوطني.

وقد تفاعل كتاب آخرون، وخرج بعض من تولوا مناصب قيادية في الحركة والسلطة لعقود عن صمتهم، وانخرطوا في النقاش المفتوح حول أزمة الحركة الرائدة، والمأزق البنيوي لعموم الحركة الوطنية والنظام السياسي الفصائلي الفلسطيني، والتحديات الوجودية التي يواجهها الكل الفلسطيني.

ثانياً: نقد داخل النموذج أم نقد النموذج ذاته؟

تكتسب الكتابات النقدية أهميتها، لا بوصفها إجابات، بل بوصفها محاولات جادة لملامسة حافة السؤال: كيف انتهينا إلى ما نحن فيه؟ وأين يكمن مأزق حركة فتح، والسلطة، وجل النظام السياسي الفصائلي الفلسطيني، سلطة ومعارضة، والتمثيل؟

غير أن اللحظة الراهنة بعد الإبادة – لا بعدها زمنيا، فهي، ما تزال، مستمرة وإن خفّت مظاهرها الجماعية، ما أسهم في تواري فظائعها المتواصلة عن وسائل الإعلام، وخفت صوت الموت الصاخب ، بل بعدها سياسيا وأخلاقيا – تفرض نقل النقاش من نقد الانحراف إلى مساءلة النموذج ذاته: نموذج السياسة الفلسطينية كما تشكّل منذ الانطلاقة، وكيف تطور على مدى عقود، وصولا إلى أوسلو، التي بلغت مداها التاريخي، وباتت تفرض تجاوز تقييم الأداء والبنية، إلى تقييم النموذج ذاته، والذي لا يقتصر على حركة فتح وحدها، وإنما يطال مجمل الحركة الوطنية الفلسطينية على امتداد أكثر من قرن، وخصوصا الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة منذ منتصف ستينيات القرن الماضي، والنظام السياسي الفصائلي الفلسطيني ، من انخرط منها في منظمة التحرير الفلسطينية، ومن بقي خارجها.

القراءات النقدية الفلسطينية كافة، بما في ذلك مساهمات كاتبة هذا المقال، تقف عند حدود النموذج القديم. ما يظل غائبا هو مساءلة قدرة حركة فتح كتنظيم رائد، ومعها جل الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، على استيعاب تحولات المجتمع الفلسطيني داخل الوطن وفي الشتات، واستنفاد شرعية المؤسسات الوطنية، وتفتت الحامل السياسي الفلسطيني من جهة، والتحولات العربية والإقليمية والدولية والنظام الدولي من جهة أخرى. في عالم بات شديد التداخل في عصر الحداثة السائلة.

فالنقاش يظل محصورا داخل النموذج الوطني والتنظيمي، دون الربط الحاسم بين هذا النموذج، ومتطلبات السياسة في سياق ما بعد الإبادة.

هذا النقد، على عمقه، يبقى محكوما بأفق إصلاح داخل النموذج. فالدعوة إلى “ثورة داخل الثورة”، أو إلى استعادة فتح لدورها التاريخي، أو الوحدة الوطنية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، على أهمية ذلك، تفترض ضمنيا أن النموذج الذي وُلدت فيه فتح – حركة تقود، وسلطة تُدار، ومنظمة تمثّل – ما يزال صالحا، وأن العطب يكمن في الابتعاد عنه لا في استنفاده.

وهذا المسار يبقى مشدودا إلى مركزية الحركة القائدة بوصفها أفقا شبه حصري لإعادة البناء. ما لا يُحسم هنا هو ما إذا كانت أزمة فتح أزمة أداء وتنظيم، أم أزمة بنية الحركة القائدة نفسه في زمن تغيّرت فيه شروط السياسة جذريا: تفكك المجتمع، ترييف السلطة، تسييس المعاش، وانفصال الشتات عن مركز القرار. أم أزمة نموذج نضال وطني معزول عن عمقه الاستراتيجي الحضاري العربي – الإسلامي.

ثالثا: من تشخيص الاستنفاد إلى سؤال العبور

غير أن الإقرار باستنفاد النموذج لا يكفي بحد ذاته، ما لم يُقترن بسؤال العبور: كيف نغادر نموذجا سياسيا فقد صلاحيته التاريخية، دون الوقوع في فراغ مديد أو فوضى تمثيلية؟ فالقطيعة المطلوبة ليست إعلانا فجائيا، ولا استبدالها ميكانيكيا، بل مسارا تراكميا لإعادة بناء الوعي، ولسحب الشرعية من بنى لم تعد قادرة على الفعل، وبناء بدائل وظيفية تنمو من الهامش إلى المركز، لا العكس. الانتقال هنا ليس لحظة، بل عملية تاريخية طويلة تُدار بالصبر والوعي والمخاطرة المحسوبة.

رابعا: الإبادة كقطيعة… لا كحدث إضافي

ما يجمع الحوار النقدي المهم، هو أنه، بدرجات متفاوتة، لم يدخل الإبادة بوصفها فاصلا تاريخيا كاسرا. غزة لم تكن ذروة الأزمة، بل لحظة انكشاف نهائي لوهم السياسة الأداتية: وهم الانعزال الوطني بذريعة استقلالية القرار، وهم التمثيل، والوساطة، والشرعية الدولية، وإدارة الخسارة.

بعد الإبادة، لم يعد السؤال: كيف نُصلح فتح؟ ولا حتى: كيف نعيد بناء منظمة التحرير؟ بل: ما معنى السياسة أصلا بعد أن تبيّن أن النظام الدولي ليس قابلا للضغط، وأن النظام العربي والإقليمي متواطئا وليس حاميا، وأن القانونين الدولي والإنساني ليسا مرجعية، وأن الإبادة يمكن أن تُدار بلا ثمن؟

هنا، تفقد مفاهيم مثل: الحركة/السلطة، التمثيل/الشرعية، الداخل/الخارج معناها القديم، وتصبح الحاجة ملحّة لإعادة تعريف السياسة بوصفها إنتاج معنى وفعل تحرري، لا إدارة واقع ولا تحسين شروط الهزيمة.

خامسا: إدارة اللحظة لا القفز فوقها

يتطلّب الانتقال من النموذج المستنفد إلى نموذج جديد إدراكا للفارق بين الأزمنة السياسية. ففي المدى القصير، تكون المهمة حماية المجتمع والمعنى من التفكك، ومنع تحويل الإبادة إلى كسر للإرادة. وفي المدى المتوسط، ينصب الجهد على بناء أطر تمثيل وظيفية مرنة، تعيد وصل الفعل السياسي بالحاضنة الاجتماعية داخل الوطن المحتل وخارجه، وتحصينها اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا ومؤسسيا. أما في المدى البعيد، فالسؤال يصبح بلورة حامل سياسي تحرري قادر على خوض صراع طويل الأمد، عابر للأجيال والجغرافيا، دون وهم الحسم السريع.

سادسا: حدود النموذج الوطني في مواجهة الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الوظيفي

ما تحتاجه هذه الطروحات هو خطوة إضافية: تعليق الرهان على حركة فتح والفصائل الفلسطينية كافة، ووضعها موضع اختبار لا افتراض. فتح والفصائل الفلسطينية ليسوا قدرا، بل إحدى ساحات الصراع. وإذا عجزوا عن تلبية شروط التحول الجذري، فإن البحث عن حامل سياسي جديد لا يكون نكرانا للتاريخ، بل استجابة لتحوّل شروطه.

لا تطرح فتح والفصائل الفلسطينية هنا كعدو يُقصى، ولا كقدرٍ لا يُمسّ، بل كساحة من ساحات الصراع السياسي. من يمتلك داخلها القدرة والاستعداد للقطيعة مع الوظيفة السلطوية والانخراط في مشروع تحرري جديد، فهو جزء من المسار. أما من يعجز عن ذلك، فلا يمكن أن يبقى ممسكا بمصير السياسة الفلسطينية بحكم التاريخ أو الشرعية المستنفدة. المعيار الوحيد هنا هو القدرة على التحول، لا الإرث ولا الموقع

ما لا يُقال صراحة هو أن كل محاولات الإصلاح السابقة فشلت، ليس لأنها ناقصة، بل لأنها اصطدمت ببنية لا تسمح بالتصحيح. فالحركة التي انطلقت كرد فعل على النكبة، دون وعي معرفي بطبيعة الصراع الوجودي مع استعمار استيطاني إحلالي وظيفي، وما يضفي عليه ذلك من خصوصية، تتجاوز ما عرفته البشرية عبر تاريخها الممتد من نماذج الاستيطان الاحلالي في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، وتختلف عن نماذج الاستيطان الاستغلالي في الجزائر وجنوب افريقيا وناميبيا إلخ. فالخصوصية اليهودية للمشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني جعلته مشروعا عابرا للأعراق والقوميات، ما يحتم عليه البقاء مغلق على مستوطنيه اليهود، ويتعذر، بذلك، تحوله في أي مرحلة من المراحل إلى دولة وطنية، كما هو حال المشاريع الاستيطانية الإحلالية.

كما أن الدور الوظيفي المسند إليه في إطار المشروع الإمبريالي الغربي الصهيوني العام، يحتم عليه البقاء مفتوحا زمنيا للنمو ديموغرافيا بالهجرة، وللتوسع جغرافيا في محيطه، ما يتعذر تحوله إلى دولة طبيعية يمكن استيعابها في الإقليم، دون نفي إمكانية بقائها لمدة قد تطول تحت وطأة اختلال موازين القوى، لكنها تبقى مؤقتة – مهما طالت – لأنها تعيش على حد السيف وتفتقر إلى شروط البقاء الذاتي.

غياب الوعي المعرفي حكم بنية وسياسات وسلوك حركة فتح وكافة فصائل المقاومة الفلسطينية منذ النشأة، وما يزال، سواء من حيث شروط خوض الصراع الوجودي، وطول أمده باعتباره صراعا عابرا للأجيال وللجغرافيا الفلسطينية، أو من حيث مستلزمات خوضه التي يقتصر فيها دورالشعب الفلسطيني على الصمود المقاوم وإفشال مخططات الإحلال، والحفاظ على الجوهر التحرري. هذا الغياب المعرفي هو ما جعل النموذج الوطني ذاته عاجزا عن قيادة مشروع تحرري نقيض مؤهل لهزيمة المشروع الصهيوني – اليهودي الخاص والإمبريالي العام – والبقاء في إطار بنى تدير الواقع الاستعماري، لكنها تعجز عن كسر القيود التي تبقي فتح والفصائل وعموم الطبقة السياسية الفلسطينية داخل دائرة إدارة الصراع. بسبب قصور النموذج الوطني التحرري المعزول عن عمقه العربي والحضاري الشامل، في مواجهة نظام الحداثة الغربي الصهيوني المادي العنصري المهيمن.

بكلمات أخرى فان العجز لا يعود فقط إلى خطأ وانحراف وفساد وسوء أداء، أو إلى قصوربنيوي فحسب، وإنما إلى عدم صلاحية النموذج الوطني ذاته.

فاقم من المشكلة انخراط حركة فتح في النظام العربي الرسمي الذي تشكل في ذات الإطار الذي أعاد هندسة المنطقة العربية – الإسلامية بعد الهزيمة الكبرى للأمة في الحرب العالمية الأولى، وارتكزت على إنشاء الدول القومية والقطرية واسرائيل في ذات البنية الإقليمية التي تضطلع بمهمة محو الشعب الفلسطيني لإدامة استقرارها. ثم اندماجها وظيفيا بعد أوسلو في سلطة حكم ذاتي محدود مصمّمة لإدارة الواقع الاستعماري في مرحلة التوسع الاستيطاني والإبادة، وانخراطها بذلك، حكما، في مشروع المحو الوجودي للذات.

وهنا لا يعود السؤال أخلاقيا (هل نريد؟) ولا (هل تسمح البنية؟)، بل هل يسمح النموذج ذاته بقيادة مشروع وطني تحرري ضد استعمار استيطاني إحلالي وظيفي؟

سابعا: تسمية المخاطر والقوى المعيقة

لا ينبغي التقليل من حجم المقاومة التي سيواجهها أي مسار تحولي من هذا النوع. فالنخب السياسية والبيروقراطية والمالية المستفيدة من النموذج القائم، والمال السياسي العربي والإقليمي والدولي، إلى جانب الخوف المجتمعي المشروع من المجهول بعد عقود من الانكسار، كلها عوامل ستعمل على تعطيل التحول أو احتوائه. غير أن التاريخ يعلّمنا أن كل مشروع تحرري حقيقي يواجه مقاومة من داخله قبل خارجه، وأن تجنب الصدام مع هذه القوى لا يؤجل الانفجار، بل يعمّقه. والصدام هنا لا يعني الانخراط في مواجهة مباشرة، بل في إعادة بناء الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي بطبيعة الصراع الوجودي، وطول أمده، وشروط خوضه في المراحل المختلفة، بما يحمي الوجود المادي الفلسطيني داخل فلسطين ويحفظ المعنى، والتوعية بمستلزمات البناء التدريجي ومراكمة الأثر، عبر رؤية نهضوية تحررية إنسانية خلاقة تعي ترابط وتزامن حل المسألة الفلسطينية بحل مسألة يهود اسرائيل، عبر استبدال النماذج المغلقة، الدينية والطائفية والقومية والعرقية، بنموذج حضاري جامع يقوم على التنوع والتعددية والتعامل الخلاق مع التداعيات الديموغرافية للمشروع الاستعماري الاستيطاني، بعد تفكيك الكيان الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري، وبناء وطن يتساوى فيه جميع مواطنيه الأصليين والعائدين من مواطن اللجوء، مع من يرغب في مواصلة العيش من يهود إسرائيل في فلسطين، بتساو تام أمام القانون. نموذج حضاري يفكك منطق العصبية، ويحرر التاريخ من التنافس بين الأعراق، والقوميات، والأديان، والطوائف. هذا الطرح ليس طوباويا ، فقد خبرته البشرية على مدى قرون، عندما تم إنشاء نموذج حضاري جامع، مكن شعوبا متعددة الأعراق والألوان والأديان والمعتقدات، من بناء حياة مشتركة، وإنتاج معرفة كونية ذات أفق حضاري مشترك، وتطور وازدهر وامتد جغرافيا عندما علق الامتياز العرقي ، وأفاد من ثراء التنوع داخل منظومة معرفية مفتوحة، ثم اندثر عندما صعد منطق العصبية سواء باسم القوم او العرق أو الدين أو الطائفة أو المذهب ، وملأ الفراغ نظام حداثة مادي عنصري، فصل العقل عن الروح، والسياسة عن الأخلاق، وأعاد تصنيف البشر وجعل العرق الأبيض مركز الكون، وسلع الإنسان، وحوله من غاية إلى وسيلة وأداة تقيّم وفقا لجدواها المادية. وأخضع البشر لعقد أداتي سخر القوة العسكرية والعلوم والتكنولوجيا، وشرع الإبادة لمن صنفهم فائضا بشريا ينبغي التخلص منه ونزع الإنسانية عنهم لإدامة تسيده.

لقد شكل طوفان الأقصى وإبادة غزة لحظة تاريخية نادرة كاشفة لما آلت إليه البشرية في عصر الحداثة المادي العنصري المهيمن الذي بلغ مداه. وباعتبار فلسطين ساحة الإبادة ومركز الصراع الكوني، تكتسب إعادة تعريف السياسة الفلسطينية بعد الإبادة أهمية مركزية، عند تشكيل أي بنى تنظيمية جديدة، مؤهلة للتعامل مع التحديات الوجودية.

ثامنا: مستلزمات الحامل السياسي في زمن ما بعد الإبادة

إذا كان النموذج القديم قد استُنفد، فإن السؤال لم يعد: من يقود؟ بل: ما البنية القادرة على الفعل؟ وما النموذج المؤهل لقيادة المشروع التحرري في مواجهة استعمار استيطاني إحلالي وظيفي؟

يمكن تلخيص مستلزمات الحامل السياسي الجديد في النقاط التالية:

.1القطيعة السياسية مع النموذج الوطني التحرري المعزول عن عمقه الاستراتيجي الحضاري، وعن الأفق المستقبلي بتفكيك الكيان الاستعماري الصهيوني العنصري، وبناء فلسطين الجديدة الوطنية الديمقراطية الجامعة للأعراق والقوميات والإثنيات والأديان والطوائف، والتي يتساوى جميع مواطنيها أمام القانون.

2 . القطيعة الوظيفية مع السلطة: أي فصل الحركة السياسية عن أجهزة الحكم والإدارة والامتياز، وتحويل السلطة – إن وُجدت – إلى أداة خدمات لا مركز سياسي.

.3قاعدة اجتماعية مستقلة ماديا: فلا حامل سياسي بلا قاعدة لا تعيش على رواتب السلطة او التنظيم، ولا على تمويل مشروط، وقادرة على تحمّل كلفة الصدام.

.4إعادة مركزية الشعب لا التنظيم: التنظيم أداة، لا غاية. والحامل السياسي يُقاس بقدرته على التعبئة والتمثيل، لا بعدد أعضائه أو تاريخه.

. دمج الشتات بوصفه عنصرا تأسيسيا: لا سياسة فلسطينية بلا اللاجئين وحقهم في العودة.

. دمج فلسطينيي العام 1948 بوصفهم عنصرا أساسيا، لا سياسة فلسطينية بلا إنهاء التمييز العنصري ضدهم.

. إعادة بناء التمثيل تبدأ من كسر القيد الجغرافي والسياسي الذي فرضه أوسلو.

. إعادة الاعتبار للبعد العربي والإسلامي للصراع الفلسطيني مع المشروع الصهيوني: فلسطين لم تستهدف بالاستعمار الاستيطاني لذاتها، وإنما لتموضعها في مركز الوصل والفصل الجغرافي والديموغرافي والحضاري للأمة العربية-الإسلامية الممتدة.

. خطاب ما بعد الشرعية الدولية: خطاب لا يراهن على اعتراف القاتل، بل على بناء قوة أخلاقية – سياسية تُحرج النظام العالمي وتشتبك معه، لا تستجديه.

استراتيجية تحرر بعيدة المدى عابرة للأجيال: واستراتيجيات متوسطة المدى تديم الفعل التحرري، وتراكم على الإنجازات عبر المراحل، واستراتيجيات قصيرة المدى تعيد تعريف السياسة في زمن الانكشاف، بلا وهم بالحسم، تعيد بناء “نحن” الفلسطينية، لا تفصل بين الحق والقوة، تعزز المناعة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية لمكونات الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه، تلتزم بحماية التماسك الوطني والمجتمعي، تحمي المعنى، وتبقي على جذوة الصراع التحرري.

بنية مرنة غير هرمية: قادرة على الصمود، لا تُختطف بسهولة، ولا تُختزل في قيادة واحدة أو مؤسسة واحدة، وتبقي على التمثيل مفتوحًا، وتبني تحالفات مع القوى التحررية العربية والإقليمية والدولية، وتوفر مرتكزات البقاء المادي للشعب الفلسطيني داخل فلسطين.

تاسعا: الفاعل الانتقالي

لا يفترض هذا الانتقال وجود طليعة جاهزة أو تنظيم بديل مكتمل، بل يقوم على تشكّل فاعل سياسي مركّب، متعدد المستويات، يتكوّن من شبكات اجتماعية ونقابية وشبابية ومقاومة قاعدية، ومن مثقفين عضويين منخرطين في همّ المجتمع لا منفصلين عنه. في هذا المعنى، لا يُعاد إنتاج مركز سياسي جديد مغلق، بل تُبنى قيادة موزّعة، قادرة على التنسيق لا الاحتكار، وعلى التمثيل لا الوصاية.

عاشرا: من نقد الذات إلى تأسيس المعنى

الاشتباك النقدي بين الكتاب والفاعلين الفلسطينيين داخل الوطن وخارجه جزء من مخاض فكري ضروري. لكن اللحظة الراهنة تتطلب القفز خطوة أبعد: من نقد الحركة والفصائل والطبقة السياسية، إلى نقد النموذج ومساءلة السياسة نفسها.

بعد الإبادة، لم يعد مقبولا ترميم بيت تهدّم أساسه. المطلوب ليس إعادة ترتيب الغرف، بل إعادة التفكير في ماذا نبني، لماذا نبني، ولمن، وبأي مواد. هنا فقط، يصبح السؤال السياسي الفلسطيني ممكنا من جديد: كيف نحرّر؟ ومن يملك الحق في حمل هذا المشروع؟ وبأي بنية لا تعيد إنتاج الهزيمة باسم الواقعية؟

إن الانتقال من نقد الذات إلى تأسيس المعنى لا يتم عبر نصوص أو مؤتمرات، بل عبر بناء رؤية سياسية نهضوية، وفعل سياسي جديد يراكم شرعيته من المجتمع لا من الاعتراف الخارجي، ويقيس نجاحه بقدرته على الصمود والتعبئة لا بعدد المقاعد أو المواقع. بهذا المعنى، لا يكون تجاوز النموذج المستنفد نفيا للتاريخ، بل تحريرا له من العبء الذي لم يعد قادرا على حمله.

حادي عشر: السؤال في هذه اللحظة المفصلية

لم يعد السؤال الفلسطيني محصورا في إصلاح الأخطاء أو ترميم المؤسسات. بل أصبح السؤال: ما معنى السياسة الفلسطينية بعد الإبادة؟ ومن القادر على حمل مشروع التحرر الوطني اليوم؟

المقالات تقدم أدوات التشخيص والتحليل، لكنها تضعنا أمام حقيقة صادمة: النموذج القديم لم يعد قادرا على إنتاج حامل سياسي فعّال، ولا على مواجهة تحديات الواقع الاستعماري الإحلالي الوظيفي المستمر. ما هو مطلوب اليوم ليس إصلاحا جزئيا، بل تأسيس معنى جديد للسياسة، وبنية حاملة قادرة على الفعل، على التعبئة، وعلى التمثيل الفعلي للشعب الفلسطيني، داخل الوطن وخارجه، على قاعدة مشروع تحرري شامل.

الرهان لم يعد على استعادة الماضي أو على قادة بعينهم، بل على قدرة الفلسطينيين على إعادة تعريف السياسة نفسها: فصل الحركة والفصائل عن السلطة، استعادة الشعب كمركز الفعل السياسي، دمج الشتات وفلسطيني العام 1948 بوصفهم عناصر أساسية في البناء الوطني، وإعادة بناء قوة أخلاقية – سياسية تتحدى الاستعمار والتوسع الاستيطاني، تستند إلى عمق عربي إسلامي إنساني حضاري شامل.

في هذا الإطار، تصبح كل محاولة إصلاح، أو مؤتمر تنظيمي، أو مراجعة داخلية، اختبارا لقدرة فتح والفصائل الفلسطينية على التحول الجذري، أو إقرارا ضمنيا باستمرار النموذج المستنفد.

السياسة الفلسطينية بعد الإبادة لم تعد إدارة للخسارة أو تحسين شروط الهزيمة، بل إنتاج معنى وفعل تحرري جديد، قادر على إعادة ترتيب العلاقة بين فتح والفصائل والبنى التنظيمية ومنظمة التحرير الفلسطينية والشعب والعمق العربي والإسلامي، وتأهيل الحامل السياسي لمواجهة تحديات اللحظة التاريخية بكل أبعادها.

ثاني عشر: الخيار بين الاستمرار في الدور المستنفد أو البناء الجذري

في النهاية، ما يتقرر هنا ليس مجرد مصير حركة فتح أو الفصائل أو المنظمة أو السلطة، بل مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني بأسره: إما إعادة بناء حامل سياسي قادر على التحرر والفعل، أو الاستمرار في الدوران داخل نموذج مستنفد لا يقدّم سوى إدارة واقع الاستعمار والإبادة.

الانتقال إلى نموذج جديد لا يعني الفراغ أو الفوضى، بل يتطلب مسارا استراتيجيا يراكم الشرعية من الشعب لا من الاعتراف الدولي، ويعيد بناء شبكة حقيقية من التمثيل الوطني: من الداخل الفلسطيني بمكوناته كافة، ومن الشتات، بحيث تصبح القاعدة الاجتماعية والقاعدة التنظيمية أداة للفاعلية السياسية، وليس مجرد امتداد للقيادة التاريخية.

هذا الانتقال يتضمن معالجة كل نقاط الضعف البنيوية: تكريس ثقافة المراجعة النقدية، تنظيم الأطر الداخلية، نزع السياسة عن السلطة، والفصل بينها وبين الحركة والفصائل، تعزيز مناعة الحاضنة الشعبية بكافة أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والمؤسسية، قطع الاعتماد المالي على الخارج الممول، وفك التماهي بين الشخص والتنظيم والوطن. كما يتطلب إعادة قراءة دور النظام العربي والإقليمي والدولي بوصفه عاملا معيقا، يجب استيعابه، وليس مجرد عائق يُنتظر تجاوزه، وبناء تحالفات استراتيجية مع الشعوب وقوى التحرر العربية والإقليمية والعالمية على قاعدة المبادئ الأخلاقية والإنسانية والمصالح المشتركة.

إن بناء حامل سياسي فلسطيني جديد بعد الاستنفاد التاريخي للنموذج السابق ليس مهمة سهلة، لكنه السبيل الوحيد لتجنب الانكسار المستمر، واستعادة القدرة على الفعل التحرري الوطني، على قاعدة مشروع شامل يمتد عبر الأجيال والجغرافيا، ويعيد توصيل فلسطين بتاريخها ومكانتها في قلب الأمة العربية والإسلامية والإنسانية جمعاء.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى