أقلام وأراء

د. غانية ملحيس: دافوس والحداثة الغربية: التصفيق للقواعد وللقوة العارية معا

د. غانية ملحيس 27-1-2027: دافوس والحداثة الغربية: التصفيق للقواعد وللقوة العارية معا

الملخص التنفيذي

ينطلق هذا المقال من لحظة رمزية مكثّفة: اعتراف رئيس الوزراء الكندي في منتدى دافوس بزيف ما سُمّي طويلا «النظام الدولي القائم على القواعد»، في القاعة ذاتها التي صُفّق فيها لخطاب دونالد ترامب الداعي إلى إحلال منطق القوة العارية محل أي التزام معياري.

لا يتعامل المقال مع هذا الاعتراف بوصفه اختراقا أخلاقيا، بل يضعه في سياقه البنيوي والسياسي، بوصفه تعبيرا عن أزمة عميقة في نظام بات واعيا بانكشافه، دون أن يكون مستعدا للتخلّي عن امتيازاته أو عن حقّه في الاستثناء.

يُجادل المقال بأن الاعتراف حين يصدر من قلب منتدى مغلق للنخب السياسية والمالية، لا يفتح التاريخ على التغيير. بل يعيد تنظيم شروط إدارة الأزمة. فالاعتراف الذي لا يقترن بمساءلة قانونية ولا بتكلفة سياسية، يتحول من مدخل للعدالة إلى أداة لإدارة اللاعدالة. من هنا، لا تُنزَع الأقنعة في دافوس لتُحاسَب القوة. بل لتُعاد صياغتها بقدر أقل من النفاق وأكثر من الصراحة.

يفكّك المقال مفهوم «الحداثة الغربية المادية العنصرية» بوصفه بنية تاريخية مهيمنة، لا كيانا ثقافيا متجانسا ولا مؤامرة فاعلين منفردين. هذه البنية تشكّلت عبر تلاقي الرأسمالية والاستعمار والدولة القومية وإنتاج المعرفة، وأنتجت تراتبية في تعريف الإنسان وقيمته، تعمل من خلال شبكة متصارعة من القوى وتحتوي تناقضات داخلية حقيقية. لذلك، لا يرى المقال في انتقائية القواعد خللا طارئا، بل آلية حكم: تُمنح الحقوق حين لا تهدد البنية، ويُعترف بالضحايا حين لا تُفتح ملفات المحاسبة والتعويض.

في هذا الإطار، تقرأ الظاهرة الترامبية لا بوصفها انحرافا شيطانيا أو قطيعة مع النظام الليبرالي، بل باعتبارها لحظة انكشاف تاريخي لعجز الهيمنة الناعمة عن الاستمرار.

بالاستناد إلى والرشتاين وغرامشي، يُبيّن المقال أننا نعيش مرحلة تفكك في قلب المركز، حيث تفقد القواعد قدرتها على ضبط التناقضات البنيوية للرأسمالية المعولمة، فيُستدعى منطق القوة الصريحة بوصفه بديلا اضطراريا عن الإجماع المتآكل.

ترامب، بهذا المعنى، لا يصنع الانهيار، بل يُفصح عنه، ويعلن علنا ما كانت المنظومة تمارسه ضمنيا: تعليق القواعد، توسيع الاستثناء، وتحويل القوة من وسيلة إلى مبدأ.

تبلغ المفارقة ذروتها في دافوس، بوصفه فضاء مكانيا واجتماعيا، حيث تلتقي السلطة والقوة والمال في أكثر صورها تركزا وانفصالا عن شروط الحياة البشرية. فالمكان ليس منصة حوار كونية، بل ناد مغلق تُدار فيه مصائر الشعوب كما تُدار تقلبات الأسواق.

وحين يُعترف بانتقائية النظام الدولي في هذا الفضاء، يصبح الاعتراف آلية تطمين للنخب: نقد بلا تفكيك، وأخلاق بلا كلفة، بينما تُترك الإبادة لتُدار في الأسفل.

يعزّز المقال هذا التفكيك بمعطيات اقتصادية صادمة، مستندا إلى تقرير حديث لأوكسفام صدر في 16/1/2026 تُظهر وصول تركّز الثروة والسلطة إلى مستويات غير مسبوقة تاريخيا.

لا تُستَخدم هذه الأرقام لتوصيف تفاوت اقتصادي فحسب، بل لإظهار من يملك فعليا سلطة القرار في أسئلة الحياة والموت، ومن تُدار حياته بوصفها تكلفة جانبية في معادلات الربح والاستقرار. في هذا السياق، يصبح الحديث عن «إعادة ترتيب القواعد» انعكاسا لهيمنة طبقية عابرة للحدود، لا نقاشا أخلاقيا مجردا.

يضع المقال إبادة غزة في قلب هذا الانكشاف. فغزة ليست سببا وحيدا لأزمة النظام الدولي، ولا اختزالا لمساراته البنيوية، لكنها لحظة اختبار قصوى لادعاءاته القيمية. الإبادة المنقولة بالبث الحي أجبرت الخطاب الغربي على الاعتراف بما كان يُدار سابقا في الظل: الانتقائية الفجّة في تطبيق القواعد، والفجوة بين القيم المعلنة والممارسة الفعلية. بهذا المعنى، تُضعف غزة احتكار الغرب للأخلاق، كما تُضعف تحولات النظام الدولي احتكاره للقوة.

لا تُقدّم غزة في المقال بوصفها رمزا أخلاقيا مجردا، بل كحقل اختبار عملي لانكشاف آليات الهيمنة، وحدود الخطاب الحقوقي حين يواجه القوة العارية. وهي، في الوقت ذاته، ليست مولدا تلقائيا لبديل حضاري مكتمل، بل عقدة انكشاف تتكثف عندها تناقضات النظام، وتصبح فيها كلفة تعليق القواعد أخلاقيا وسياسيا أعلى من السابق.

يؤكد المقال أن الانكشاف وحده لا يصنع التغيير. فالقطيعة الحقيقية لا تبدأ بالاعتراف بزيف السرديات، بل بنزع حقّ الاستثناء من بنية النظام الدولي، وتحويل القواعد من مجال التفاوض إلى مجال الإلزام المتساوي. ويقترح فهم «البديل» لا كنموذج مؤسسي جاهز، بل كمسار تاريخي تعددي، يبدأ بتقييد الاستثناء عبر آليات قانونية وحقوقية عابرة للدول، ويمرّ ببناء استقلالات نسبية في المعرفة والاقتصاد والسياسة، ويتجسّد في تعددية مؤسسية تكسر احتكار المنصّة دون استبداله بهيمنة جديدة.

في الخلاصة، لا يرى المقال في التصفيق المتزامن للاعتراف وللقوة مفارقة أخلاقية فحسب، بل انسجاما بنيويا في طريقة إدارة الانكشاف. وفي هذا المشهد، تقف غزة مرآة للنظام الدولي في لحظة عجزه عن التوفيق بين ادعاءاته وممارساته. ويبقى الامتحان مفتوحا: إما أن يتحول الاعتراف بزيف القواعد إلى استعداد لدفع كلفة الحقيقة، أو أن يظل وعيا مريحا يُدار في منتجع معزول، بينما تُدار الإبادة في الأسفل.

المقال الكامل

حين يُصفَّق للاعتراف والقوة في القاعة ذاتها

في لحظة عالمية يتزايد فيها الانكشاف بين ما يُقال باسم القيم وما يُمارس باسم القوة، يعود سؤال «النظام الدولي القائم على القواعد» إلى الواجهة، ليس بوصفه إطارا ناظما للعلاقات الدولية، بل بوصفه سردية مأزومة تعيش لحظة عريها التاريخي.

من منتدى دافوس، حيث تلتقي السلطة والمال والخطاب الأخلاقي في أكثر صورها تركزا، إلى غزة، حيث تُختبَر هذه السرديات على أجساد البشر، يتتبّع هذا المقال مفارقة الاعتراف بزيف القواعد والتصفيق المتزامن للقوة العارية.

فالاعتراف الذي لا يُنطق في ساحات العدالة، بل في منتجع مغلق للنخب السياسية والمالية، لا يفتح التاريخ على التغيير.

بل يعيد تنظيم شروط إدارته. هنا، لا تُسقط الأقنعة لتُحاسَب القوة، بل لتُعاد صياغتها بقدر أقل من النفاق وأكثر من الصراحة.

من هذا الموقع تحديدا، تردّد خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في منتدى دافوس، حاملا اعترافا غير مسبوق بانكشاف الطابع الانتقائي لما سُمّي لعقود «نظاما دوليا قائما على القواعد». اعتراف بدا، للوهلة الأولى، كأنه لحظة صدق نادرة من قلب المركز الغربي، لكنه سرعان ما كشف – عند وضعه في سياقه – حدود هذا الصدق، ووظيفته الفعلية داخل منظومة تعيش انكشافها ولا تريد تفكيك نفسها.

اعتراف كارني لا يتزامن فقط مع استمرار تأييد دولته لإبادة الفلسطينيين في قطاع غزة وسائر فلسطين الانتدابية وجوارها العربي. بل، أيضا، مع استمرار التمييز العنصري في الداخل الكندي، كما هو الحال في الولايات المتحدة وأستراليا ونيوزيلاندا مع السكان الأصليين والأقليات العرقية، وإن تفاوتت مستوياته: من اعتذار جزئي خجول واعتراف بالإبادة الثقافية للسكان الأصليين، وإقرار محدود بحقوق دستورية للمواطنين من أصول عرقية ومعتقدات مختلفة، دون أن يفضي ذلك إلى مساواة فعلية أو شراكة سيادية. هكذا يتحول الاعتراف من مدخل للعدالة إلى أداة لإدارة اللاعدالة.

انتقائية النظام الدولي، كما يقرّ بها كارني، ليست خللا طارئا، بل آلية حكم في نظام الحداثة الغربي المادي العنصري المهيمن: تُمنح الحقوق حين لا تهدد البنية، ويُعترف بالضحايا حين لا تُفتح ملفات المحاسبة والتعويض.

لا يُقصد بالحداثة الغربية هنا كيانا ثقافيا متجانسا، بل بنية تاريخية مهيمنة تشكّلت عبر تلاقي الرأسمالية والاستعمار والدولة القومية وإنتاج المعرفة، وأنتجت تراتبية مادية وعنصرية في تعريف الإنسان وقيمته. وهي بنية لا تُختزل في فاعلين بعينهم، ولا تُنسب إلى المجتمعات الغربية باعتبارها كتلة واحدة، بل تعمل عبر شبكة متصارعة من القوى، وتحتوي تناقضات حقيقية أنتجت خطاب الحقوق بقدر ما عطّلته.

أولا: الاعتراف في قلب المركز الغربي

اللافت أن الاعتراف جرى في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس وسط لحظة عالمية حرجة، بحضور وازن لممثلي النظام الذين يستأثرون بالقوة والسلطة والمال (حوالي ٣٠٠٠ شخص ، من بينهم ٦٠ رئيسا ورئيس وزراء، و٥٥ وزير اقتصاد ومالية، و٨٠٠ رئيس تنفيذي لشركات عالمية)،وبمشاركة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي توج نفسه، في السنة الأولى من فترته الرئاسية الثانية، إمبراطورا للعالم لا شريك له ، قادرا على إعادة هندسة النظام الدولي وفق رؤاه، وملوحا لمن قد يعترض بمصير مماثل للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس. ومهددا من قد يتمرد بنموذج الإبادة في قطاع غزة، ومن يتلكأ في تنفيذ الأوامر بسحب الغطاء كما أوكرانيا وقسد، ومن يعلي الصوت ويظن نفسه نظيرا بعقاب اقتصادي وجمركي، وبالتهديد بتفكيك الناتو، كما هو الحال مع حلفائه في كندا وأسلافه في أوروبا الغربية.

وعليه فإن استعارة مارك كارني لمقولة فاكلاف هافل ” إزالة اللافتة “، على أهميته الرمزيّة، مضللا. فإذا كانت استعارة هافل تحيل إلى لحظة يتوقّف فيها الفرد عن ترديد كذبة يعرف زيفها، فإن السؤال في الحالة الدولية الراهنة لا يتعلّق بوعي الدول بزيف القواعد فحسب، بل باستعدادها للتخلّي عن حقّ الاستثناء حين يصبح مكلفا. والفارق جوهريّ بين الحالتين فقد فتح هافل التاريخ للتغيير انطلاقا من الشارع، ما أدى لسقوط النظام الشمولي المهيمن. في حين أن كارني أطلقه من منتجع دافوس، الذي يصوغ فيه الأقوياء مستقبل البشرية. ولو أراد باستعارته فتح التاريخ للتغيير، فبإمكانه فعل ذلك انطلاقا من بلاده أولا، ومن غزة ثانيا. فلم تكن القضية يوما في غياب القواعد، بل في تطبيقها الانتقائي: قواعد تُستحضر حين تُدين الضعيف، وتُعلّق حين تُقيّد القوي.

ثانيا: الاعتراف والتصفيق… في القاعة ذاتها

المفارقة الأشد دلالة لم تكن في مضمون خطاب الاعتراف وحده، بل في المشهد الذي احتضنه. فالحضور ذاته الذي غادر قاعة دافوس وهو يُحيّي صراحة كارني بالاعتراف بزيف القواعد، هو نفسه الذي صفق – من دون حرج يُذكر – لخطاب دونالد ترامب، الذي لا يكتفي بنزع الأقنعة عن هذا النظام، بل يعلن صراحة استبداله بنظام القوة العارية، ويقترح له إطارا مؤسسيا مباشرا تحت مسمّى «مجلس السلام».

التصفيق هنا ليس تعبيرا عن تناقض أخلاقي، بل عن انسجام بنيوي: انسجام بين الاعتراف بوصفه إدارة للأزمة، والقوة بوصفها حلّها النهائي. هذا يحوّل التصفيق من “فضيحة” إلى آلية حكم.

نحن هنا لسنا إزاء قطيعتين متعارضتين، بل أمام مسارين لإدارة الانكشاف ذاته:

الأول، يُقرّ بانهيار السردية القديمة، لكنه يسعى إلى ترميمها عبر «واقعية قيمية» تُعيد ترتيب شروط الامتثال دون المساس بحقّ الاستثناء.

الثاني، يتخلّى عن السردية من أصلها، ويحوّل القوة – بلا مواربة إلى قاعدة تأسيسية للنظام الدولي، لا إلى انحراف عنه.

الأخطر في هذا المشهد ليس جرأة الإعلان، بل عجز- أو تواطؤ – الفضاء الغربي الرأسمالي عن مواجهته مواجهة مبدئية. فالمتحفّظون الغربيون لا يرفضون وصاية «مجلس السلام» لأنه يُقوّض فكرة العدالة الدولية، بل لأنهم يخشون أن يُقوّض شروط تفاوضهم داخله.

الامتناع عن الانضمام، هنا، ليس موقفا أخلاقيا بقدر ما هو حساب استراتيجي: من ينضم؟ من ينتظر؟ من يراهن على تعديل القواعد من الداخل؟ ومن يكتفي بتحسين موقعه على هامش القوة الصريحة؟

ثالثا: من القواعد الانتقائية إلى القوة المُقنَّنة

الإدارة الأمريكية في نموذجها الترامبي هنا ليست نبتا شيطانيا، ولا سببا في التحوّل، بل شكله الأكثر عُريا. فالشخصنة التي تُغري بها فجاجة خطابه وسلوكه لا ينبغي أن تحجب حقيقة أعمق: دونالد ترامب لا يصنع انهيار النظام الدولي، بل يُفصح عنه.

بلغة إيمانويل والرشتاين، لا نعيش انتقالا منظما من نظام عالمي إلى آخر، بل مرحلة تفكك في قلب المركز، حيث تفقد القواعد قدرتها على ضبط التناقضات البنيوية للرأسمالية المعولمة، فيُستدعى منطق القوة الصريحة بوصفه بديلا اضطراريا عن الإجماع المتآكل. وبهذا المعنى، فإن ترامب لا يمثّل قطيعة مع النظام، بل تعبيرا متأخرا عن أزمته البنيوية.

أما من منظورغرامشي، فيمكن فهم الظاهرة الترامبية بوصفها لحظة انتقال من الهيمنة القائمة على الرضى والإقناع، إلى السيطرة القائمة على الإكراه المباشر، حين تعجز الطبقة المهيمنة عن إنتاج «المعنى المشترك» الذي يضمن امتثال الخاضعين. خطاب ترامب، ومقترحاته الفجّة من قبيل «مجلس السلام»، ليست مشروعا مؤسسا، بقدر ما هي اعتراف غير مقنّع بفقدان القدرة على إدارة العالم عبر الأقنعة القديمة.

من هنا، فإن خطورة ترامب لا تكمن في كونه فاعلا منفردا، بل في كونه أداة تاريخية سمحت له أزمة الهيمنة بأن يتقدم إلى الواجهة، وأن يقول علنا ما كانت المنظومة تمارسه ضمنيا: تعليق القواعد، توسيع الاستثناء، وتحويل القوة من وسيلة إلى مبدأ. وعليه، فإن التركيز على ترامب بوصفه مصدر التحوّل يُخطئ التشخيص، لأن ما نعيشه هو تحوّل أوسع من الأفراد، وأعمق من السياسات، وأخطر من أن يُختزل في شخصية واحدة.

وهنا تتكشّف حدود خطاب «إزالة اللافتة» كما طُرح في دافوس. فالمشكلة لم تكن يوما في اللافتة وحدها، بل في الاستعداد الجماعي للقبول بما يليها: الاعتراف بزيف القواعد لا يقود بالضرورة إلى مساءلة علاقات القوة، بل قد يقود – كما في هذا المشهد – إلى التكيّف مع صورتها الأكثر عُريا.

رابعا: دافوس: الحقيقة في منتجع الأثرياء

تزداد المفارقة حدّة حين نضع الخطابين في سياقهما المكاني والاجتماعي. فالمشهد، كما سبقت الإشارة، لا يُنتج في الشارع، ولا في قاعة سياسية محايدة، بل في منتدى أثرياء العالم، حيث تلتقي السلطة والقوة والمال في أكثر صورها تركزا وانفصالا عن شروط الحياة البشرية. حيث يُعاد ترتيب العالم بعيدا عن أعين من يعيشون نتائجه. في هذا الفضاء المعزول، تُناقش مصائر الشعوب كما تُناقش تقلبات الأسواق. ويُعاد تعريف من له الحق في الحياة، ومن يمكن تأجيل حياته أو شطبها باسم الاستقرار والنمو.

حين يُعترف بانتقائية النظام الدولي في دافوس، فإن الاعتراف يتحول إلى آلية تطمين للنخب: اعتراف بلا تكلفة، ونقد بلا تفكيك، وأخلاق تُدار من علٍ بينما تُترك الإبادة لتُدار في الأسفل.

دافوس، بهذا المعنى، ليس مكانا لانكشاف الحقيقة، بل لإدارتها.

خامسا: تركّز الثروة مقابل هشاشة البشر

تتأكّد شراسة هذه المفارقة إذا نظرنا إلى البيانات الإحصائية الواردة في تقرير أوكسفام الصادر في 16/1/2026، وكشفه عن بلوغ تركّز الثروة والسلطة مستوى غير مسبوق في التاريخ الحديث:

• أغنى 1% من سكان العالم حصلوا على ما يقرب من ثلثي كل الثروة الجديدة البالغة قيمتها 42 تريليون دولار، التي تمّ خلقها منذ 2020 (العام الذي تفشى فيه وباء الكورونا، وبذريعته تم الانقلاب على كل المكتسبات التي حققتها الشعوب إبان حقبة الثنائية القطبية)، أي تقريبا ضعف ما حصل عليه الـ 99% الأدنى من سكان العالم. أي أن هذه القلة القليلة تتحكّم في موارد، سياسات، وقرارات تؤثر في البشرية جمعاء.

• ثروات 12 فردا فقط من أثرى أثرياء العالم، تفوق ما يملكه النصف الأفقر من البشر نحو نصف سكان الكوكب (4 مليار إنسان).

• ثروات المليارديرات ترتفع بمعدل 2.7 مليار دولار يوميا، بينما يعيش ما لا يقل عن 1.7 مليار عامل في دول يتجاوز فيها التضخم الأجور.

• ثروات المليارديرات قفزت مع ارتفاع أرباح الغذاء والطاقة بسرعة غير مسبوقة. فقد أظهر التقرير أن 95 شركة غذاء وطاقة حققت عام 2022، أثناء جائحة الكورونا، أرباحا مفاجئة قدرها 306 مليار دولار، تم توزيع 257 مليار دولار منها (84%) على المساهمين الأثرياء.

• منذ انتخاب دونالد ترامب في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، بات معدل نمو ثروات أصحاب المليارات أسرع بثلاث مرات مقارنة بما كان عليه المعدل السنوي الوسطي في السنوات الخمس السابقة. وفيما سجل أصحاب المليارات في الولايات المتحدة أعلى نسب النمو لثرواتهم، شهد نظراؤهم في بقية أنحاء العالم زيادة تفوق 10 %. فقد استفاد الأثرياء حول العالم من الإجراءات التي اتخذتها إدارة دونالد ترامب، بما في ذلك الريادة في إلغاء الضوابط التنظيمية، وتقويض الاتفاقات الرامية إلى زيادة الضرائب على الشركات

• على مدى عقود، استخدمت النخب الاقتصادية نفوذها السياسي والاقتصادي بشكل منهجي لمحاولة عرقلة الإصلاحات الضريبية التصاعدية والاستفادة من الخصخصة. خلال الأربعين عاما الماضية، خفّضت الحكومات في الأمريكتين وأوروبا وآسيا وإفريقيا معدلات ضريبة الدخل على الأثرياء بذريعة حفز الاستثمار، بينما رفعت الضرائب غير المباشرة على السلع والخدمات (ضريبة المبيعات وضريبة القيمة المضافة) التي تساوي بين الأغنياء والفقراء، ما أدى إلى تفاقم التفاوت بين الدول، وبين الطبقات داخلها.

• يشير التقرير إلى أن فرض ضريبة بنسبة 5% فقط على أصحاب الملايين والمليارديرات في العالم، يمكن أن يجمع 1.7 تريليون دولار سنويا، كافية لإنقاذ 2 مليار شخص من الفقر.

• يظهر التقرير أن احتمال تولي أصحاب المليارات للمناصب السياسية أعلى بأربعة آلاف ضعف مقارنة بالأشخاص العاديين.

• كما يشير إلى أن البلدان ذات اللامساواة الأشد في الثروة تكون أكثر عرضة بسبعة أضعاف لتآكل الديموقراطية، مقارنة بالبلدان التي تقل فيها اللامساواة.

إذ يستخدم أصحاب الثراء الفاحش ثرواتهم الاقتصادية لشراء نفوذ سياسي مفرط، حدا يمكنهم من التلاعب بالانتخابات والاقتصادات، وتعميق نفوذهم عبر السياسة ووسائل الإعلام ومؤسسات العدالة. فيما تسحق الحكومات، في مختلف أنحاء العالم، أصوات المعارضة والاحتجاجات، ويتنامي استهداف المدافعين عن حقوق الانسان والبيئة والصحفيين والنقابات العمالية.

وقد أتاح شراء أصحاب الثراء الفاحش لوسائل الإعلام توسيع نفوذهم السياسي، وتشكيل الخطاب العام، وإضفاء الشرعية على تراكم ثرواتهم وسلطتهم، فضلا عن النظام الاقتصادي الذي يشكل البيئة الممكنة لطبقة أصحاب المليارات. وأشار التقرير إلى شبكة العدالة الضريبية في بريطانيا وجدت في العام 2024، أنّه وسط تزايد الضغط الشعبي لفرض ضرائب على ثروات أصحاب الثراء الفاحش، نُشر 30 مقالا إخباريا يوميا حول ما يُزعم أنه هجرة جماعية لأصحاب الملايين من المملكة المتحدة، وضخمت أعداد المغادرين من أصحاب الملايين بشكل كبير. حدث هذا في بلد تسيطر فيه أربع عائلات فقط من أصحاب الثراء الفاحش على ثلاثة أرباع الصحف المتداولة.

في هذا السياق، لا تعكس هذه البيانات تفاوتا اقتصاديا فحسب، بل توضح من يملك فعليا سلطة القرار في سؤال الحياة والموت، ومن تُدار حياته بوصفها تكلفة جانبية في معادلات الربح والاستقرار.

وهذا ما يجعل النقاش عن القواعد أو إعادة ترتيبها في مكان مثل دافوس ليس مجرد مسألة تنظيم سياسي، بل انعكاسا لهيمنة طبقة مُتراكِمة للثروة والسيطرة على مصير العالم، بينما يُناقَش في نفس المكان مصير شعوب مُنهَكة – كغزة – بوصفه مشروعا اقتصاديا أو أمنيا أكثر منه اختبارا أخلاقيا للعدالة.

سادسا: إبادة غزة التي أجبرت الاعتراف

الاعتراف الغربي بانتقائية النظام الدولي لم يكن ممكنا لولا التحولات الجيوسياسية والجيواستراتيجية العالمية المتسارعة في أعقاب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، المنقولة وقائعها بالبث الحي ويشهدها العالم أجمع، ما عمق الصدوع التكوينية في نظام الحداثة الغربي المادي العنصري، وكشف خطورة النظام النيوليبرالي الذي يقوده عقل أداتي لا أخلاق له ولا حدود لتوحشه، ليس على قطاع غزة وجنوب العالم فحسب، وإنما على الإنسان في الدول الغربية ذاتها، وعلى امتداد العالم. فلم تكن المأساة في غزة مجرد أزمة إنسانية محلية، بل اختبارا مباشرا للنظام الدولي الذي أسسته حضارة الحداثة الغربية قبل ستة قرون.

لقد أجبرت الإبادة الجماعية المتواصلة للعام الثالث على التوالي المسؤولين الغربيين على مواجهة الحقيقة: فالاعتراف لم يكن ليصدر لولا الضغط الشعبي المباشرالذي فرضه حجم المأساة، والصور، والشهادات، والأعداد الكبيرة من الضحايا. فقد كشفت غزة استمرار الانتقائية في تطبيق القواعد، وفضحت فجوة القول والفعل بين القيم المعلنة وواقع الممارسة. وفي قلب الإبادة، صارت غزة معيارا للتكلفة الأخلاقية والسياسية. ولم يعد استمرار تعليق اللافتة خيارا سهلا، بل أصبح مكلفا سياسيا ومعنويا. ومن دون ما كشفته غزة، كان الاعتراف سيبقى تحليلا نظريا أو خطابا رمزيّا، لا لحظة صراحة نادرة من أعلى المستويات السياسية.

بهذا المعنى، غزة ليست فقط كارثة من صنع الغرب الاستعماري، بل شرط لازم لجعل خطاب «إزالة اللافتة» صادقا وملزما على الأقل على مستوى الاعتراف، حتى لو بقيت الخطوات العملية محدودة أو مشروطة بمصالح القوى.

غزة هنا لا تُستدعى بوصفها مركز العالم، بل بوصفها اللحظة التي فشل فيها النظام في الهروب من اختبار ادعاءاته.

وغزة لا تُستدعى في هذا المقال بوصفها تفسيرا أحاديا لانكشاف النظام الدولي، ولا باعتبارها مولدا تلقائيا لبديل مكتمل للحضارة الغربية الآخذة في الأفول. فاللحظة الراهنة هي حصيلة مسارات بنيوية أوسع: تصدّع ميزان القوة العالمي، صعود أقطاب دولية وازنة كالصين. وإذا كانت الصين تُضعف احتكار الغرب للقوة من داخل حضارة الحداثة المادية ذاتها، فإن غزة تُضعف احتكار الغرب للأخلاق. أزمة الرأسمالية المتأخرة. التحولات التكنولوجية العميقة، غزة ليست سبب الثورة التكنولوجية، بل أول فضاء تُختبَر فيه التكنولوجيا كأداة إبادة مكشوفة بلا غطاء أخلاقي. ما جعلها محفزا لتآكل شرعية الحداثة الغربية في مراكزها وأطرافها على السواء.

وعليه، ما تمنحه غزة لهذا المشهد لا يكمن في سببيتها، بل في قدرتها الكاشفة: فهي اللحظة التي يُختَبَر فيها النظام الدولي في ادعاءاته القيمية، لا في كفاءته الإدارية أو مرونته التكتيكية.

غزة، بهذا المعنى، ليست بديلا عن هذه العوامل ولا اختزالا لها.

بل عقدة انكشاف قصوى تتكثف عندها تناقضات النظام، وتُدفَع فيها القواعد الانتقائية إلى حدودها العارية، ما يتعذّر معه الاستمرار في تعليق اللافتة من دون كلفة أخلاقية وسياسية فادحة.

سابعا: غزة بوصفها الاختبار الأخلاقي الأوضح للهجوم الغربي على الفكرة التحررية

ينشغل نظام الحداثة الغربي المادي العنصري منذ أكثر من عامين بشن حرب لإبادة قطاع غزة واستئصاله من الجغرافيا والديموغرافيا والتاريخ والذاكرة. ولا يمنع ذلك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الإعلان بفجاجة عن مشروعه لاقتلاع سكان غزة وتحويلها إلى “ريفيرا الشرق الأوسط “، ثم يعرض صهره في منتدى دافوس خرائط ومخططات لغزة الجديدة: مجسمات للأبراج السكنية، والمنتجعات السياحية، والمناطق الصناعية، ومحطة القطار، والمطار، والميناء، ونقل معبر رفح مع مصر إلى إسرائيل لإحكام السيطرة الاستعمارية على حركة من يسمح ببقائهم من السكان، لتلبية حاجة مشروعه الاستثماري للعمالة الرخيصة.

وبالتزامن، لا تتوانى الامبراطورية الأمريكية عن تكرار التهديد بمحو غزة إن لم تمتثل بسرعة، والتهديد بشن حروب مدمرة على كل من يناصرها، من فنزويلا وكوبا إلى لبنان واليمن وإيران، لمحاصرة الفكرة التحررية التي أطلقتها غزة الصغيرة المحاصرة بالقتل والجوع، ولمعاقبتها بسبب كشفها أعطاب نموذج الحداثة الغربي المادي العنصري المدمر، وإثباتها قدرة الإنسان – مهما بلغ ضعفه – على تحدي النموذج الذي روج له فوكو وهانينغتون، بعيد انهيار الثنائية القطبية، والتنبيه إلى إمكانية بلورة نظام حضاري إنساني نقيض.

ثامنا: إزالة اللافتة أم إعادة تعليقها بصيغة أخرى؟

من هنا، يصبح السؤال: هل ما قصده مارك كارني هو إزالة حقيقية للافتة، أم إعادة تعليقها بصيغة أكثر صراحة؟ فحين يُستبدل نظام القواعد الانتقائية بنظام القوة المُعلنة، لا نكون بالضرورة قد غادرنا منطق الكذبة، بل ربما انتقلنا إلى كذبة أقل تزويقا: كذبة تقول إن الوضوح في ممارسة القوة يُغني عن مساءلتها.

تاسعا: من الانكشاف إلى التأسيس للتغيير

الانكشاف وحده لا يغيّر شيئا. الأنظمة لا تسقط لأنها كُشفت، بل لأنها فقدت قدرتها على احتواء البدائل.

القطيعة الحقيقية لا تبدأ بالاعتراف بزيف السرديات، بل بنزع حقّ الاستثناء من بنية النظام الدولي. أي نقل القواعد من مجال التفاوض إلى مجال الإلزام المتساوي، بحيث لا تُعلَّق حين تصبح مكلفة، ولا تُفَعَّل فقط حين تُخدم الأقوى. والعدالة، في هذا المعنى، ليست قيمة خطابية ولا شعارا أخلاقيا، بل آلية تقييد للقوة.

الانتقال من الانكشاف إلى التأسيس للتغيير يمرّ عبر أربع عتبات مترابطة:

تحويل الانكشاف من صدمة أخلاقية إلى معرفة بنيوية: فهم أن ما كُشف هو بنية النظام نفسه، لا مجرد خطأ أو خلل عرضي. غزة تظهر أن النظام يعمل دائما بمنطق الاستثناء.

نقل الصراع من الأخلاق إلى قابلية الإلزام: العدالة لا تُستجدى، بل تُراكَم عبر آليات ملموسة: كالتدويل القانوني، الكتل الحقوقية العابرة للدول، وأدوات مساءلة ملموسة.

كسر احتكار المنصّة وبناء فضاء معرفي بديل: المعرفة المضادة والمرجعيات الجديدة تحرر السرد من سيطرة مركز القوة، وتجعل غزة معيارا لفهم آليات الهيمنة.

التموضع التاريخي والاستراتيجي: الانتقال من انتظار إصلاح النظام إلى بناء مواقع استقلال نسبي في المعرفة والسياسة والاقتصاد، لتحويل الرفض الأخلاقي إلى استراتيجية طويلة النفس. لا يقدّم هذا المقال “بديلا” بوصفه نموذجا مؤسسيا مكتمل الملامح، لأن منطق النماذج الجاهزة هو ذاته أحد أعطاب النظام الذي يمنح القوة حقّ الاستثناء. البديل هنا يُفهم بوصفه مسارا تاريخيا تعدديا، لا قطيعة فجائية ولا هندسة شاملة.

يبدأ هذا المسار بتقييد القدرة على الاستثناء عبر آليات قانونية وحقوقية عابرة للدول، ويمرّ ببناء استقلالات نسبية في المعرفة والاقتصاد والسياسة، دون ادّعاء الاكتفاء أو النقاء، ويتجسّد في تعدّد مؤسسي يكسر احتكار المنصّة ولا يستبدله بهيمنة بديلة. في هذا الإطار، لا تُقاس جدّية البديل بمدى اكتماله النظري، بل بقدرته على الصمود أمام الاختبار الأخلاقي المستمر، حيث لا تعود القواعد قابلة للتعليق حين تصبح مكلفة، ولا تُمنَح القوة شرعية تلقائية لمجرد امتلاكها. عاشرا: غزة كمرآة للنظام الدولي

ليست المفارقة أن يُصفَّق لخطاب يعترف بزيف القواعد وآخر يعلن تجاوزها، بل أن يحدث التصفيق لهما في المحفل ذاته، ومن المنظومة ذاتها، وبالمنطق ذاته: منطق تحسين شروط التكيّف مع القوة، لا منطق مساءلتها.

في دافوس، لم تُنزَع اللافتة عن واجهة النظام الدولي فحسب، بل كُشِف ما خلفها: عالم تُدار فيه الحقيقة من الأعلى، وتُحسب العدالة بميزان الربح، ويُختبر الإنسان بمدى قابليته للامتثال. عالم تُناقَش فيه مصائر الشعوب كما تُناقَش مؤشرات الأسواق، ويُعاد فيه تعريف من يستحق الحماية، ومن يمكن تأجيل حياته أو شطبها باسم الاستقرار.

وغزة، في هذا المشهد، ليست استثناء ولا ذروة خطابية، بل المرآة التي انعكس عليها النظام في لحظة عجزه عن التوفيق بين ادعاءاته وممارساته. فإما أن يتحوّل الاعتراف بزيف القواعد إلى استعداد لدفع كلفة الحقيقة – قانونيا وسياسيا وأخلاقيا – وإما أن يبقى وعيا مريحا يُدار في منتجع معزول، بينما تُدار الإبادة في الأسفل.

هنا، لا يعود السؤال إن كانت اللافتة قد أُزيلت، بل عمّا إذا كان العالم مستعدا للعيش من دونها، حين لا تعود القواعد قابلة للتعليق، ولا تُمنَح القوة شرعية تلقائية لمجرد امتلاكها. ذلك هو الامتحان الحقيقي لمعنى «إزالة اللافتة»، ولم يُجب عنه بعد.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى