أقلام وأراء

د. غانية ملحيس: القضية الكردية كوظيفة إقليمية في سياق هندسة التفكك المشرقي: قراءة نقدية في مقاربة د. وليد عبد الحي

د. غانية ملحيس 22-1-2026: القضية الكردية كوظيفة إقليمية في سياق هندسة التفكك المشرقي: قراءة نقدية في مقاربة د. وليد عبد الحي

تنطلق هذه القراءة النقدية لمقال الدكتور وليد عبد الحي المعنون “القضية الكردية بين الجيوثقافي والجيواستراتيجي” في 20/1/2026، من مقاربة تاريخية – بنيوية، وليس من منظور الجيوبوليتيك الوظيفي. ينطلق التحليل من فرضية منهجية ترى في الأكراد «أقلية» تخضع، كغيرها من الأقليات، لمعادلات النزوع الانفصالي التي تحكمها الجغرافيا وحدود الدولة القطرية والنظام الإقليمي. ورغم ما في هذا التحليل من صرامة إحصائية واتساق داخلي، إلا أنه يقوم – في تقديري – على إزاحة تأسيسية للمسألة الكردية من سياقها التاريخي والسياسي الحقيقي، بما يُفضي إلى نتائج دقيقة تقنيا، لكنها إشكالية بنيويا.

أول الإشكاليات يتمثل في توصيف الأكراد بوصفهم “أقلية”. فهذا التوصيف لا يُعدّ توصيفا محايدا، بل يحمل حمولة سياسية ومعرفية تفترض:

1. وجود دول وطنية مكتملة الشرعية والسيادة،

2. واندماجا تاريخيا طبيعيا داخلها،

3. ثم نشوء نزعة انفصالية لاحقة داخل هذا الإطار.

بينما الواقع التاريخي يقول العكس تماما:

الأكراد شعب تاريخي حُرم من الاستقلال القطري عند لحظة تفكيك دولة الخلافة، وجرت إعادة توزيع أرضه وشعبه قسرا على دول نشأت هي نفسها كنتاج مباشر لاتفاقية سايكس – بيكو.

وعليه، فنحن لسنا أمام “أقلية تسعى للانفصال”، بل أمام شعب مُفكَّك مُنع من التشكّل السياسي أصلا. هذا الفرق ليس لغويا، بل تأسيسي، لأنه يغيّر موقع القضية من خانة “إدارة التنوع داخل الدولة” إلى خانة نقد نشأة الدولة القطرية نفسها.

ثانيًا، يربط المقال تعثّر النزعة الكردية بما يسميه “الجدار الجيواستراتيجي الإقليمي”، أي خوف الدول الأربع (تركيا، إيران، العراق، سوريا) من انتقال العدوى الانفصالية. غير أن هذا التفسير، رغم وجاهته الظاهرية، يُغفل أن هذا “الجدار” ليس معطى طبيعيا ولا استجابة تلقائية لمخاوف أمنية، بل هو نتاج هندسة استعمارية مقصودة رافقت إعادة تشكيل المشرق العربي – الإسلامي بعد الحرب العالمية الأولى.

فمنع قيام دولة كردية لم يكن قرارا عارضا أو استجابة ظرفية لمخاوف أمنية آنية. بل جاء متزامنا تاريخيا ووظيفيا مع إعادة تشكيل المشرق العربي – الإسلامي عقب الحرب العالمية الأولى. في هذه المرحلة، شهدت المنطقة أيضا زرع الكيان الاستعماري الصهيوني العنصري الاستيطاني الإحلالي في فلسطين، الذي شكّل ركيزة بنيوية في نظام إقليمي جديد. هذا النظام لم يقتصر دوره على إعادة ترسيم الحدود، بل هدف أيضا إلى منع نشوء فضاء مشرقي وازن قادر على استعادة وحدته أو تحقيق توازن حضاري وسياسي مستقل.

وفي هذا الإطار، لا يمكن النظر إلى تفتيت المجال الكردي بوصفه حالة استثنائية أو نتيجة عرضية لتوازنات إقليمية لاحقة، بل باعتباره أحد أوجه استراتيجية أوسع لإدارة المنطقة عبر التفكيك والاستنزاف. فقد قامت هذه الاستراتيجية على إبقاء المكونات المركزية الأصيلة في المشرق – العرب، والأتراك، والإيرانيين، والأكراد – في حالة توجس متبادل وصراع داخلي دائم، بما يحول دون تبلور أي إطار إقليمي متماسك يمكن أن يشكّل تحديا بنيويا للكيان الصهيوني المستحدث أو للنظام الدولي الذي وفر له الرعاية والغطاء والاستمرارية.

من هنا، فإن “النظرة الجيواستراتيجية الإقليمية” التي يتحدث عنها المقال ليست سببا مستقلا لفشل المشروع الكردي، بل هي أداة ضمن منظومة منع أشمل، تُدار عبر الأمن والتحالفات والحدود المصطنعة، لا عبر الجغرافيا وحدها.

ثالثًا، يتعامل المقال مع الارتباط الخارجي لبعض القوى الكردية بوصفه تشويها للمطلب القانوني، وهو توصيف أخلاقي مفهوم، لكنه سياسيا غير مكتمل. فالارتهان للخارج لا يمكن فهمه خارج انسداد الأفق التاريخي الذي فُرض على الشعب الكردي منذ قرن، من باب التفسير وليس التبرير. فحين يُغلق باب الاستقلال، وتُمنع حتى الصيغ المرنة للسيادة، يصبح اللجوء إلى الخارج نتيجة لا سببا، وعرضا لا جوهرا في الأزمة.

رابعا، الحل الوسط الذي يقترحه المقال – التوفيق بين حق الهوية الفرعية والأمن الوطني – يبقى حلا إداريا داخل إطار الدولة القطرية، بينما جوهر المسألة الكردية يتجاوز هذا الإطار نفسه. فالمعضلة ليست فقط في كيفية حماية الهوية، بل في شرعية الكيانات التي تطلب من الأكراد، الاكتفاء بالهوية دون السياسة، في حين أنها نتاج تاريخي أحدث من الشعب الذي تُطالبه بذلك.

خلاصة القول:

يقدّم المقال تشخيصا قويا لكيفية فشل النزعات الانفصالية ضمن النظام الإقليمي القائم، لكنه يعجز – بحكم منطلقاته – عن مساءلة المنظومة التي جعلت هذا الفشل قاعدة بنيوية.

ومن دون إعادة إدراج القضية الكردية في سياق سايكس – بيكو، وفلسطين، وهندسة التفكك المشرقي، سيظل التحليل يدور داخل شروط المنع، لا حول أسبابها العميقة.

ما يطرح سؤالا مهما: هل يمكن لأي تحليل جيواستراتيجي أن يكون محايدا إذا تجاهل شروط نشأة المجال الذي يحلله؟.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى