أقلام وأراء

د. غانية ملحيس: الإبادة الحديثة، نزع السياسة، اللغة، والوصاية الإنسانية: فلسطين نموذجا (الجزء الاول)

د. غانية ملحيس 4-2-2026: الإبادة الحديثة، نزع السياسة، اللغة، والوصاية الإنسانية: فلسطين نموذجا (الجزء الاول)

مقدمة

تواجه النظرية السياسية المعاصرة تحديا جوهريا حين تتقاطع مع حالات الإبادة الحديثة: فهي مطالبة ليس فقط بتفسير العنف، بل بتفسير شروط إمكانه داخل النظام الدولي، والشروط التي تجعل من بعض المجتمعات «أكثر قابلية للإلغاء» دون مساءلة فاعلها. هذا المقال البحثي ينطلق من فرضية أساسية: أن الإبادة الحديثة لا تُفهم بوصفها انحرافا عن النظام أو فشلا أخلاقيا، بل بوصفها وظيفة بنيوية ضمن منطق إدارة الدولة والمجتمع حين تُنزع السياسة من وجودها^1. ولا يعني هذا التعامل مع الإبادة بوصفها حتمية تاريخية، بل بوصفها إمكانية بنيوية تُفعَّل حين تُفرَّغ السياسة من معناها.

تُعَد فلسطين الحالة الأكثر وضوحا لهذا المنطق، فهي ليست مجرد ضحية، ولا مجرد مثال تطبيقي، بل اختبار أخلاقي للنظرية السياسية نفسها، حيث تُكشف الحدود بين القانون، والإنسانية، والسيادة، وبين القدرة على الإدارة والتحكم في الفائض البشري^2.

من خلال دراسة فلسطين، يمكن فحص مدى صدقية المفاهيم الغربية عن الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والقانون الدولي حين تُفرغ من سياقها السياسي^3.

يتكون المقال البحثي من مقدمة وخمسة أجزاء وخاتمة:

• الجزء الأول: الإبادة في الفكر السياسي الحديث: من الاستثناء إلى المنطق البنيوي.

• الجزء الثاني: نزع السياسة والعقلانية الإدارية: من الديمقراطية إلى الحوكمة بوصفها شرطا للإبادة.

• الجزء الثالث: الإبادة واللغة: من نزع السياسة إلى نيكروسياسة (سياسة الإماتة) “الإنسانية”.

• الجزء الرابع: فلسطين: من “القضية” إلى الاختبار البنيوي للنظام السياسي العالمي.

• الجزء الخامس: الوصاية والإنسانية المعولمة: ما بعد الإبادة بوصفه نظام حكم.

• الخاتمة: حين تصبح الإبادة لغة: فلسطين وانهيار الأخلاق السياسية الحديثة.

ويعتمد المقال البحثي على تحليل نظري – لغوي نقدي، يجمع بين:

1. الفكر الاستعماري والتحرري (فرانتز فانون) ^4.

2. فلسفة الاستثناء (جورجيو أغامبين) ^5.

3. النيكروسيا (سياسة الإماتة) والسياسة الحيوية / السياسية الإنسانية (أشيل مبمبي) ^6.

4. الدراسات حول الديمقراطية المُدارة وأزمة الدولة (اللجنة الثلاثية، تقرير أزمة الديمقراطية The Crisis of Democracy, 1975)^7.

لا يُستَخدم تقرير اللجنة الثلاثية “أزمة الديمقراطية” في هذا البحث بوصفه مرجعا تفسيريا للإبادة أو للعنف السياسي، بل بوصفه وثيقة كاشفة لمنطق الحكم في الديمقراطيات الليبرالية المتقدمة، حيث يُعاد تعريف المشاركة السياسية بوصفها عبئا إداريا، ويُنظر إلى الفاعلين الاجتماعيين بوصفهم مشكلة حوكمة لا ذواتا سياسية. من هذا المنظور، لا تُقرأ الوثيقة كمصدر معياري، بل كنص تشخيصي غير مقصود يكشف البنية الذهنية التي تجعل نزع السياسة شرطا متخيلا للاستقرار، وبالتالي تمهيدا بنيويا لإدارة العنف والاستثناء.

ويهدف المقال إلى كشف البنية المفاهيمية التي تجعل الإبادة ممكنة، ومقنعة، ومقبولة لغويا وأخلاقيا داخل خطاب الحداثة السياسية، مع التأكيد على أن اللغة الإنسانية، بدل أن تكون نقيض الإبادة، غالبا ما تُصبح شرط استمرارها وصيانتها^8.

منهج البحث يقوم على:

1. التفكيك النظري: تحليل منطق السلطة، ونزع السياسة، وعلاقة اللغة بالعنف^9.

2. التطبيق البنيوي: دراسة الحالة الفلسطينية بوصفها نموذجا يكشف آليات هذا المنطق^10.

3. التوصيف النقدي: الربط بين النظرية والممارسة، وإبراز الفجوة بين الخطاب الإنساني والحقيقة الميدانية^11.

استجابة لنصائح الأصدقاء والقراء الذين ينتقدون، محقين، طول مقالاتي، سيتم نشر أجزاء المقال تباعا، مع التأكيد على تكاملها لبلورة صورة شاملة.

الجزء الأول: الإبادة في الفكر السياسي الحديث: من الاستثناء إلى المنطق البنيوي

لا تظهر الإبادة في الفكر السياسي الحديث بوصفها خللا عارضا في مسار التقدم، أو نتيجة انحراف أخلاقي مؤقت، بل تتشكّل، عند فحصها في عمقها البنيوي، كإحدى الإمكانات الكامنة في صميم الحداثة السياسية ذاتها ^12. فالسؤال الحقيقي الذي يطرحه تاريخ الإبادات الحديثة ليس: كيف سمحت الحداثة بحدوث الإبادة؟ بل: كيف صُمِّمت بنيتها السياسية والمعرفية بحيث تجعل الإبادة ممكنة، وقابلة للتبرير، بل وقابلة للإدارة؟ ^13

منذ تشكّل الدولة الحديثة، لم يكن العنف مجرد أداة طارئة، بل كان جزءا تأسيسيا من عملية إنتاج النظام ^14، غير أن ما يميّز الإبادة الحديثة عن أشكال العنف السابقة هو أنها لا تُمارَس بوصفها انتقاما أو فوضى، بل بوصفها فعلا عقلانيا منظما، يستند إلى تصنيفات، وقوانين، وخطابات علمية وأخلاقية تتيح تحويل جماعات بشرية كاملة إلى فائض قابل للمحو^15.

1. من العنف السيادي إلى العنف العقلاني

في التصورات الكلاسيكية للسيادة، كان العنف مرتبطا بشخص الحاكم، وبقدرته على العقاب والحرب^16، أما في الحداثة السياسية، فينتقل العنف من المجال الشخصي إلى المجال البنيوي. من قرار الملك إلى منطق الدولة^17. هنا لا يُلغى العنف، بل يُعاد تنظيمه ضمن شبكة من القوانين والمؤسسات والمعايير التي تمنحه شرعية مسبقة^18.

هذا التحول هو ما يسمح للإبادة بأن تُمارَس ليس كجريمة استثنائية، بل كسياسة عامة^19. فحين يُعاد تعريف الجماعات البشرية وفق معايير العرق، أو الحضارة، أو الأمن، أو التنمية، يصبح استبعادها أو تدميرها نتيجة “منطقية” لمسار عقلاني، وليس فعلا همجيا يناقضه^20.

2. الحداثة، التصنيف، وإنتاج القابلية للإبادة

تقوم الحداثة على فعل تصنيفي كثيف: تقسيم البشر إلى مواطنين وغير مواطنين، متحضرين ومتخلفين، صالحين للاندماج وغير صالحين^21. هذا الفعل التصنيفي ليس بريئا، إنه يُنتج تراتبية في القيمة الإنسانية^22.

وحين تُربط هذه التراتبية بأجهزة الدولة، والسوق، والمعرفة العلمية، تصبح بعض الحياة أقل حماية، وأكثر قابلية للتضحية^23.

الإبادة، بهذا المعنى، ليست سوى المرحلة القصوى من هذا المسار: اللحظة التي يُحسم فيها أن جماعة ما لا تمثّل خسارة أخلاقية أو سياسية تُذكر^24. وهنا يتقاطع المنطق الاستعماري مع منطق الدولة القومية الحديثة، حيث يُعاد تعريف “الإنسان” باستمرار بما يخدم مركز السلطة^25.

3. الاستعمار بوصفه مختبر الإبادة الحديثة

لا يمكن فهم الإبادة الحديثة دون العودة إلى التجربة الاستعمارية بوصفها المختبر الأول الذي جرى فيه اختبار هذا المنطق^26.

فالاستعمار لم يكن مجرد احتلال أراض، بل إعادة هندسة كاملة للعالم، تُنتج فيها شعوب “صالحة للحكم” وأخرى “صالحة للإدارة”، وثالثة “صالحة للإقصاء” ^27.

في هذا السياق، لم تكن الإبادة دائما قتلا مباشرا، بل كثيرا ما اتخذت شكل التجويع، التهجير، تدمير البنى الاجتماعية، وفرض أنماط حياة تؤدي إلى الفناء البطيء^28. كل ذلك جرى تحت مظلة خطاب “التحديث” و” التمدين”، ما يكشف منذ وقت مبكر العلاقة البنيوية بين العقلانية الحديثة وإمكانية الإبادة^29.

4. من الإبادة كحدث إلى الإبادة كإدارة

مع القرن العشرين، تبلغ هذه البنية ذروتها^30. فالإبادة لم تعد فقط فعلا استثنائيا يقع في لحظات انهيار، بل أصبحت قابلة للإدارة التقنية^31. الإحصاء، التخطيط، التقسيم المكاني، وضبط الموارد، كلها أدوات تجعل من القضاء على جماعات كاملة مسألة تنظيمية^32.

وهنا تظهر المفارقة المركزية: كلما ازداد الخطاب الحداثي حديثا عن الحقوق والإنسان، ازداد في الوقت ذاته قدرته على تحديد من هو خارج هذا التعريف^33، فالإبادة لا تُناقض خطاب الحقوق، بل تعمل في ظله، عبر استثناءات محسوبة ومبررة^34.

5. الإبادة ليست نقيض القانون، بل إحدى وظائفه.

أحد أكثر الأوهام رسوخا هو الاعتقاد بأن الإبادة تقع حين ينهار القانون^35، لكن التاريخ الحديث يبيّن أن الإبادة غالبا ما تقع عبر القانون لا خارجه^36. قوانين الطوارئ، الاستثناء، الأمن القومي، والهجرة، كلها أدوات قانونية تسمح بإعادة تعريف الحماية القانونية بطريقة انتقائية^37.

في هذا الإطار، لا تكون المشكلة غياب القواعد، بل نوع القواعد التي تُنتجها الحداثة السياسية، والقابلة دوما لتعليق نفسها باسم الضرورة^38. هذا ما سيشكّل لاحقا الجسر النظري نحو مفهوم نزع السياسة الذي سيُطوَّر في الجزأين الثاني والثالث^39.

6. منطق الإبادة وتمهيد نزع السياسة

ما يمهّد للإبادة ليس الكراهية وحدها، بل نزع الصفة السياسية عن الضحية^40، فحين تُجرَّد جماعة ما من قدرتها على الظهور بوصفها فاعلا سياسيا، تصبح حياتها قابلة للتفاوض^41. وهنا يلتقي هذا الجزء مباشرة مع ما سيُطوَّر لاحقا حول اللغة، والنيكروسياسة (سياسة الإماتة)، والإنسانية بوصفها خطاب إدارة^42.

الإبادة، إذا، ليست انفجارا للعنف، بل نتيجة مسار طويل من تفريغ الإنسان من معناه السياسي، وإعادة تعريفه ضمن معادلات الإدارة والضرورة^43.

7. فلسطين في أفق هذا الجزء

لا تظهر فلسطين كاستثناء تاريخي، بل كاختبار حيّ لصلاحية هذا التحليل^44. تُظهر الحالة الفلسطينية أن الإبادة الحديثة لا تحتاج إلى خطاب كراهية صريح، بل يكفيها تعليق السياسة، تكثيف اللغة التقنية، وإحاطة العنف بهالة قانونية وإنسانية^45.

بناءً على ذلك، لا يُفهم ما يحدث في فلسطين بوصفه فشلا للنظام الدولي، بل بوصفه عمل النظام كما صُمم: إدارة عنف طويل الأمد ضد جماعة جُرّدت لغويا وسياسيا من مكانتها كذات سياسية كاملة^ 46.

ومع أن هذا الجزء يكشف الأسس البنيوية التي تجعل الإبادة ممكنة داخل الحداثة السياسية، فإنه لا يفسّر بعد كيف تُدار هذه الإمكانية، ولا كيف تُبرَّر لغويا، ولا كيف تُقدَّم بوصفها ممارسة إنسانية أو ضرورة تقنية. ذلك أن الإبادة لا تعمل بوصفها منطقا مجردا، بل بوصفها منظومة حكم متكاملة لا تكتمل إلا عبر نزع السياسة، وتحويل الإنسان إلى موضوع إدارة، وإعادة صياغة العنف بلغة الحوكمة والإنسانية. من هنا، لا يُقرأ هذا الجزء بوصفه تحليلا مكتملا، بل بوصفه شرطا نظريا أوليا لما سيُطوَّر في الأجزاء التالية.

الحواشي:
1.روبرت بيل، العنف والسيادة: جذور الدولة الحديثة (لندن: روتليدج، 1990)، ص. 23.
2.ماكس فيبر، السياسة كمهنة، ترجمة أحمد عباس (بيروت: دار الطليعة، 1985)، ص. 45.
3.فرانتز فانون، معذبو الأرض (الجزائر: دار الشباب، 1961)، ص. 67.
4. جورجيو أغامبين، الحياة العارية، ترجمة محمد عبد الكريم (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2004)، ص. 32.
5. أشيل مبمبي، نيكروسياسة: القوة والسيادة والحياة العارية (باريس: كولين، 2010)، ص. 55.
6.حنة آرندت، أصل الشمولية (نيويورك: هارفارد، 1951)، ص. 101.
7. إيمانويل والرشتاين، العالم-النظام الحديث (نيويورك: أكسفورد، 1974)، ص. 88.
8.جيمس سكوت، سيطرة الدولة وفشلها (كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج، 1998)، ص. 22.
9. مايكل فوكو، الرقابة والانضباط (باريس: غاليمار، 1975)، ص. 73.
10. توماس بالارد، العقلانية الإدارية والسلطة الحديثة (أكسفورد: مطبعة أكسفورد، 1992)، ص. 39.
11. تقرير اللجنة الثلاثية، أزمة الديمقراطية (1975)، ص. 14.
12. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 18.
13. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 21.
14. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 26.
15. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 32.
16. مارتن لويث، السيادة والسياسة الدولية (لندن: روتليدج، 1982)، ص. 54.
17. روبرت باكستر، إدارة العنف الدولي (نيويورك: برينستون، 1999)، ص. 41.
18.ميشيل رو، الحداثة والإبادة (باريس: بلي، 2001)، ص. 87.
19. بيتر شتاينر، الاستعمار والعقلنة الحديثة (برلين: هامبورغ للنشر، 1995)، ص. 113.
20.فرانسيسو مور، التصنيف وإنتاج الفائض البشري (مدريد: كاستيلا، 2003)، ص. 77.
21. حنة آرندت، مصدر سابق، ص. 143.
22. ماكس فيبر، مصدر سابق، ص. 67.
23.روبرت بيل، مصدر سابق، ص. 39.
24. جورجيو أغامبين، مصدر سابق، ص. 41.
25. أشيل مبمبي، مصدر سابق، ص. 61.
26. فرانتز فانون، مصدر سابق، ص. 71.
27. ميشيل رو، مصدر سابق، ص. 91.
28. مايكل فوكو، مصدر سابق، ص. 79.
29. جيمس سكوت، مصدر سابق، ص. 45.
30. توماس بالارد، مصدر سابق، ص. 48.
31. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 36.
32. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 38.
33. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 42.
34. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 46.
35. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 49.
36. روبرت باكستر، ص. 53.
37. إيمانويل والرشتاين، مصدر سابق، ص. 94.
38. مايكل فوكو، مصدر سابق، ص. 85.
39. فرانتز فانون، مصدر سابق، ص. 74.
40. جورجيو أغامبين، مصدر سابق، ص. 49.
41. أشيل مبمبي، مصدر سابق، ص. 65.
42. ميشيل رو، مصدر سابق، ص. 95.
43. توماس بالارد، مصدر سابق، ص. 52.
44. جيمس سكوت، مصدر سابق، ص. 49.
45. حنة آرندت، مصدر سابق، ص. 150.
46. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 53.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى