د. عمرو حمزاوي: عن الاقتراب من مأساة ما بين الحربين العالميتين وسبل الابتعاد عنها
د. عمرو حمزاوي 10-2-2026: عن الاقتراب من مأساة ما بين الحربين العالميتين وسبل الابتعاد عنها
يصعب على المراقب المتأمل لمسار النظام الدولي الراهن أن يتخلص من شعور قوي بأن العالم يعيش لحظة تاريخية مألوفة، لحظة سبق للبشرية أن خبرت توتراتها، وارتباكاتها، وانكسارات يقينها. فكما كان الحال في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، يبدو عالم اليوم عالقًا بين نظام دولي لفظ أنفاسه الأخيرة ونظام آخر لم تتبلور ملامحه بعد، بين وعود الاستقرار التي لم تتحقق ومخاوف الانزلاق إلى فوضى أوسع لا تزال احتمالاتها مفتوحة. في تلك الفترة، كما في أيامنا هذه، كان السؤال الجوهري هو: إلى أين يتجه العالم؟ ولم يكن أحد يمتلك إجابة حاسمة.
بعد الحرب العالمية الأولى، خرجت القوى الكبرى منهكة اقتصاديًا، ومضطربة اجتماعيًا، ومجروحة نفسيًا. بدا أن النظام الدولي الذي تشكل حول معاهدات السلام، وعلى رأسها فرساي، يفتقر إلى الشرعية والاستدامة. لم تكن قواعده مقبولة لدى القوى المهزومة، ولم تكن القوى المنتصرة مستعدة أو قادرة على الدفاع عنها طويلًا. اليوم، وبعد عقود من الهيمنة الغربية، وبخاصة الأمريكية، يمر النظام الليبرالي الدولي بأزمة مشابهة في العمق وإن اختلفت في السياق. تتآكل شرعية المؤسسات الدولية، من مجلس الأمن إلى منظومة التجارة العالمية، وتتراجع القدرة على فرض القواعد أو حتى الاتفاق على معناها وحدودها.
أحد أوجه الشبه الأكثر وضوحًا بين الفترتين يتمثل في صعود قوى كبرى وقوى متوسطة تسعى إلى إعادة تعريف مكانتها في النظام الدولي، وتكسر عمدًا أو انتقائيًا القواعد القائمة. في فترة ما بين الحربين، شهد العالم صعود ألمانيا النازية، وإيطاليا الفاشية، واليابان الإمبراطورية، وكلها قوى رأت في النظام القائم قيدًا على طموحاتها، وفي القانون الدولي أداة انتقائية تُستخدم ضدها لا لصالحها. لم يكن هدف هذه القوى فقط تعديل ميزان القوة، بل إعادة صياغة القواعد نفسها بما يخدم مصالحها ونزعتها التوسعية.
اليوم، يتكرر المشهد بصور مختلفة. فروسيا تعلن صراحة رفضها لترتيبات ما بعد الحرب الباردة، وتستخدم القوة العسكرية لإعادة رسم الحدود وفرض وقائع جيوسياسية جديدة. الصين، وإن كانت أقل اندفاعًا عسكريًا، تسعى بثبات إلى إعادة هندسة موازين القوة الاقتصادية والتكنولوجية، وتختبر حدود النظام القائم في آسيا وخارجها. حتى الولايات المتحدة، التي كانت لعقود حارس النظام الدولي، باتت في كثير من الأحيان أول من ينتهك قواعده أو يتعامل معها بأدوات انتقائية، وهو ما يذكرنا بتراجع التزام بريطانيا وفرنسا في الثلاثينيات بالدفاع عن النظام الذي أنشأتاه.
كما في فترة ما بين الحربين، تلعب الأزمات الاقتصادية دورًا محوريًا في تسريع التحولات السياسية وتغذية النزعات القومية والشعبوية. فقد مهّد الكساد الكبير في 1929 الطريق لصعود قوى راديكالية وعدت بالاستقرار والوظائف والكرامة الوطنية، ولو على حساب الديمقراطية والتعاون الدولي. واليوم، ورغم اختلاف بنية الاقتصاد العالمي، أدت أزمات متلاحقة ــ من الأزمة المالية العالمية إلى جائحة كورونا ثم اضطرابات سلاسل الإمداد والتضخم ــ إلى زعزعة الثقة في العولمة، وتعزيز خطاب الانغلاق، وإعادة الاعتبار لمنطق “الدولة أولًا” و”المصلحة القومية” بوصفها مرجعًا أعلى.
عامل آخر مشترك هو حالة السيولة واللايقين الاستراتيجي. ففي العشرينيات والثلاثينيات، لم يكن واضحًا ما إذا كان السلام الهش سيصمد أم أن حربًا جديدة تلوح في الأفق. كان العالم يتحرك بين محاولات للتهدئة وسياسات استرضاء، وبين سباقات تسلح واستعدادات خفية للمواجهة. واليوم، يعيش النظام الدولي حالة مشابهة من الغموض: حروب إقليمية تتسع نطاقاتها، صراعات كبرى بالوكالة، وتوازن ردع نووي لا يمنع التصعيد بقدر ما يؤجله أو يعقده.
ومثلما عانت عصبة الأمم من العجز والانقسام وفقدان أدوات التنفيذ، تواجه المؤسسات الدولية المعاصرة أزمة فعالية ومصداقية. لم يكن فشل العصبة مجرد نتيجة لضعفها المؤسسي، بل أيضًا لانعدام الإرادة السياسية لدى القوى الكبرى لاحترام قراراتها. واليوم، تتكرر هذه الإشكالية مع الأمم المتحدة ومجلس الأمن، حيث يُستخدم حق النقض كأداة شلل لا كآلية توازن، وحيث تُدار النزاعات الكبرى خارج الأطر الجماعية أو على هامشها.
غير أن أوجه الشبه لا تعني التطابق. فالعالم اليوم أكثر ترابطًا اقتصاديًا وتكنولوجيًا، وأكثر وعيًا بتكلفة الحروب الشاملة، وأكثر إدراكًا لأخطار الانهيار البيئي والمناخي. لكن هذه العوامل، بدلًا من أن تكون عناصر استقرار تلقائية، تحولت في كثير من الأحيان إلى مصادر توتر إضافية، تُستخدم كسلاح في الصراع على النفوذ، تمامًا كما استُخدمت التجارة والموارد في ثلاثينيات القرن الماضي.
الخلاصة أن التشابه بين الفترتين لا يكمن فقط في الوقائع، بل في المزاج العام للنظام الدولي: شعور جماعي بأن العالم يقف على مفترق طرق، وأن القواعد القديمة لم تعد صالحة، وأن المستقبل مفتوح على سيناريوهات متناقضة، من إصلاح تدريجي للنظام الدولي إلى انزلاق خطير نحو صدامات أوسع. وكما أظهرت تجربة ما بين الحربين، فإن غياب الرؤية المشتركة، وتردد القوى المسؤولة، واندفاع القوى الطامحة، كلها عوامل قد تجعل من لحظات اللايقين فرصًا ضائعة، أو كوارث مؤجلة. والأمل معقود على القوى الوسيطة في أقاليم العالم المختلفة في احتواء اندفاع الكبار وتجاوز تردد ووهن مؤسسات النظام الدولي لعالم ما بعد الحربين الكونيتين اللتين شهدهما القرن العشرين.
يبقى السؤال، كما كان قبل قرن تقريبًا، ما إذا كان الفاعلون الدوليون قادرين هذه المرة على التعلم من التاريخ، لا بوصفه مخزنًا للتشبيهات البلاغية، بل باعتباره تحذيرًا عمليًا من كلفة تجاهل القواعد، والاستهانة بتآكل الشرعية، وترك النظام الدولي يتآكل حتى الانفجار.



