د. عمرو حمزاوي: الاتحاد الأوروبي وسؤال التسوية في أوكرانيا
د. عمرو حمزاوي 23-12-2025: الاتحاد الأوروبي وسؤال التسوية في أوكرانيا
يجد الاتحاد الأوروبي نفسه اليوم أمام أحد أعقد اختباراته السياسية والاستراتيجية منذ نهاية الحرب الباردة، يتمثل في كيفية التعاطي مع آفاق التسوية التفاوضية للحرب في أوكرانيا. فالحرب، التي دخلت عامها الثالث، لم تعد مجرد صراع عسكري على الأراضي الأوكرانية، بل تحولت إلى مواجهة مفتوحة حول شكل النظام الأوروبي ومستقبل الأمن في القارة، بل وموقع أوروبا نفسه في توازنات القوة الدولية. وبينما يعلن الاتحاد الأوروبي رسميًا دعمه لأي تسوية عادلة تقوم على احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها، فإن الواقع يكشف عن شبكة معقدة من التحديات البنيوية والسياسية والاستراتيجية التي تقيّد قدرته على لعب دور فاعل وحاسم في مسار التفاوض.
أول هذه التحديات يتمثل في غياب الوحدة السياسية الكاملة داخل الاتحاد الأوروبي. فالدول الأعضاء، رغم اتفاقها الظاهري على دعم أوكرانيا، تختلف جذريًا في تقييمها لطبيعة الصراع وحدوده وأهدافه النهائية. دول أوروبا الشرقية والبلطيق تنظر إلى الحرب باعتبارها معركة وجودية مع روسيا، وترى أن أي تسوية تفاوضية لا تتضمن هزيمة استراتيجية واضحة لموسكو تمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
في المقابل، تميل دول أخرى، خاصة في جنوب وغرب أوروبا، إلى مقاربة أكثر حذرًا، تركز على كلفة الحرب الاقتصادية والاجتماعية وعلى ضرورة فتح قنوات دبلوماسية لتفادي صراع طويل الأمد يستنزف الجميع. هذا التباين يضعف قدرة الاتحاد على بلورة موقف تفاوضي موحّد، ويجعل حديثه عن التسوية أقرب إلى خطاب عام منه إلى استراتيجية عملية.
التحدي الثاني يرتبط بالتبعية الأمنية والعسكرية للولايات المتحدة. فمنذ اندلاع الحرب، لعبت واشنطن الدور القيادي في دعم أوكرانيا عسكريًا واستخباريًا، بينما بقي الاتحاد الأوروبي، رغم مساهماته المالية الكبيرة، عاجزًا عن العمل كفاعل أمني مستقل. هذا الواقع يطرح إشكالية أساسية في ملف التسوية التفاوضية: هل يمتلك الاتحاد الأوروبي هامشًا حقيقيًا للتحرك الدبلوماسي بعيدًا عن الحسابات الأمريكية؟ أم أن دوره سيظل مرتبطًا بإيقاع السياسات الأمريكية، سواء اتجهت نحو التصعيد أو نحو التفاوض؟ إن غياب استقلالية أوروبية حقيقية في مجال الأمن والدفاع يجعل الاتحاد طرفًا تابعًا أكثر منه وسيطًا قادرًا على التأثير في شروط التسوية.
أما التحدي الثالث فيتمثل في الغموض الاستراتيجي حول أهداف التسوية نفسها. فحتى داخل المؤسسات الأوروبية، لا يوجد توافق واضح حول ما الذي تعنيه «تسوية مقبولة». هل هي عودة كاملة إلى حدود ما قبل عام ٢٠١٤؟ أم تجميد للصراع على خطوط تماس جديدة؟ أم صيغة وسطية تتضمن ترتيبات أمنية خاصة وضمانات دولية طويلة الأمد؟ هذا الغموض ينعكس سلبًا على الخطاب الأوروبي، إذ يطالب الاتحاد روسيا بالانسحاب واحترام القانون الدولي، لكنه لا يقدم تصورًا سياسيًا واقعيًا لكيفية الانتقال من الحرب إلى السلام. وفي غياب هذا التصور، يفقد الاتحاد قدرته على طرح مبادرات تفاوضية ذات مصداقية.
التحدي الرابع يرتبط بالضغوط الاقتصادية والاجتماعية داخل الدول الأوروبية. فالعقوبات المفروضة على روسيا، وارتفاع أسعار الطاقة، وتباطؤ النمو الاقتصادي، كلها عوامل أثّرت بعمق على المجتمعات الأوروبية. ومع مرور الوقت، بدأت تظهر أصوات سياسية وشعبوية تشكك في جدوى الاستمرار في دعم أوكرانيا «مهما كلف الأمر»، وتطالب بإعطاء الأولوية للأوضاع الداخلية. هذه الضغوط تضع صانعي القرار الأوروبيين في معادلة صعبة: فالدفع نحو تسوية تفاوضية قد يُفسَّر على أنه تراجع أو ضعف، بينما الاستمرار في النهج الحالي دون أفق سياسي واضح قد يؤدي إلى تآكل الدعم الشعبي للموقف الأوروبي برمته.
التحدي الخامس يتمثل في تعقيدات العلاقة مع روسيا نفسها، فالاتحاد الأوروبي لم يعد يتعامل مع روسيا كشريك محتمل، بل كخصم استراتيجي يهدد النظام الأوروبي القائم. هذا التحول العميق في الرؤية يجعل فكرة التفاوض مع موسكو شديدة الحساسية سياسيًا وأخلاقيًا. فكيف يمكن التفاوض مع طرف يُنظر إليه باعتباره منتهكًا صارخًا للقانون الدولي؟ وكيف يمكن تبرير أي تنازل في سياق خطاب أوروبي يرفع شعار المساءلة وعدم الإفلات من العقاب؟ هذه الإشكالية الأخلاقية والسياسية تحد من مرونة الاتحاد في التفكير في حلول وسط، رغم أن أي تسوية تفاوضية واقعية ستتطلب بالضرورة تنازلات متبادلة.
ولا يمكن إغفال التحدي المتعلق بموقع أوكرانيا نفسها في عملية التفاوض. فالاتحاد الأوروبي يعلن دعمه الكامل لكييف ويؤكد أن أي تسوية يجب أن تتم بموافقة القيادة الأوكرانية. لكن هذا الموقف، على وجاهته المبدئية، يطرح إشكالية عملية: إلى أي مدى يمكن للاتحاد التأثير في خيارات أوكرانيا التفاوضية؟ وإذا ما قررت كييف، تحت ضغط الواقع العسكري أو التحولات الدولية، الدخول في مفاوضات بشروط لا تحظى بإجماع أوروبي، فكيف سيتعامل الاتحاد مع ذلك؟ هذا التوتر بين احترام السيادة الأوكرانية والحفاظ على وحدة الموقف الأوروبي يظل أحد أعقد جوانب الملف.
كما يواجه الاتحاد الأوروبي تحديًا إضافيًا يتمثل في التحولات في النظام الدولي الأوسع. فالحرب في أوكرانيا لم تعد صراعًا أوروبيًا – روسيًا فحسب، بل باتت جزءًا من تنافس عالمي أوسع، يشمل الصين ودول الجنوب العالمي. كثير من هذه الدول تنظر إلى الموقف الأوروبي بوصفه انتقائيًا في التزامه بالقانون الدولي، وهو ما يضعف قدرة الاتحاد على حشد دعم دولي واسع لأي مبادرة تفاوضية. ومن دون هذا الدعم، يصعب على أوروبا لعب دور الوسيط المقبول دوليًا.
في ضوء هذه التحديات المتشابكة، يبدو أن الاتحاد الأوروبي يقف عند مفترق طرق حقيقي. فإما أن يظل أسير ردود الفعل، مكتفيًا بدعم عسكري واقتصادي طويل الأمد دون استراتيجية سياسية واضحة، أو أن يبدأ في بلورة رؤية أكثر واقعية للتسوية، تعترف بتوازنات القوة، دون أن تتخلى عن المبادئ الأساسية للقانون الدولي. تحقيق الخيار الثاني يتطلب شجاعة سياسية، وقدرة على إدارة الخلافات الداخلية، واستثمارًا جديًا في بناء دور أوروبي مستقل في الأمن والدبلوماسية.
في التحليل الأخير يتعين القول بإن التحديات التي يواجهها الاتحاد الأوروبي في ملف التسوية التفاوضية في أوكرانيا لا تعكس فقط صعوبة إنهاء حرب معقدة، بل تكشف أيضًا عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الاتحاد نفسه: هل هو فاعل استراتيجي قادر على صياغة السلام في قارته، أم مجرد تجمع دولي يتأثر بقرارات الآخرين؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل الحرب في أوكرانيا، بل ستشكل أيضًا ملامح الدور الأوروبي في عالم يتجه بسرعة نحو مزيد من الاضطراب والتعددية القطبية.



